تستعد بلغاريا لاجراء انتخابات حاسمة في شهر يونيو المقبل لكن ربيع البلقان الساخن، خاصة في مقدونيا ويوغسلافيا السابقة سيدفع الحكومات الغربية الى تجاهل هذه الانتخابات. وحسب وزيرة الخارجية البلغارية ناديزدا ميهالوفا فإن هذه الانتخابات مهمة جدا بالنسبة للبلغار، وتأتي في وقت حساس. وبينما تؤكد ميهالوفا أن حزبها (اتحاد القوى الديمقراطية) هو الأكثر تأهيلا للحكم، فإنها في الوقت نفسه تقول أن بلغاريا لا تمتلك خيارا حقيقيا، فحزب المعارضة الرئيسي، وهو الحزب الاشتراكي البلغاري بقي بدون أي إصلاح، وانتخابه يعتبر احتمالا غير متوقع بالنسبة لدولة تريد الانسلاخ عن ماضيها. وتقول ميهالوفا: إنني والكثير من البلغار نريد أن نرى حزبا إشتراكيا ديمقراطيا عاديا في اليسار، لكن الحزب الإشتراكي وقع في الآونة الأخيرة على صفقة انتخابية مع الشيوعيين والقوميين. وتضيف بسخرية: وهذا يظهر كم تغيروا. اتفق المحللون على أن الحكومة الإصلاحية الحالية ستواجه الإخفاق نتيجة خسارتها في الحسابات الغربية لمستقبل التوجه في البلقان. وتظهر استطلاعات الرأي أن ذلك أكثر من ممكن، حيث تراجع التأييد لاتحاد القوى الديمقراطية إلى 21.6 بالمئة من أصوات الناخبين، بينما حظي الحزب الإشتراكي بتأييد 18.2. حكومة عنيدة وبدلا من حكومة إصلاحية، ورئيس ملتزم بالإصلاح والاندماج في العالم الغربي هو بيتار ستويانوف، فإن صانعي السياسة الغربية قد يواجهون حكومة عنيدة ترفض مسايرة الزمن، ولا ترغب في لعب دور حيوي لحل مشكلات المنطقة. خلال السنوات الأربع الماضية تحركت بلغاريا بقيادة تحالف يمين الوسط بزعامة اتحاد القوى الديمقراطية، في اتجاه التخلص من موروث ماضيها الشيوعي. وفي الحقيقة فإن بلغاريا تبدو اليوم دولة مختلفة عما كانت عليه عام 1997عندما أدى سوء الإدارة من قبل الحزب الإشتراكي لدفع البلاد إلى حافة الهاوية، حيث كان التضخم عاليا جدا، وكذلك الديون، بينما انخفض الدخل القومي بما يعادل 20 بالمئة بين عامي 95 و 1997. وبالإضافة إلى تطبيق سياسات قاسية أدت لتخفيض مستوى التضخم والديون، شدد رئيس الوزراء إيفان كوستوف قبضته على الوضع، في محاولة لتغيير سمعة بلغاريا كواحدة من أكثر الدول فسادا في أوروبا الشرقية. لقد تم ربط العملة البلغارية بالمارك الألماني، وجرى افتتاح سوق حرة للأراضي الزراعية، ولم تعد صوفيا تخشى تصفية المؤسسات الخاسرة، وتم إعلان إفلاس خطوط البلقان الجوية وسحب ترخيصها الأسبوع الماضي. وبالإضافة إلى فصل الإداريين في المواقع العليا والمتوسطة في الكثير من المؤسسات المملوكة للدولة، تحركت حكومة كوستوف لتطبيق الأساليب الإدارية الغربية. وقد انعكست ثقة الغرب بسياسات الحكومة على رؤوس الأموال المتدفقة إلى بلغاريا، ومع تقدم الخصخصة ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية، وقد تلقت بلغاريا العام الماضي مليار دولار كتمويل لاستثمارات التنمية، وارتفع معدل الدخل القومي أكثر من 3 بالمئة في السنة الثالثة للنمو المتوالى، بينما بقي معدل التضخم أقل من 6 بالمئة، وقد كان حوالى 600 بالمئة بالشهر عندما تسلم اتحاد القوى الديمقراطية الحكم في البلاد. يقول تشارلي روبرتسون الخبير البريطاني في اقتصاد أوروبا الشرقية: إن بلغاريا وفرت الكثير من الشروط الملائمة لنمو اقتصادي ثابت، وسوف تكون في وضع جيد إذا لم تسفر انتخابات يونيو عن عودة البلاد إلى المستنقع السياسي. بعيداً عن مواقف موسكو ومن الناحية الجيوسياسية فإن أهم إنجاز حققه الرئيس والحكومة الحالية هو إبعاد بلغاريا عن المواقف التقليدية المؤيدة لموسكو، واتجاهها نحو خط مؤيد للغرب. وتقول ميهالوفا أنا متفائلة بأننا سنكون مستعدين للإنضمام لحلف الناتو عام 2002، لقد تم تخفيض عدد الجيش، وتعزيز السيطرة المدنية، وأصبحت الموازنة العسكرية أكثر شفافية وتضيف بأن التقدم الذي حققته الدول الشيوعية السابقة الراغبة بالانضمام للحلف، والمستثناة من الجولة الأولى لتوسيع الناتو، سيكون حاسما ومهما في الجولة الثانية. وتؤكد وزيرة الخارجية أن انتصار أحدنا هو انتصار لنا جميعا مؤكدة في الوقت نفسه على حرصها على أن تنضم بلغاريا للناتو في الجولة الثانية لتوسيع الحلف. وتضيف أيضا بأنه إذا سارت الأمور كما يجب فإن بلغاريا ستكمل مباحثاتها مع الاتحاد الأوروبي مع نهاية عام 2004، وتتوقع أن تكون بلادها جاهزة تماما لعضوية الاتحاد عام 2006 وتوضح ميهالوفا أنه لو كان الأمر متعلقا ببلغاريا فقط فإن لا مشكلة في ذلك، ولكن الأمر يتعلق بالمنطقة كلها، وتعترف بأن عدم الاستقرار يؤثر سلبيا على الثقة في كل أنحاء المنطقة، في إشارة إلى القتال الجاري حاليا في مقدونيا المجاورة حيث تمكن الانفصاليون الألبان من محاصرة عدد من وحدات الجيش المقدوني خلال الأسابيع الماضية. وفي الوقت الذي تؤكد فيه ميهالوفا أن بلغاريا عرضت تقديم الدعم العسكري للمقدونيين إذا أرادوه، وأن بلغاريا طالبت المجتمع الدولي بتقديم المساعدة إلى سكوبي، فإنها تعترف بأن المعارك الأخيرة يمكن أن تؤثر بشكل جدي على العلاقات في البلقان. وتضيف بأن الوضع في غرب البلقان هو محط اهتمامنا الكبير. ونحتاج الآن لرؤية موقف مختلف من حقوق الانسان والأقليات، وتقول أن حكومتها تفعل كل ما في استطاعتها لمنع تأزم الوضع في تيتيفو وخروجه عن السيطرة واندلاع حرب كبيرة. وتضيف بأنه على شعوب البلقان أن تتعلم كيفية العيش مع بعضها، وإذا لم يستطيعوا ذلك فإنهم لايستطيعون توقع الانضمام إلى الإتحاد الأوروبي، فلا يكفي أن تقول بأنك ترغب بالإنضمام، بل يجب أن تنتهج أسلوبا مختلفا في التفكير، وتوضح أن المطلوب في البلقان عموما هو تغييرات حدودية أقل وديمقراطية أكبر، وتوضح ميهالوفا أنه لأجل ذلك تعمل هي ورئيس الوزراء كوستوف والرئيس ستويانوف على تغيير التركيز الجيوسياسي وإبعاده عن التحالف التقليدي بين صوفيا وموسكو، والتوجه نحو الغرب رغم عدم الارتياح الروسي لذلك. وتعترف ميهالوفا بأن علاقات بلادها مع روسيا كانت قوية وتاريخية، ولكنها تؤكد أنه من الصعوبة بمكان العيش كدولة صغيرة في جنوب شرق أوروبا بدون حلفاء قريبين، وتقول: لا أعتقد أن الناتو يهدد روسيا، كما أنه من حق كل دولة أن تختار الطريقة التي تدافع بها عن مصالحها الوطنية. اقتصاد على الورق وبعيدا عن الوضع الجيوسياسي في البلقان تبقى الانتخابات عقبة أخرى يجب تجاوزها، فعلى الرغم من التحسن الكبير الذي طرأ على الوضع الإقتصادي في بلغاريا وعلى صورتها في العالم، فإن الإحساس بالارتياح غير موجود إطلاقا. ربما يكون الإقتصاد يتطور على الورق وعلى أساس مقاييس صندوق النقد الدولي، ولكن بالنسبة للناس في الشوارع والمزارع والمصانع، لم يتغير الكثير في دولة لايزال مستوى المعيشة فيها منخفضا جدا. وحول هذا الموضوع تقول سيدة الأعمال مارجريت تودروف إن التحدي الأكبر أمام هذه الحكومة هو جعل الناس يشعرون بأن الأمور تتحسن، وإذا لم تستطع ذلك فإن الأمور لا تبدو مشجعة. وقد تعقدت الحسابات أكثر من ذي قبل بعد انسحاب اتحاد القوى الديمقراطية هذا الأسبوع من المجموعة البرلمانية للحوار والشراكة التي تبحث منح الملك السابق سيمون الثاني دورا قياديا في السياسة البلغارية. ويجادل الكثيرون بأن الملك السابق الذي كان صبيا عندما تمت الإطاحة بالملكية عام 1946 ولكنه حافظ على علاقات قوية مع بلغاريا منذ ذلك الوقت، وخاصة بعد تولى ستويانوف السلطة، يجب أن يترشح للرئاسة، رغم أنه لم يتم تحديد شكل هذا الترشيح حتى الآن. وهناك مشكلة أخرى تتمثل في اليسار الأوروبي، وهو حزب اشتراكي ديمقراطي صغير ما زال مترددا بشأن دعم تشكيل ائتلاف حكومي بين الحزب الاشتراكي البلغاري واتحاد القوى الديمقراطية، ويرى المحللون أن هذا الائتلاف يستطيع تحقيق توازن السلطة بعد الانتخابات. وهناك علامة استفهام أخرى حول حركة الحقوق والحرية، وهو الحزب الذي يمثل الأقلية العرقية التركية في بلغاريا، والتي تقدر بـ 9 بالمئة من عدد السكان، وقد كان هذا الحزب حليفا تقليديا لاتحاد القوى الديمقراطية، لكن المفاوضات بين الطرفين تبدو صعبة في ظل الخلاف القائم بين زعيم حركة الحقوق والحرية أحمد دوغان وزعيم اتحاد القوى الديمقراطية إيفان كوستوف، ولا يتحدث الرجلان مع بعضهما إلا بوجود الرئيس ستويانوف. وبغض النظر عمن سيفوز بالانتخابات فإنه لايبدو أن بلغاريا ستتوقف عن أداء دورها البناء في المنطقة، ولكن الغموض، أو افتراض الأسوأ بعودة الحزب الاشتراكي البلغاري إلى السلطة يعني خطوة إلى الوراء بالنسبة لهذه الدولة المهمة استراتيجيا ولشعبها البالغ 8.5 ملايين نسمة، إضافة إلى تطلعات جيرانها ومن بينهم مقدونيا ويوغسلافيا.