بعد انتهاء الحرب الباردة ونظام القطبية الثنائية، شهد العالم مرحلة سيولة سياسية شديدة تتميز بوجود تفاعلات سياسية قوية بين القوى الدولية والإقليمية بحثاً عن أكبر قدر من المكاسب والنفوذ خلال هذه المرحلة التي تنتهي بنظام عالمي جديد لا يمكن تغييره بسهولة، والاتحاد الأوروبي أحد الأقطاب الرئيسية المشاركة في هذه المرحلة وفي المرحلة المقبلة، ونظراً لارتباط استقرار ورفاهية دول الاتحاد بما يحدث سلباً وإيجاباً في المناطق المجاورة لها وتحديداً في شرق أوروبا وجنوب البحر المتوسط، فقد أعد خبراء الاتحاد الأوروبي خطة لزيادة الوجود الأوروبي في هاتين المنطقتين عن طريق ضم دول شرق أوروبا للاتحاد وزيادة التعاون مع دول جنوب المتوسط وهو ما يعرف بعملية برشلونة. وكانت مقدمة تنفيذ تلك الخطة فتح قنوات اتصال مع دول أوروبا الشرقية نتج عنها توقيع عدد من اتفاقيات التجارة والتعاون مع بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا قبل انقسامهما سلمياً إلى جمهورية التشيك ودولة سلوفاكيا، واستونيا ولاتفيا وليتوانيا والمجر وبولندا ورومانيا وسلوفينيا. هذه الدول تحديداً هي المرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي. في حين نجد أن تركيا والتي تسعى منذ فترة طويلة للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي رشحها الاتحاد للحصول على العضوية بعد سحب اليونان اعتراضها على هذا الترشيح في ظل التحسن الملموس في العلاقات اليونانية التركية والتي توجت بزيارة وزير الخارجية التركي إسماعيل جيم لليونان لأول مرة منذ أربعين عاماً. ورغم هذا الترشيح في الاجتماع الذي عقده الاتحاد في قمة هلسنكي في سبتمبر عام 1999 إلا أن تركيا مازالت حتى الآن خارج الاتحاد ولم تحصل على العضوية الكاملة وحدثت في الآونة الأخيرة أزمة ثقة في التفسيرات الأوروبية والتركية لشروط التي وضعها الاتحاد للحصول على عضوية كاملة لتركيا واصطدمت المفاهيم التركية والأوروبية مما أحدث فجوة عميقة في العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات والتفسيرات حول هذه الأزمة الحالية في الثقة ومنها: ما هي هذه الأزمة الحالية؟ ثم ما هي الشروط التي كان الاتحاد الأوروبي قد وضعها أمام تركيا للحصول على عضوية الاتحاد؟ وما هو الدور الذي لعبته الأمم المتحدة من أجل ترشيح تركيا؟ وما هي الإيجابيات والسلبيات التي تعود على تركيا والاتحاد الأوروبي من هذا الانضمام، ويعرض التحليل التالي الإجابة على هذه التساؤلات التي تشكل في مجملها جوهر القضية كاملة. ازمة الثقة أولاً: أزمة الثقة الحالية والتفسيرات التركية الأوروبية المتعارضة للشروط: تمر العلاقات التركية ـ الأوروبية حالياً بأزمة سياسية حول صيغة شروط الاتحاد وهي من أهم الأزمات التي واجهتها حتى الآن، وتعيد إلى الأذهان أزمة عام 1997عندما قررت أنقرة تجميد علاقاتها السياسية مع الاتحاد الأوروبي عندما استثنى الاتحاد تركيا من بين 12دولة قبل ترشيحها لعضويته، كما من المتوقع أن تكون هذه نهاية الأزمات أو الأزمة الأخيرة بين الطرفين حتى لو تم تجاوزها، وتتمثل أبعاد هذه الأزمة في: ـ على الرغم من أن الأزمة الحالية تركزت حول رفض أنقرة اعتبار حل القضية القبرصية وخلافاتها الحدودية مع اليونان ضمن المعايير الأساسية لانضمامها للاتحاد، إلا أن هناك أسباباً أخرى تتمثل في اختلاف طريقة تناول كل من تركيا والاتحاد الأوروبي العلاقات الثنائية بينهما بما يعرف بأزمة الثقة والتفسيرات المتنافرة. ويذكر في هذا الصدد أن وثيقة قبول ترشيح تركيا للاتحاد الأوروبي التي وقع عليها رئيس الوزراء بولندا أجاويد العام الماضي (1999) تعطي مهلة لتركيا حتى عام 2004 لإنهاء خلافاتها الحدودية مع اليونان والمسألة القبرصية، وهنا يصبح التساؤل: كيف يعتبر أجاويد أن الأزمة الحالية هي مساومة سياسة مرفوضة من جانب تركيا؟ يمكن القول ان حالة الشك والريبة التي تسيطر على نظرة المسئولين والقيادات السياسية والعسكرية التركية في نيات الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا هي جوهر المشكلة، فالمسئولون الأتراك يظنون أن الاتحاد الأوروبي يراوغ في الانقسام لينتزع من تركيا حلاً للقضية القبرصية ومسألة الحدود في بحر إيجه مع اليونان تحت غطاء شروط العضوية، حتى إذا ما حصل الاتحاد على ما أراد تفنن في وضع العراقيل أمام تركيا لإبقائها خارجه ويضعها أمام أحد خيارين: إما المفاوضات إلى ما لا نهاية وإما القبول بعضوية منقوصة لتركيا، ولذلك تتعامل تركيا مع كل التصرفات السياسية للاتحاد من مبدأ المساومة السياسية. ـ تعكس تصريحات المسئولين الأتراك وجود محادثات أوروبية لإضعاف تركيا وتفريق وحدتها وهذه أزمة أخرى: ـ فالأتراك يرون أن ما يطالبهم به الاتحاد الأوروبي من ضمان حقوق الأكراد اللغوية والثقافية والسياسية لا تلتزم به اليونان البلد العضو في الاتحاد رغم أنها تضم أقليات عرقية وهذه ازدواجية في التعامل. ـ في المقابل يصر الاتحاد الأوروبي على أن ما يقدمه من شروط إنما هو ضروري لقبول تركيا في مشروع اجتماعي سياسي وأن تركيا تتحمل وحدها مسئولية ابتعادها عن عضوية الاتحاد. ـ اصطدام المفاهيم أو التفسيرات التركية الأوروبية حول: من يسعى إلى الآخر بمعنى هل تركيا هي التي تسعى وراء الحصول على العضوية في الاتحاد؟ أم أن الاتحاد هو الذي يسعى لضم تركيا في عضويته نظراً لأهميتها الجيوستراتيجية؟ ـ الرؤية التركية تؤكد أهمية تركيا الجيوستراتيجية بالنسبة للاتحاد الأوروبي من ناحية البترول والغاز التركي وأن تركيا هي بوابة القوقاز ووسط آسيا، وكذلك حاجة أوروبا إلى القوة العسكرية والجنود الأتراك لحماية القارة والبلقان وخصوصاً بعد تأكيد بعض المسئولين الأتراك أن تعداد السكان الأوروبيين سيتناقص كثيراً بعد عشرين عاماً إلى درجة تعجز أمامها أوروبا عن حماية القارة. ـ أما الرؤية الأوروبية فتؤكد أن تركيا هي التي تسعى منذ فترة وسعت سعياً حثيثاً من أجل الحصول على العضوية بدليل تحسن علاقاتها مع اليونان. ولاشك أن هذه الأبعاد المختلفة لهذه الأزمة الحالية تقتضي تناول الأسباب التي دفعت إلى الترشيح والشروط التي وضعها الاتحاد الأوروبي وتردده لفترة طويلة في هذا الأمر. عقدة أوروبا ثانياً: دوافع الترشيح والشروط مثلت تركيا طوال الوقت عقدة للاتحاد الأوروبي، فبرغم الإلحاح التركي من أجل قبولها عضواً في الاتحاد الأوروبي، إلا أن أوروبا قد أبدت تردداً شديداً إزاء هذا الطلب. الأمر الذي يجعل من تغيير الموقف الأوروبي حدثاً كبيراً يستحق الاهتمام، ويمكن تفسير التردد الأوروبي في ضوء عدد من الأبعاد الأساسية: ـ من الناحية الاقتصادية تمثل عملية تطوير الاقتصاد التركي لكي يكون قادراً على الاندماج في الاقتصاد الأوروبي المتقدم عبئاً مالياً ثقيلاً، خاصة وأن حجم تركيا السكاني والجغرافي يرفع تكلفة هذه العملية بشدة، فالاقتصاد التركي يقوم أساساً على الزراعة، ناهيك عن عدد السكان الذي يبلغ أكثر من 70 مليون نسمة ومن المتوقع أن يصل عام 2025 إلى 92 مليون نسمة، ويصل معدل النمو السكاني إلى أكثر من 0.90% بما يفوق عشر مرات معدلات النمو السكاني في أوروبا. ـ ومن الناحية السياسية توضح خريطة القوى السياسية في تركيا مدى الانقسام الثقافي والفكري، ومن ثم الصراع بين اتجاهين رئيسيين إحداهما إسلامي يضم جماعات الطرق الصوفية وجماعة النورسي وحزب الفضيلة (الرفاه سابقاً) وثانيهما علماني يضم عدداً من التيارات والفاعليات الفكرية والمؤسسية، ويتمحور الصراع بين هذه القوى حول ثلاث مستويات هي: الفكري ـ الأيديولوجي، والسياسي، والصراع على الهوية. فالاتجاه الإسلامي يركز على الهوية الإسلامية للمجتمع التركي، أما الاتجاه العلماني فيؤكد على الهوية الغربية ويسعى جاهداً لربط تركيا بأوروبا وإدماجها في الجماعة الأوروبية اقتصادياً وسياسياً وثقافياً. ومن هنا يرى الاتحاد الأوروبي قبول تركيا كعضو كامل العضوية في الاتحاد يمكن أن يخلق تناقضات ثقافية واجتماعية تعرقل مسيرة الاتحاد. ـ كما ان دور الجيش والعسكر في الحكم يعوق التطور الديمقراطي ويؤدي إلى إفرازات اجتماعية ودينية تثير مخاوف أوروبا حال انضمام تركيا، وكذلك تؤدي هذه السياسات العسكرية إلى ظهور مشاكل اللاجئين الأتراك إلى أوروبا بحثاً عن مأوى لهم وهرباً من تعسف الجيش. ـ إضافة إلى ذلك، فإن الفيتو اليوناني كان حاضراً بقوة ومتأهباً دائماً إذ بدا أن تركيا تتخطى العوائق لتلتحق بمسيرة الاتحاد الأوروبي، فكانت اليونان تصر على تحقيق شرطين أساسين لترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي هما: إقناع تركيا للقبارصة الأتراك بالتخلي عن إعلان الدولة، وموافقة أنقرة على السماح لأثينا بتمديد حدودها الإقليمية في بحر إيجه 12ميلاً بحرياً. ـ علاوة على ما سبق، هناك تحديات نابعة من بنية الاتحاد الأوروبي، فالنظام المعمول به حالياً للتصويت في المجلس الوزاري للاتحاد يعطي كل دولة فيه وزناً تصويتياً يتناسب مع عدد سكانها، بحيث تحصل الدول الكبيرة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا ـ على عشرة أصوات، ويقل العدد المخصص للدول الأخرى وفقاً لحجمها السكاني حيث يصل إلى صوتين فقط. وفي بعض القرارات الخاصة مثل انضمام عضو جديد يكون اتخاذ القرار بالإجماع. والمشكلة التي تواجه الدول الكبرى حالياً هي أن انضمام دولة جديدة ذات قدرات تصويتية كبيرة سيجعل الثقل النسبي للأعضاء الحاليين أقل بكثير مما هو عليه الآن، مما يحتم البحث عن صيغة تصويتية جديدة تحقق التوازن بين الأعضاء وإعادة تحديد القضايا التي تحتاج لإجماع حتى لا تتعرض المسيرة الاتحادية للتعثر لمجرد معارضة دولة واحدة، الأمر الذي أصبح مطروحاً بقوة مع انضمام تركيا وغيرها من دول شرق آسيا. وتتمثل المشكلة الأخرى في عدد المفوضين العاملين في المفوضية الأوروبية الذين يمثلون السلطة التنفيذية، فالنظام الحالي يعطي لكل دولة صغيرة الحق في أن يكون لها مفوض واحد، بينما يتضاعف العدد للدول الكبرى، وطبقاً للنظام الحالي، فإنه يوجد عشرون مفوضاً يتولون الإشراف على القطاعات الأساسية في المفوضية حالياً. وهو العدد الذي يجب أن يزداد في حال انضمام تركيا، بما يؤدي إلى تضخم الجهاز البيروقراطي للاتحاد الأوروبي بشكل لا يخدم أداءه. ورغم هذا التردد الأوروبي فقد تمت مناقشة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في الاجتماع الذي عُقد في هلسنكي في سبتمبر عام 1999، وكان هناك ميلاً عاماً لدى دول الاتحاد للموافقة على ترشيح تركيا للانضمام للاتحاد، ولذلك تقرر في ختام أعمال هذه الاجتماعات وبصفة نهائية ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي وقبلت تركيا من جانبها جميع الشروط التي وضعها زعماء الدول الأعضاء في الاتحاد، وتتمثل الشروط في الآتي: ـ تسوية الخلافات التركية اليونانية وقد أبدى الطرفان رغبة في حل هذه الخلافات وذلك بعد زيارة كلينتون والأعضاء الأوروبيين في الاتحاد لأنقرة في نوفمبر 1999، والواقع أن هذه الشرط كان له وقع الصاعقة على تركيا، لأنها انطوت على ما كانت تخشاه الدبلوماسية التركية من عدم المراعاة لشعورها القومي ووزنها الاستراتيجي، فقد اشترط الاتحاد الأوروبي شروطاً صعبة وخاصة ضرورة حل الأزمة القبرصية حلاً سلمياً وألا تعترض تركيا على دخول قبرص بشقيها اليوناني إلى الاتحاد إذا ما بقيت الجزيرة منقسمة كما هي عليه الآن، إضافة إلى حل الخلافات التركية-اليونانية حول جزر بحر إيجه أو اللجوء في حالة تعذر ذلك- إلى محكمة العدل الدولية لحلها، وهذا الشرط هو أكثر الشروط تعنتاً من وجهة النظر التركية والتي أثارت أزمة الثقة الأخيرة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. ومن المعروف أن تركيا تمسكت دائماً بموقفها من النزاع القبرصي وبمعارضتها الشديدة لفكرة انضمام الشطر القبرصي اليوناني إلى الاتحاد الأوروبي، بل أنها لم تتردد في التهديد بخوض حرب إذا ما أصرت روسيا على بيع صواريخ أرض ـ جو متطورة لقبرص اليونانية، كذلك رأت القيادة التركية أن دعوة الاتحاد الأوروبي إلى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لحل نزاعها مع اليونان محاولة أخرى للنيل من تركيا. وخاصة وأنها أعلنت أكثر من مرة رفضها هذا الخيار. ـ قضية حقوق الإنسان والديمقراطية وخاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الأكراد وكيفية مواجهة القيادة السياسية للإسلام السياسي والهوية الإسلامية في تركيا. ـ أهمية تحسن الوضع الاقتصادي في تركيا بحيث يصبح قادراً على الوصول إلى المستوى المتوسط للدخل الأوروبي والقادر على التعامل باليورو، العملة الأوروبية الموحدة ـ التي بدأ التعامل بها فعلياً، وقد بدأ الاقتصاد التركي بناء على توجه أمريكي ـ يلقي الدعم والتقوية التي تساعد على تحسنه ومن أهمها ما قدمته الولايات المتحدة من صفقة كبيرة لتركيا وهي إنشاء خط الأنابيب الجديد الذي يبدأ من بحر قزوين عند باكو لينتهي في تركيا عند ميناء جيهان على البحر المتوسط. التنافس الأمريكي الأوروبي وتبين الخبرة التاريخية أن كل دولة رشحت لعضوية الاتحاد الأوروبي قد حصلت عليها بالفعل بعد فترة طالت أم قصرت، الأمر الذي يعني أن تركيا سوف تنضم يوماً ما إلى الاتحاد. ويرجع قبول الاتحاد الأوروبي لترشيح تركيا للحصول على العضوية تراكم جملة المتغيرات المحلية والإقليمية في علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي وهي: ـ في البداية لا يمكن أن نغفل البعد الأمني والدور الأمريكي الذي أسهم في ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، سواء بسبب الدعم الأمريكي للطلب التركي، أو لحقيقة تنامي العلاقات الأمريكية ـ التركية التي وصلت ذروتها في زيارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لتركيا في مارس عام 2000، وتوقيع اتفاقية مد خط الأنابيب من القوقاز إلى تركيا. مما جعل الاتحاد الأوروبي يدرك خطورة ابتعاد تركيا عن الدائرة الأوروبية واتجاهها نحو توثيق علاقاتها مع أمريكا على حسابه، فهناك توتر معلن وغير معلن داخل ملف الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا التي تشعر بأنها ضعيفة عسكرياً، الأمر الذي يجعل أوروبا تشعر بالحاجة إلى تركيا من الناحية الأمنية، وبالتالي فإن ترشيح تركيا للعضوية هو محاولة للاستفادة بإسهامها في الجهد الأمني الأوروبي. ـ ازدادت أهمية هذا البعد الأمني في اتجاه أوروبا لتطوير سياسة خارجية وأمن ية موحدة وتعيين خافيير سولانا منذ أكتوبر لعام 1999مفوضاً أوروبياً لشئون السياسة الخارجية والأمن وقيامها بدمج اتحاد غرب أوروبا في مؤسسات الاتحاد باعتباره جناحاً عسكرياً وأمنياً له. كل هذه التطورات أسهمت في زيادة أهمية عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، بالرغم من العبء الاقتصادي والسياسي الذي تمثله تركيا بالنسبة لأوروبا. ـ أما على صعيد الوضع السياسي داخل تركيا فإن الاتحاد الأوروبي يرغب في تحقيق هدفين مزدوجين، أولهما: إتاحة مزيد من الوقت للتيار العلماني التركي ليدعم من قوته ونفوذه في مواجهة التيار الإسلامي. وثانيهما: تحسين أوضاع حقوق الإنسان وبخاصة على صعيد التعامل مع الأكراد وإلغاء حكم الإعدام الصادر في حق زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، وبالفعل أرجأت تركيا حكم الإعدام حتى تصدر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمها في القضية وهو ما قد يستغرق وقتاً طويلاً من المداولات. إجمالي القول أن الأوروبيين وهم يضعون شروط انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي يدركون أن هذا الانضمام لن يكون سهلاً بل ستكتنفه صعاب وعقبات كثيرة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو ثقافية، فالاقتصاد التركي لابد يفي بمتطلبات إعادة الهيكلة وشروط الحصول على قروض أوروبية الأمر الذي يثير مشاكل داخل تركيا تتعلق بضرورة خصخصة القطاع العام وتحجيم الإنفاق العام. ومن الناحية السياسية فإن انضمام تركيا سوف يجبرها على التراجع عن سياستها تجاه الأكراد والمتبعة منذ سنوات طويلة. لذلك سوف تضطر تركيا إلى اتباع سياسة جديدة متناقضة لما سبق أن مارسته من سياسات في السنوات الأخيرة، الأكثر من ذلك أن انضمام تركيا قد لا يفيدها في نزاعها مع اليونان أو قبرص كما كانت تأمل، ورغم صدور القرار الأوروبي بفتح باب الترشيح أمام انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك لم يمنع استمرار التوجهات الأوروبية المتعارضة والمتناقضة مع التوجهات والتفسيرات التركية لتلك الشروط وهو ما يثير أزمة في الوقت الراهن ولذلك من المنتظر أن تستمر هذه الخلافات فترة ليست قصيرة في المستقبل المنظور.