كشفت تحركات سياسية مكثفة في بلجيكا النقاب عن تفجر حرب دبلوماسية امريكية ـ اوروبية تدور بصمت بسبب كوريا الشمالية، وتتهم امريكا اوروبا باستغلالها لاستراتيجية واشنطن في التعامل مع ملف اسيا، ويعتبر هذا الصراع هو احد افرازات ونتائج قمة الاتحاد الاوروبي التي عقدت مؤخرا في العاصمة السويدية ستوكهولم التي بدأت تلقى بثمارها وذلك بعد قرارها غير المتوقع بعقد قمة مباحثات مع قائد كوريا الشمالية «كيم يونج ـ ايل» وتأتي الخطوة الاوروبية في الوقت الذي تراجعت فيه الادارة السياسية الامريكية عن التسرع نحو تطبيع العلاقات مع كوريا الشمالية الامر الذي ادى لغضب امريكي عبر عنه البعثة الدبلوماسية الامريكية في العاصمة البلجيكية بروكسل، والتي بدأت في حملة مكثفة بالاتحاد الاوروبي، في محاولة منها لاستكشاف حقيقة النوايا الاوروبية، ومن ناحية ثانية اثناء اوروبا عن توجهاتها الجديدة للخروج من عباءة السياسة الخارجية الامريكية. ففي الوقت الذي يجد فيه الرئيس الامريكي «بوش الابن» صعوبة اكثر من سابقه «بيل كلينتون» في تطبيع العلاقات بين بلاده وكوريا الشمالية، التقط الاتحاد الاوروبي خيوط ضعف الادارة الامريكية الجديدة، بتوجهات ايديولوجية حزبه الجمهوري، ليلعب بورقة ساخنة في ساحة السياسة الخارجية تتماشى مع الرغبة الاوروبية في تقوية مركزها امام امريكا، واستقلالها عن التبعية لواشنطن تلك التي استمرت نحو نصف قرن من الزمان، لكن السؤال هو: هل يستطيع الاتحاد الاوروبي لعب هذا الدور دون حرق اصابعه بنيران منافسة امريكا؟ وهل سيقبل البيت الابيض مزاحمة اوروبا لامريكا وزحزحتها من كرسي القطب الواحد في العالم؟ وهل يعتبر التوجه الاوروبي مؤشرا لحرب باردة جديدة تنمو ببطء؟ نقد لاذع لم يترك السيناتور الامريكي المحافظ الامر لتعالجه الدبلوماسية الامريكية، فقد وجه عبارات نقد لاذعة لاوروبا في الكونجرس تبعها بتصريحات علنية قال فيها: على اوروبا ان تأتي بقواتها العسكرية لاستبدال القوات الامريكية الموجودة في كوريا الشمالية وقوامها 37 ألف جندي وضابط خاصة ادانته لتصريحات وزيرة خارجية السويد التي ترأس بلادها الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي بأن امريكا ادارت ظهرها لعملية السلام بين كوريا الشمالية والجنوبية لذلك على الاتحاد الاوروبي تسلم الشعلة. رفض الاحتكار الامريكي اما الاتحاد الاوروبي وعلى غير عادته فلم يستسلم لرد فعل واشنطن ولم يترك ايضا المسألة تعالج دبلوماسيا، حيث سرب عن عمد تقريرا سياسيا جاء فيه، ان امريكا ليس لديها الحق في الانفراد باحتكار تحقيق السلام الدائم في الجزيرة الكورية التي تعيش حالة حرب منذ عام 1953 وهناك دول كثيرة تبذل مساعيها نحو تحقيق السلام في كوريا الشمالية، واوروبا تقوم بواجباتها على خير وجه، حقيقة ان امريكا لها قوات عسكرية ارضية في كوريا الشمالية قوامها 37 الف جندي، اضافة لعدد 45 الف جندي في اليابان وبهذا تعتبر امريكا اهم عناصر حماية الامن والسلام في منطقة شمال شرق اسيا، ولا يعني هذا ان واشنطن تقطع الطريق على اليابان او الاتحاد الاوروبي وتؤكد بروكسل ان لها مصالح اقتصادية وسياسية لا يمكن اخفاؤها. ماذا تستطيع بروكسل تقديمه لكوريا الشمالية؟ تجيب اللجنة الاوروبية على هذا السؤال بأن الاتحاد الاوروبي يمكنه تقديم مزيد من المساعدات الانسانية وذلك لان الحاجة لها اصبحت ضرورية اكثر من اي وقت مضى وكذلك تقديم دعم فني لتطوير بناء مفاعل انتاج الطاقة النووية بديلا عن برنامج انتاج القنابل النووية، ودعم شبكة انتاج الطاقة الكهربائية الممكن توزيعها وبذلك تضع اوروبا اقدامها وكل من كوريا الشمالية والجنوبية على طريق الوحدة، وهو الامر الذي سيفتح آفاقا للتعاون الصناعي والاقتصادي مع الاتحاد الاوروبي خاصة وان الصناعة في كوريا الشمالية تقع في دائرة تقدم تقني عال بين اليابان والصين وروسيا وهذا يثير الغضب الامريكي. كما ان الرئيس الجديد بوش اوضح بصراحة عدم ثقته في كوريا الشمالية ووصفها بدولة القلق وانه يريد اجراء مراجعة شاملة لسياسة امريكا في هذه البلد قبل اتخاذ مبادرات جديدة، في الوقت الذي توقفت فيه مباحثات وقف تصدير «بيونج يانج» لاسلحة خاصة بانتاج القنبلة النووية، وتجري واشنطن اعادة النظر في اتفاقية عمرها 6 سنوات خاصة ببرنامج الاسلحة النووية في كوريا الشمالية ونجاحها في تجميد مساعدات البنك والصندوق الدوليين لها، وان التوجهات الامريكية الجديدة لم تبعث على ارتياح كوريا الجنوبية ايضا، فقد اعرب رئيسها الحائز على جائزة نوبل عن استيائه وهو الذي كان يأمل في زيارته مؤخرا لواشنطن اقناع بوش باتباع سياسة اكثر ديناميكية. ومنذ انعقاد قمة العام الماضي تتمتع كوريا الشمالية باحترام واهتمام متزايدين من طرف الاتحاد الاوروبي، الذي اعلن تفضيل سياسة الحوار على فرض العزلة على كوريا الشمالية وهو الامر الذي ترجمته اللجنة الاوروبية هذا الاسبوع باعلانها فجأة اعادة العلاقات الدبلوماسية معها، وعلى ضوء ذلك قررت 13 دولة من 15 هم اجمالي اعضاء الاتحاد الاوروبي تطبيع العلاقات وارسال سفراء الى العاصمة بيونج يانج وفي نهاية شهر مايو المقبل قبل انعقاد القمة الاوروبية التي ستختتم به السويد دورة رئاسته سيسافر وفد اوروبي على مستوى عال برئاسة رئيس وزراء السويد لعقد اجتماع قمة مع «كيم يونج ـ يل» زعيم كوريا الشمالية، وعلى عكس التوقعات الامريكية رحبت كوريا الجنوبية بهذه القمة. وقد بررت بروكسل توجهاتها الجديدة لامريكا بأن الحوار وتطبيع العلاقات مع كوريا الشمالية ليس معناه التغاضي عن توجيه النقد وبحث ملف حقوق الانسان مع حكومة هذه البلد، الا ان واشنطن اعتبرت ان كوريا الشمالية حققت نجاحا سياسيا باستخدام وسائل حادة قريبة من التهديد لجذب اهتمام المجتمع الدولي، مشيرة لتلميحات زيادة تعاونها «العسكري والتقني بصفة خاصة» مع العراق.