مازال هانز يواخيم لينهارد يجد صعوبة في التحدث عن كارثة عرض رامشتاين الجوي في ألمانيا برغم أنها وقعت منذ 13 عاما. فقد كان لينهارد (47 عاما) ضمن طاقم إطفاء في قاعدة تابعة لسلاح الجو الامريكي في ولاية رينانيا-البلاتينات الالمانية وقت الحادث حيث قتل العشرات حوله وأصيب 450 شخصا بينما لم يصب هو بأي إصابة بدنية. غير أن لينهارد لحقت به إصابات أيضا ولكنها لم تظهر فورا، إذ بدأ يعاني من أعراض مختلفة أدت في النهاية إلى فقده وظيفته. ويقول لينهارد واصفا نفسه بعد الحادث لم أعد الانسان الذي عهدته، حيث يقاضي الحكومة الامريكية ويطالبها بتعويض عن الاضرار النفسية الناتجة عن الكارثة التي ألمت به فضلا عن أكثر من 80 آخرين من الناجين. ويوم وقوع الكارثة في 28 أغسطس 1988 كان لينهارد، الذي ظل يعمل مع الامريكيين طيلة 14 عاما، قد بدأ عمله كالمعتاد في الساعة الثامنة والنصف صباحا. كان يوما مشمسا حيث تدفق 300 ألف شخص لمتابعة العرض الجوي ووقعت الكارثة في الساعة الثالثة وخمسة وأربعين دقيقة ظهرا بالضبط عندما اصطدمت ثلاث طائرات يقودها فريق للطيارين الاستعراضيين الايطاليين في الجو لتهوي إحدى الطائرات ككرة لهب على المتفرجين. وقد قتل 31 شخصا في الحال بينما لقي 36 آخرون مصرعهم متأثرين بإصاباتهم في وقت لاحق في إحدى أسوأ الكوارث في تاريخ الاستعراضات الجوية على الاطلاق. كان لينهارد يقف على بعد 60 مترا فقط من موقع سقوط الطائرة إلى الارض ليهرع بعربة الاطفاء إلى الموقع في محاولة لاطفاء الحريق. ومع السيطرة على النيران طلب منه انتشال بقايا بعض القتلى. قال لينهارد أسوأ شيء أنه كان علينا إزالة الجثث المتفحمة. لا أستطيع حتى الان أن أنسي هذا اليوم. ولفترة بعد الحادث كان لينهارد متماسكا وبدا كأن الامور تسير بشكل طبيعي ولكن لم تمض عدة أسابيع إلا بدأ يعاني من أرق مرضي أخذ في التفاقم تدريجيا. إذ لم يستطع لينهارد ببساطة نسيان الفظائع التي رآها مما حدا بالاطباء إلى وصف عقاقير مهدئة له. وبعد عامين تحطمت طائرة أمريكية في المنطقة حيث كان لينهارد مازال يعمل ضمن فريق الاطفاء. وعند الوصول إلى موقع الحادث تذكر ما حدث في العرض الجوي فشعر بصعوبة في التنفس ثم سقط مغشيا عليه. استيقظ لينهارد ليجد نفسه في المستشفى حيث نصحه الاطباء بالبحث عن وظيفة أخرى. وعبثا حاول لينهارد العمل في وظائف أخرى ولكنه سرعان ما فقدها جميعا إما بسبب تسريح الشركات للعمال أو تعرضها للافلاس أو بسبب مشاكل صحية. ومضى بعض الوقت قبل أن يبحث لينهارد عن علاج متخصص وفي عام 1997 زار رجل الاطفاء السابق زوجا وزوجته يعملان كفريق للعلاج النفسي كانا قد باشرا جلسات علاجية مع 250 من ضحايا رامشتاين. وقال لينهارد أردت أن أفعل شيئا حيال ذلك الامر في وقت سابق ولكني لم أكن أريد أن اجتر الامر مرة أخرى. وفي المؤسسة المركزية للصحة النفسية في مدينة مانهايم جنوب ألمانيا تم تشخيص حالة لينهارد على أنه يعاني من الاثار النفسية لحادث رامشتاين. ووجدت الطبيبة سيبيل ياتسكو أن لينهارد يعاني من اضطراب نفسي يتراوح بين فترات من فقدان التركيز إلى نوبات ذعر واكتئاب وشعور عام بالانهاك المزمن. وقال لينهارد السعادة هجرت حياتي. ولا يعبأ رجل الاطفاء السابق كثيرا بالتعويض المادي وإنما يبغى نوعا من التعويض عما اجتازه من أزمة. ويقول لينهارد الامر لا يتعلق بالمال ويعتقد أنه من المهم «أن يعلم الناس ما حدث» وأن يعالج المسئولون آثار الكارثة. ويعتقد لينهارد أن المتفرجين على عرض رامشتاين الجوي كانوا قريبين أكثر من اللازم من ممر الهبوط، أقرب مما يسمح به في فعاليات مماثلة في الولايات المتحدة وقال لو كان قد تم الحفاظ على المسافة المناسبة لما حدث ذلك. ويمثل المحامي الالماني جيرهارت باوم من كولونيا 84 من الضحايا حيث قال أنه سيرفع قضية تعويض الشهر الحالي أو المقبل. وتوجه القضية أصابع الاتهام إلى الادارة الامريكية لتقاعسها عن اتخاذ الاحتياطات الامنية اللازمة لحماية المتفرجين خلال العرض الجوى. وقد دفعت ألمانيا بالفعل تعويضات للمصابين بأضرار بدنية بلغت 32 مليون مارك (2.15 مليون دولار) لنحو 500،1 مدعي إجمالا. ولينهارد لن يرفض التعويض المالي حيث قال بصوت تلمح فيه مرارة فقدت صحتي أثناء أداء وظيفتي. وبرغم أنه خسر الكثير من المال إلا أن أحدا لم يسأل رسميا عن كيف سارت به الامور ومنذ عام 1998 ويتلقى لينهارد معاش تقاعد كشخص غير قادر على العمل وهو الذي لا يكفيه لاعاشته. والالتقاء بالناجين الاخرين من الكارثة يشكل عزاء للينهارد فيقول لا يوجد أفضل من التحادث معهم. ويجتمع ما بين 60 و100 شخص ثلاث مرات سنويا لتذكر يوم الحادث الذي بدل حياتهم ومستقبلهم ويشعر الكثيرون منهم بضرورة مقاضاة الولايات المتحدة. ويقال لينهارد أن شعورك أنك لست وحدك يساعد كثيرا ويعترف بأن معاناته لا تقاس بحزن آخرين ممن فقدوا أحباءهم أو من انتهى بهم الامر إلى الطلاق بسبب هذا الحادث. وأضاف لينهارد أن العديد من الزيجات انتهت بالانفصال فمن حضر هذا الحادث لا يستطيع أن تستمر حياته بشكل طبيعي مرة أخرى. غير أن لينهارد لم يعان من ذلك، بينما حاول العديدون إغراق آلامهم في إدمان الخمور. د. ب. ا