«لقد اصبت لتوك بفيروس الايدز» العبارة قرأها مواطن فرنسي دخل احدى صالات السينما وعندما جلس في مقعده شعر بوخزة في اعلى فخذه، فصرخ ونهض عن المقعد ليكتشف ان ابرة كانت مغروزة في المقعد ومعها قصاصة الورق التي تنعي مستقبله بل وحياته كلها على اتساعها. مركز «السيطرة على الأمراض» في باريس أكد انه سجل مؤخرا العديد من الحوادث المشابهة وقال ان ابراً ملوثة بفيروس الايدز عثر عليها في اماكن اخرى بينها آلات صرف النقود في البنوك، بينما وزع مكتب الاتصالات والشئون العامة في السفارة الأمريكية في لندن بيانا عبر شبكة الانترنت حذر فيه من وجود عملية تخريب واسعة لنشر وباء الايدز واصابة اكبر عدد ممكن من الضحايا في عواصم الغرب الرئيسية، وطلب البيان من كل من يتلقاه توزيعه على أوسع نطاق لمنع المخربين من تحقيق أهدافهم. ماذا يجري في هذا العالم، ومن هم أصحاب المصلحة في نشر وباء الايدز في عواصم الغرب، أم ان المؤامرة هي من تدبير فكر شرير بالمطلق يسعى الى قتل اكبر عدد ممكن من الضحايا بوباء تبلغ تكاليف علاج المصاب به «16» الف دولار سنويا كي يبقى على قيد الحياة ولعدة سنوات فقط؟ ما حدث في أمريكا السؤال يعيدنا إلى الولايات المتحدة، ففي العام 1982 دخل الايدز قاموس المجتمع الأمريكي للمرة الاولى في التاريخ، وعلى مدى اشهر تحول الى افعى اسطورية تتناسل حكاياتها يومياً في كل بيت وبلدة ومدينة، ففي العاصمة واشنطن حيث كنت اقيم اقفرت احواض السباحة في الابنية وفي النوادي من روادها خوفاً من الوباء المجهول، وفي اجهزة الاعلام تصاعدت اصوات تطالب بعزل المصابين والحجر عليهم في اماكن نائية، بل ان جماعة في ولاية تكساس طالبت في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الواسعة الانتشار باطلاق النار على المصابين باعتبارهم مجرمين لابد أن يدفعوا ثمن علاقاتهم الجنسية الآثمة، وفي هذا السياق فقد كان اكبر المتضررين الشارع «14» في واشنطن والشارع «42» في نيويورك، حيث كان يباع بعد السابعة مساء الجنس الرخيص بكل اشكاله، فأقفر الشارعان من الزبائن، بعد ان اجتاحت صحوة الايدز حتى المراهقين. صرخت السيدة لقد بصق وبدأت الحكايات تتناسل وتتناقلها وسائل الاعلام: سيدة في العقد الخامس من عمرها تعمل في سوبر ماركت قفزت من مقعدها مذعورة عندما ناولها شاب ورقة نقدية من فئة العشرين دولاراً، وعندما لامست اصابعها الورقة القتها على الفور وهي تصرخ: انها ملوثة، شاهدته يبصق فوقها قبل أن يناولني اياها، يا الهي انه مصاب بالايدز ويريد ان ينقل المرض لي، ولم تهدأ السيدة إلا في اليوم التالي عندما أكد لها المختبر المركزي بعد تحليل الورقة النقدية، انها خالية من الايدز، ومثلها حكاية سيدتين ابلغتا الشرطة أنهما شاهدتا شابا يقف أمام رفوف الخضار والفواكه في سوبر ماركت كبير و..يبصق فوقها (!)، وكان تفسير ذلك في الروايات المتداولة ان المصابين بالايدز يحاولون نقل العدوى الى أكبر عدد من الناس بحيث تضطر الحكومة الى تمويل شركات تصنيع الادوية للبحث عن علاج سريع للمرض القاتل. القاتل المجهول وما منح هذه الروايات مصداقية في الخيال الشعبي هو انها ترافقت مع جريمة غامضة نشرت الذعر في امريكا من شرقها الى غربها، ويفصل بين الاثنين الاف الأميال، اذ أن علاجا جديدا للصداع يحمل اسم «ثايلنول» قد نزل الى الاسواق وحقق مبيعات هائلة، ولكن احد المواطنين اشترى عبوة بلاستيكية وما ان تناول حبة منها حتى سقط يتلوى من آلام رهيبة ليفارق الحياة بعد دقائق، وتكررت الحادثة في مدينة اخرى، قبل ان يكتشف المحققون ان مجهولا كان يقوم بفتح علبة الثايلنول ووضع حبة من «السايونايد» القاتل داخلها، وهي تشبه حبة الثايلنول، مما اضطر الشركة الصانعة للدواء الى سحب جميع العلب من الاسواق ثم اعادة طرح علب جديدة في السوق ولكن بعد ختمها بغلاف فضي يتعذر اختراقه من دون ان يلاحظ الشاري ذلك.. ثم فاضت الاشاعات عن مشروبات كحولية يحقن غلافها بابرة تحوي مادة «ال. اس. دي» التي تسبب الهلوسة، واذا ما اجتمعت مع الكحول فانها تؤدي الى الجنون. وصارت حكاية المنتقم المجهول والمؤامرة مادة خصبة لصحف التابلويد الشعبية. طقوس الحب تغيرت وفي مواجهة هذه «الفوبيا» او الهيستريا الجماعية عمدت السلطات الصحية الى توزيع منشور في جميع مراكزها عبر الولايات يوضح ان مرض فقدان المناعة المكتسبة، اي الايدز، لا ينتقل بالعدوى من المصاب الى الصحيح الا عبر وسيلتين: الاتصال الجنسي، او عبر القبلة المبللة باللعاب وليس القبلة الجافة، والاهم من كل ذلك انها لا تنتقل عبر اللمس او المصافحة او العناق السطحي.. وترافق مع المنشور تخفيض كبير في اسعار «الواقي» مع توصية لأصحاب النوادي الليلية والمراقص التي يرتادها الشباب بضرورة وضع آلات في محلاتهم، شبيهة بالآلات التي تبيع السجائر، ليتزود الراغبون باستعمال «الواقي» منها. وكان الحديث عن المنتقم يترافق مع الحديث عن طقوس الحب الجديدة بعد انتشار الايدز. المؤامرة والمؤتمر: ربط عنصري ماذا عن المؤامرة الجديدة التي تستهدف عواصم الغرب؟ وهل تربطها اية علاقة بأكبر مؤتمر دولي عن الايدز، تنظمه الامم المتحدة في افريقيا. الجماعات العنصرية في أوروبا تربط بين الحدثين، وتشير الى ان مليونين و«400» الف افريقي قضوا العام الماضي بوباء الايدز، وان العدد سوف يرتفع في العام الجاري الى ثلاثة ملايين افريقي، معظمهم من الشباب، وهؤلاء يشكلون «70» في المئة من المصابين في كل انحاء العالم، وبالتالي فان هذه الجماعات توصي بأن المنتقم يحمل جنسية افريقية، والهدف هو نشر الوباء في نطاق ممكن كي تضطر الحكومة الى توفير العلاج للجميع وبأرخص سعر ممكن. وهذا الربط هو عنصري بالطبع يحاول الرد على الروايات الشائعة، وبعضها صحيح عن ان شركة ادوية غربية هي من اطلق وباء الايدز في افريقيا، خلال احدى تجاربها على القرود، والا من أين ظهر هذا الوباء فجأة في القارة التي لم تعرف مثيلا له من قبل؟ العلاج مجاناً و.. للجميع وفي كل الاحوال فان احد البنود المدرجة على جدول مؤتمر الايدز في افريقيا هو محاولة تخفيض نفقات العلاج السنوي لمرضى الايدز من «16» الف دولار الى «300» دولار فقط. كي تستطيع الحكومات الافريقية معالجة «25» مليون مصاب بالايدز حالياً. ولكن حلا من هذا النوع يبدو خياليا اذا عرفنا ان ملياراً و200 مليون انسان، معظمهم في افريقيا، لا يحصل الواحد منهم على اكثر من دولار واحد كدخل يومي، واذا عرفنا ايضا ان معظم المساعدات الغذائية والصحية للدول الافريقية تنتهي، بسبب الفساد الرسمي، لتباع في السوق السوداء. وبانتظار حل مشكلة الايدز في افريقيا وسواها من الدول الفقيرة فان حكايات المنتقم تنافس الوباء في سرعة الانتشار.