بينما كانت الحكومة الأثيوبية تستعد لفتح الجامعات «المدنية»، على إثر الاضطرابات والمواجهات الدموية التي جرت في الأسبوع قبل الماضي، إذا بطلاب إحدى الجامعات «العسكرية» يستبقونها بما أجج لهيب الأزمة مجددا باختطافهم لطائرة النقل العسكرية «انثتنوف ـ 12» إلى الخرطوم. المعالجة الناقصة لقد خلفت مظاهرات الاسبوع قبل الماضي نحوا من 40 قتيلا، و250 جريحا، و3000 معتقل. وكان القتل الذريع كافيا لكبح جماح الطلاب، وشلت الاعتقالات العشوائية التي ضمت حتما عددا مقدرا من قادة الحركة الطلابية، حركة الطلاب، وبعد انقضاء التحقيقات، تحفظت الحكومة على رؤوس الطلاب بالسجن، وأطلقت خلال الأيام الأخيرة أغلبية أولئك الذين اعتقلوا عشوائيا، ثم دعت الطلاب للعودة إلى الدراسة، ولكن قبل الموعد المزمع بيومين فقط جاء حادث الاختطاف الأخير. مظاهرات الأسبوع قبل الماضي كانت سياسية الطابع، وقد رفعت شعارات ومطالب واضحة، تتعلق بضمان حريات الصحافة والنشر والاجتماع... الخ واشترك فيها عشرات الآلاف من الطلاب، من مختلف القوميات، وان كانت قيادتها قد انعقدت للطلاب «الأمهرا»، ولكن السلطات الحاكمة فضلت مع ذلك، أن تتجاهل الطابع السياسي لتلك التحركات، ولتنسبها إلى فعل بعض العصابات الاجرامية من ممارسي النهب والسلب، تؤازرهم مجاميع أخرى من العاطلين عن العمل. كان ذلك هو التعليق الرسمي للسلطات الاثيوبية على الحدث وكان تعليقا مدهشا، ثم لما تبع ذلك بأسبوع وقوع بعض التفجيرات بالعاصمة أديس أبابا، علق راديو الحكومة قائلا ان تلك التفجيرات ليس لها أي مغزى سياسي، وأنها وقعت مصادفة بطريق الخطأ! ثم لما جاء حادث الاختطاف الاجرامي الأخير للطائرة العسكرية إلى الخرطوم، أصرت الحكومة الأثيوبية على مواصلة منهجها التجاهلي، فنفت أي خلفية سياسية عن الخاطفين، قائلة إنهم مجموعة من طلاب عسكريين متسيبين، وراسبين دراسيا، ومهددين بالفصل النهائي بموجب إنذار تلقوه قريبا، وأن ذلك هو الذي دفع بهم لارتكاب ذلك الجرم الاستثنائي. وبشكل عام يمكن أن يقال إن هذا المنحى «التجاهلي» اتبعه أيضا وزير الثقافة السوداني، ورجل «الانقاذ» القوي د. غازي صلاح الدين، الذي ذكر انه من لم يخرج من خلال مفاوضاته مع الخاطفين، بأن ليس لديهم أي مطالب سياسية محددة، أو ذات طبيعة معينة، تيسر عملية إدراجهم أو نسبتهم إلى أي من أحزاب أو تنظيمات المعارضة الاثيوبية الكثيرة التي تنشط في هذه الأيام لاختراق حكومة ميليس زيناوي وتمزيقها والاطاحة بها، ولكن يبقى فرق بين موقف د. صلاح الدين، وموقف المسئولين الاثيوبيين، فقد نفى صلاح الدين علمه بأي انتماء سياسي وتنظيمي للمختطفين، بينما نفى عنهم المسئولون الاثيوبيون، أي صفة سياسية على الاطلاق، وألبسوهم صفات أخرى تستهدف اغتيالهم معنويا ودمغهم بالفشل والكساد. نذير التأزمات القادمة وبين موقف صلاح الدين الذي أعلن عجزه عن تصنيف الخاطفين سياسيا وتنظيميا، وبين نفي الحكومة الاثيوبية لأي صفة سياسية أو انفصالية عنهم، يأتي موقف الخاطفين أنفسهم حيث حرصوا على اخفاء أي هوية أثنية أو حزبية لهم واتضح أخيرا أنهم من الأمهرا! وأعلنوا فقط عن تضامنهم مع تكتل أحزاب المعارضة بشكل عام، ومع الطلاب المتظاهرين بشكل خاص. ولحرص الخاطفين على نفي أي صفة عضوية لهم بحزب أو تجمع سببين الأول: انهم لا يريدون أن يظهروا بمظهر حزبي أو اثني «معزول». والثاني: أنهم لا يريدون بعد أن وضعوا أنفسهم في الموضع الحرج وهو موضع الاعتقال والحبس، أن يتعرضوا إلى أي مضايقات أو ضغوط تجبرهم على الاعتراف بمزيد من التفاصيل التي قد تجر الآخرين إلى محك التجريم. وبالطبع فهذه كلها قضايا ثانوية، ولكن تجاهلها لا ينبغي أن يدفع إلى تجاهل العبرة من ذلك الحدث بكامله ومن الأحداث التي سبقته، والأحداث التي ربما تتلوه. فالمناخ السياسي الاحتقاني الحالي بأثيوبيا يصعب تنفيسه بمثل المعالجات الخطيرة التي تتعاطى بها الحكومة مع الأحداث. إن إنكار وجود المعارضين، أو تجاهل وجودهم أو التهوين من شأنهم لا يمكن أن يكف حركتهم، أو يبدد خطرهم وأغلب الظن أن الحكومة الاثيوبية التي خرجت منتصرة ظافرة من حربها مع اريتريا، قد ظنت أن الشعب سيدفع لها ثمن ذلك الانتصار وغفلت عن أن انتصارها عسكريا على أستاذها الايديولوجي والثوري السابق «اسياسي افورقي» ربما جلب عليها متاعب وانتكاسات سياسية كثيرة تتلاحق ويأخذ بعضها برقاب بعض، وقد جاءت أولى تلك المتاعب في الشهر الماضي في صورة ذلك الأنشقاق الحزبي الخطير الذي قاده بعض تلاميذ أفورقي الذين حافظوا على ولائهم له ولتعليماته، ثم تحدوا بها سلطة ميلس زيناوي. أسرعت قيادة الحزب ببتر تلك المجموعة، وشيعتها بمختلف الاتهامات المعهودة، التي تطلقها الأحزاب الثورية وتنفي بها صفة الوطنية عن المخالفين، ولكن لن تستطيع سلطات الحزب أن تبتر بتلك الصورة كل من يعترض عليها، فالحزب الحاكم المنتمي لقومية التيجراى، لا يمثل الأغلبية الكاسحة ولا حتى الأغلبية العادية للشعب الاثيوبي، فقومية التيجراى لا تزيد نسبتها في تعداد السكان عن 7% بينما يمثل معارضوها من الأمهرا نحو 25% وتزيد نسبة مسلمي الأورومو عن 50% من تعداد السكان. حكومة اريتريا تعرف جيدا خطورة تلك الوضعية من الناحية السياسية على الحكومة الأثيوبية. ان تحريك العامل الاثني في أثيوبيا بمهارة كفيل بخلخلة سلطان التيجراي. وإذا كان مسلمو الأورومو ينطلقون حاليا من الصومال، فإن الأمهرا قد يخرجون من عزلتهم الحالية، إذا ما تحالفوا مع حركة التمرد الجنوبية السودانية، اللائذة باريتريا، ولا يستبعد أن ينطلقوا في أعمال عسكرية عنيقة ضد النظام الاثيوبي، لاسيما أن للأمهرا خبراتهم العسكرية المتوارثة على مدى أكثر من قرن حكموا فيه البلاد. إلى أن أطاح بهم زيناوي في مطلع التسعينيات. ولكن للنظام الاريتري أيضا مشكلاته فالقومية التي تحكم اريتريا، هي نفس قومية التيجراي مع تعديل بسيط. وإذا ما تجرأت حكومة اريتريا على تحريض القوميات الاثيوبية على حكومة زيناوي، فإنها تكون قد عرضت نفسها لذلك الخطر مرتين المرة الأولى لأن أثيوبيا قد تعمد هي الأخرى إلى تحريك القوميات الاريترية على حكومة أفورقي والمرة الثانية لأن الأمهرا إذا انتصروا على تيجراي اثيوبيا، فسينقسمون بشراسة أكبر على «تيجراي» اريتريا، لأنهم لم يقبلوا من الأساس إعطاء اريتريا حق الاستقلال، كما أنهم لن ينسوا لأسياسي أفورقي وقبيلته أنهم ساندوا طويلا الحكومة الاثيوبية الحالية التي اقتلعت سلطان الأمهرا وزجت بمعظم قيادتهم في السجون. اندثار الأحلام لقد أخطأ الطلاب الحربيون هدفهم عندما وصلوا بطائرتهم إلى الخرطوم، التي بدأت تستعيد وتطور علاقتها بأديس أبابا، وربما تتجه لعقد تحالف استراتيجي معها ضد اريتريا، وهكذا فلم يكن مستغربا أن تتصرف الحكومة السودانية بذلك الحزم الذي انقذت به الموقف، وسجلت به سبقا تاريخيا في مجال الاسراع بحل مشكلات الطائرات المختطفة. ولكن المشكلات من هذا النوع ربما لن تتوقف حتى تتبخر كل آثار ونتائج الانتصارات العسكرية الاثيوبية على اريتريا، وتذهب هباء. ومما يعزز ذلك الاحتمال ان السلطات الاثيوبية لاتزال تستهين بالأمور، مع أن كلا من الثورتين الاثيوبية والاريترية انبثقتا كلاهما من الجامعات حيث خرج زيناوي وأفورقي من مقاعد الدراسة إلى ساحات النضال والثورة إلى أن حققا ما حققا، وقد اخطأت الحكومة الاثيوبية خطأ كبيرا عندما ألزمت كل الطلاب العودة إلى الدراسة بالتوقيع على خطابات اعتذار مع تعهد قاطع بعدم العودة إلى التظاهر والشغب مرة أخرى، ومثل تلك الازمات تعتبر دليلا على تناقض التصريحات حيث نسبوا تلك المظاهرات أولا إلى العصابات والعاطلين ثم نسبوها أخيرا إلى الطلاب. إن شعوب القرن الافريقي قد دفعت باهظا من الدماء والأرواح لقاء صراعات نخب الأثنيات الحاكمة، وهي صراعات لن تتوقف أبدا في ظل نوايا احتكار السلطة واقصاء الآخرين، ولن تنتهي مهما استخدم القهر وجرى الارتماء في أحضان الدول الأخرى، إن أحلام الأقليات الأثنية بالاستمرار الهانيء في احتكار السلطة ستزول عما قريب، أما أحلام الدول الصغيرة بامكان السيطرة على الدول الكبيرة وتسييرها وتسخيرها لمصلحتها، فمن الصعب أن تكون قد انتهت بنهاية الحرب الاثيوبية الاريترية في أواسط العام الماضي.