انها التجربة الاولى في العالم التي تجمع بين تدريس الفنون الاسلامية والاعلام في كلية واحدة، وهي المبادرة الفريدة من نوعها في مجال التعليم الجامعي، التي قامت بها جامعة روتردام الاسلامية بهولندا، وذلك بعد ابحاث ودراسات ميدانية واستطلاعات آراء اهل العلم والخبرة، في اوروبا وعدد من الدول الاسلامية، فقد شغلت قضية تشويه الاعلام الغربي لصورة الاسلام كثيرا من الكتاب والمفكرين، ووسائل الاعلام في الدول الاسلامية، بل والحكومات ايضا في العالمين العربي والاسلامي، حيث دأب نفر من المستشرقين واعداء الاسلام على لي الحقائق، وتأكيد صور نمطية عن الاسلام والمسلمين لدى الرأي العام الاوروبي، وقد ثبت ان اساليب دفع الظلم ورده لاصحابه، عن طريق نشر الردود لتصحيح مفاهيم خاطئة في مجتمع غربي هنا أو هناك، لاتأتي الا بثمار وقتية سرعان ما تنتهي اثارها، حيث ان الساحة الاعلامية في الغرب تخلو من تواجد محترفين مهن الفن الاسلامي والاعلام، لممارسة العمل باستمرارية في وسائل الاعلام الغربية، ومختلف القطاعات التي تتصل بتكوين رأي عام موضوعي عادل لدى الجماهير الاوروبية أو حتى بعضها، وهو الامر الذي تتزايد الحاجة له في ظل الزخم الاعلامي في دنيا العولمة. ـ حول هذه التربة الوليدة، اهدافها.. فوائدها المستقبلية، مردودها السياسي، العلمي، الثقافي، الاقتصادي، تابعت «البيان» في روتردام ولادة الحدث، والتقت بعدد ممن اخذوا على عاتقهم حمل شعلته العلمية، لمعرفة كافة ابعاده ورؤيته. التقينا بداية بالدكتور اسامة القفاش، أول عميد لكلية الفنون الاسلامية والاعلام، هو مخرج وفنان ومؤرخ سينمائي، حاصل على العديد من الدراسات العليا، خريج معهد الدراما بالسويد، وحاصل على دكتوراه الفن الاسلامي من جامعة شلبورت بايرلندا، وله عدة كتب منها: مفاهيم الجمال، رؤيا اسلامية، فن الكتابة الكوميدية، وكتاب حول «محمود خليل راشد» رائد من رواد السينما المصرية المجهولين، وموسوعة المفاهيم وغيرها العديد من الكتب والدراسات. حول تجربة الكلية الفريدة يقول: هناك صورة نمطية فريدة حول الاسلام في الذهن الغربي، ازدهرت في العقود الثلاثة الاخيرة، خاصة مع ازدياد مقولات ما يسمى بالخطر الاسلامي، أو صراع الحضارات، الارهاب القادم من الشرق وما إلى ذلك، وهذه الصورة تتلخص في ثلاثة عناصر: ـ العنصر الاول ان تتكلم عن الارهاب الاسلامي، تفجير السفارات، تدمير السفن والطائرات، تلك الاعمال التي توضع دائما تحت مسمى الجهاد وهي الفريضة للمسلمين، وهي تصبح صورة مرعبة لاوروبا، فهي مرادف للارهاب. ـ العنصر الثاني: هو الجمود العقائدي، فدائما يقدم المسلمين باعتبارهم هؤلاء المتخلفين الذين يضربون زوجاتهم، والذين يفتون دائما بقتل من يخرج عن الملة، أو الذين لا يريدون الخروج عن قوقعة القرن الخامس عشر والدخول في تطور العصر الحديث. ـ العنصر الثالث: هو انهم يتكلمون عن «الدروشة» أو التصوف، وكأن هذا هو التصوف وهو «الدروشة»، رغم انها تبتعد عن الواقع الاسلامي تماما في هذه الصورة، وعن التصوف الحقيقي. وفي الواقع فان الاسلام الحقيقي غير هذا كله، وكليتنا الجديدة بوصفها جزءا من هذه الجامعة التي تهدف إلى توضيح الصورة الحضارية الحقيقية للاسلام، وتريد ان تتكلم عن الرؤيا الاسلامية الخاصة جدا عن الجمال، والتي تختلف تماما عن الرؤى الاخرى للجمال في مختلف امم العالم، فنحن اذا قبلنا فكرة العولمة، من حيث ان العالم اصبح قرية صغيرة تذوب فيها المسافات ويتقلص فيها الزمان، علينا ان نقبل ايضا ان هناك بعدا اخر في العولمة هو قبول الاخر، وقبول التعددية وقبول الثراء الثقافي، الذي يمثل وجها اخر من الاوجه الايجابية لظاهرة العولمة وتقلص المسافات وغياب الزمن بشكل أو بآخر. والاسلام في بعده الحضاري يتكلم عن رؤيا خاصة للجمال والفن، باعتباره شيئا حياتيا واجبا وفرضا على كل مسلم ان يؤدي عمله بدقة واتقان، وبتزيين وفن، بمعنى ان الفن هو جزء من العبادة ايضا، وليس مجرد وسيلة لامتاع الذات أو الحصول على المتعة. التجربة الاولى عالميا ـ وهل لم يسبق لمؤسسة علمية في وقت ان قامت بعملية المزج بين الفنون الاسلامية والاعلام؟ ـ الواقع انها التجربة الاولى في العالم، وهي تجربة تنبني على كتابي «مفاهيم الجمال» وهو الكتاب الذي حاولت ان اضع فيه الاسس النظرية لرؤية الجمال من منظور اسلامي، حيث رأيت ان التصنيف السابق للفنون لا يناسب المسلمين، واننا يجب ان نتجاوز هذا التصنيف، ولا نتكلم هنا عن الدراما أو الدراما الاسلامية، بل نتكلم عن فنون الاداء أو فنون السمع بصرية، والتي تؤثر في السمع والبصر والفؤاد، وتجعل الانسان مسئولا عن رؤيته للعالم، وعن ذاته وفقا للرؤيا الاسلامية، واعتقد اننا اذا تكلمنا عن فنون الاداء فنحن نتكلم عن تصنيفا اكثر معاصرة، أو تصنيفا لايزال حديثا، فلم يعد احد الان يتكلم عن الدراما بالمفهوم التقليدي الذي تحدث عنها ارسطو، ولكن هناك كثير ممن يتكلمون عن فنون الاداء والحركة، وان هناك خطا ما بين الدراما والرقص والايقاع، وهناك عناصر اتت من افريقيا واخرى من اسيا الوسطى ومن الدول العربية، ولذلك اعتقد ان هذا التصنيف الذي تنبني عليه كليتنا الجديدة هو الاكثر دقة وشمولية، أو اكثر تفسيرا للواقع المعايش، ومدة الدراسة بالكلية اربع سنوات، فوفقا للنظام الهولندي تنقسم إلى سنة اولى وهي عبارة عن دراسة تمهيدية، وسيدرس فيها الطلبة علوما نظرية وعلوما عملية بشكل عام حول الفنون الاسلامية، ونظريات الاعلام ومباديء فن التصوير ومباديء فن الاخراج، الخ ويدرسون ايضا مجموعة من العلوم الشرعية لضبط رؤيتهم للعالم من خلال الاتصال بالقرآن والسنة. ـ وإذا كان الطلاب من ديانات اخرى وفقا لسماح نظام القبول بالكلية لديانات غير الإسلام؟ ـ سيدرسون ايضا العلوم الشرعية الاسلامية، ولا يوجد ما يمنع الطالب المسيحي من دراسة علوم الشريعة الاسلامية، ونحن كمسلمين ندرس الانجيل والتوراه، ولا اجد مشكلة في ذلك مطلقا، أما القسم الثاني فيتكون من سنتين، والقسم الثالث من سنة واحدة، وعدد الطلاب هنا في كل فرع من 10 ـ 15 طالب، فنحن عندما نصل للقسم الثالث نصل إلى قسم التخصص الدقيق، فنحن نتكلم عن 6 افرع دقيقة، حيث في قسم الاعلام توجد اربعة فروع، فنون الاداء والحركة، فنون الراديو، التلفزيون والسينما، ثم الصحافة، اما في قسم الفنون الاسلامية، فهناك الفنون الزخرفية، والفنون المعمارية، اذا يوجد ستة افرع، وبهذا فان عدد طلاب الكلية لن يقل عن 60 ولن يزيد عن 90 طالبا، ولقد تلقينا العديد من طلبات الالتحاق منذ الاعلان عن افتتاح الكلية سواء من هولندا أو مصر، ولكننا لم نبدأ بعد في التسجيل، وسيتم هذا في اول شهر اغسطس المقبل، ونتوقع ان يكون هناك اقبال كبير من دول اوروبا، لانه كما سبق الاشارة هي الكلية الاولى في العالم، ونحن الان بصدد توقيع اتفاقيات للتعاون مع كلية اخرى مشابهة ولكنها ليست مثلنا، مثل كلية العمارة في سراييفو واخرى في جامعات ببلدان عربية واسلامية، ولذلك نتوقع ان يقبل عدد كبير من الطلاب، وان يكون من العدد الذي نستطيع استيعابه، ومع انتقال الكلية للمبنى الجديد للجامعة في روتردام، وستبدأ الدراسة في سبتمبر من هذا العام. صرح إسلامي كبير ـ أما الدكتور ممدوح الصدفي، نائب رئيس جامعة الازهر فيقول عن التعاون الخاص بين جامعة روتردام الاسلامية وجامعة الازهر: في الواقع سعدت بحضوري نيابة عن الازهر الشريف للمشاركة في افتتاح فرع كلية جديدة للجامعة الاسلامية بروتردام، ولنبدأ بتهنئة جامعة الازهر، على هذا الصرح الاسلامي الكبير في الغرب الاوروبي، وقد قدمت نائبا عن الدكتور عمر هاشم رئيس جامعة الازهر، وذلك لابرام اتفاقية تعاون بين الجامعتين، وتتميز هذه الاتفاقية عن سابقتها في كونها اتفاقية شاملة، تتعامل مع الجامعة ككل، بشعبها واقسامها الحالية والمستقبلية، وتطرقت لجميع الجوانب العملية التعليمية من هيئة اعضاء التدريس، للمناهج، أمهات كتب ومراجع علمية، مكتبة، تبادل زيارات لمسئولين، تبادل خبرات بين الجامعتين، خاصة على مستوى الدراسات العليا ومستوى السنوات الاربع، كما سيتم تبادل المناهج الدراسية، واعضاء هيئة التدريس، وهذا هو الشيء الاساسي، ومن هنا ستقوم جامعة الازهر بتزويد الجامعة الاسلامية بمجموعة من الكتب في التخصصات الاسلامية والشرعية المختلفة، ووضعها على قائمة البريد لعدد 62 مجلة دورية وربع سنوية لمجلات الكليات في جامعة الأزهر، ومدة الاتفاقية ثلاث سنوات، وسيتحمل الطرفان التكاليف، وجامعة الازهر لن تبخل على الجامعة الاسلامية بتقديم اي تعاون، وجامعة الازهر ستضع امام الكلية الجديدة للفنون الاسلامية والاعلام مناهج الدراسة كاملة، ولا نفرض عليها شيئا بعينه، ولكن الازهر الشريف سيقدم نصائحه، وهي حرة في النهاية لتأخذ ما يناسبها مع البيئة الاسلامية في الغرب الاوروبي. ـ هل تهدف جامعة الازهر بهذا التعاون إلى تحسين صورة المسلمين في المجتمعات الغربية؟ ـ الازهر معروف انه وسطي ومعتدل، وفي تاريخه عموما يتضح ذلك جليا، وكان هذا من اهم سماته التي ميزته في فكره، والتعاون العلمي مع جامعة هولندا، يعطي الصبغة العامة لافكار في الأزهر ويقدمها هنا في هولندا، وبالطبع يسعى الازهر الشريف لتحسين صورة المسلمين في المجتمعات الغربية، وذلك على اساس الحوارات الموضوعية المقبولة من كافة الاطراف، والدراسات والابحاث، دون ان يبخس اي طرف من الاطراف حقه الطبيعي في التعبير باعتدال والتزام، وذلك حتى يسود السلام الفكري والعقائدي كل المجتمعات. دور كويتي ـ الدكتورة رشا الصباح، وكيلة وزارة التعليم العالي بالكويت تقول عن دعوتها للمشاركة، ولماذا الكويت بالذات: لقد سعدت جدا بتوجيه الدعوة لي لحضور افتتاح كلية الفن الاسلامي والاعلام التابعة لجامعة روتردام الاسلامية لاكثر من سبب، اولا لان رئيس هذه الجامعة كان طالبا في جامعة الكويت، واقول الحق انني لم اعلم بهذا الشيء الا حين وصولي لروتردام، ومن هنا كان سبب دعوتي بالذات لحضور الافتتاح وعرفت السر، والانسان الكويتي والاكاديمي يفخر حقا عندما يأتي طالب سابق من دولة اسلامية، وكان طالب منحة مقدمة من دولة الكويت لمواصلة دراسته بجامعة الكويت، ثم يصبح بعد ذلك رئيسا لجامعة اسلامية كبيرة في المهجر، والسبب الاخر هو احتفال الكويت هذا العام لمناسبة اختيارها كعاصمة ثقافية في الوطن العربي، وروتردام الهولندية هي ايضا عاصمة الثقافة الاوروبية، وبمحض الصدفة فان المدينتين صديقتان، وتشتركان في عامل انهما عاصمتان للثقافة في الوطن العربي واوروبا في وقت واحد، اما فيما يتعلق بكلية الفن الاسلامي والاعلام فهي كلية مستحدثة افتتحت اليوم، وستبدأ في استقبال طلابها من سبتمبر المقبل، وهي ثاني كلية تنشأ في هذه الجامعة الفتية التي انشئت عام 1997، ونظرا لما شاهدته من جودة عالية بالنسبة لهيئة التدريس العاملة بجانب الانشطة البحثية والدراسية، فهي تمنح ليس درجات علمية على مستوى البكالوريوس فحسب، بل في مجال الدراسات العليا، فاذا استمرت على هذا المنوال، اتطلع ان تكون ان شاء الله سوربون العالم الاسلامي في الغرب. ـ هل تساهم هذه الكليات في اوروبا في حل جانب من الاشكاليات التي يواجهها الاسلام من حملات الاساءة والتشويه؟ ـ بلا شك، فنحن ننعم كمسلمين ونعيش في اوطاننا ولا نعاني من هذه المشكلة التي تعاني منها الجاليات الاسلامية المقيمة في بلدان اخرى غير اسلامية، فطالما تعاني هذه الجاليات من اضطهاد متعمد، واحيانا غير مباشر نتيجة للتشويه أو عدم الفهم بديننا، وهناك اساءة لفهم الاسلام بان المسلمين ارهابيون ومتطرفون، بالاضافة إلى ان الجاليات الاسلامية في بلدان المهجر تقيم طلبا للقمة العيش، فهناك نظرات دونية تحاصرهم من اهل هذه الديار، بانهم جاءوا ليقاسمومهم الارزاق، اي ان هناك اكثر من بعد لجوانب الاساءة تحيط بالجاليات المسلمة، لكن كل هذه الامور لا تتطرق إلى «لماذا يتم انشاء مثل هذه المؤسسات في بلاد المهجر؟»، فهذه الجامعات والكليات والمؤسسات تؤسس من قبل الجاليات المسلمة لكي نحافظ على تعاليم ديننا الحنيف، ولكي نحافظ على ابناء واجيال الجالية الاسلامية، ومنهم من يكتسب جنسيات البلدان التي يقيمون بها، فبالتالي هناك ضرورة لحفظ القيم والتعاليم الدينية، وعدم الانجراف وراء قيم اخرى أو تعاليم اخرى، ولقد اتاح وجودنا في روتردام فرصة للتباحث المباشر مع القائمين على هذه الجامعة بصورة عامة، والقائمين على الكلية المنشأة حديثا بصورة خاصة، ووجدت أن هناك افاقا عامة للتعاون، فهناك العديد من المؤسسات الوقفية في دولة الكويت، وهناك مؤسسات داخلها اهتمام كبير في الجوانب العلمية والبحثية، ممكن ان يكون هذا جانب لتعاون مثمر وبناء، وهناك ايضا في البلدان الاسلامية مثل تركيا على سبيل المثال يوجد ارشيف غير منقح للاوقاف الاسلامية، فقد تم على سبيل المثال تنقيح 30% فقط من مخطوطات الاوقاف الكويتية، والذي امر بتنقيح هذه المخطوطات الخليفة عبدالحميد، اذا هناك مجال واسع للتعاون في تنقيح هذه المخطوطات، وهناك ايضا مجال لتبادل منح دراسية متبادلة، وخبرات متبادلة بين اساتذة التعليم العالي بالكويت واساتذة الجامعة بروتردام، وقد وجهت الكويت دعوة لاساتذة الجامعة الاسلامية بروتردام وممثلي الاساتذة لزيارة الكويت، للتحاور والمناقشة مع نظرائهم مباشرة، للوقوف بصورة مباشرة والاطلاع على ما يمكن ان نتعاون فيه في عدة مجالات، بحثية، طلابية، انشطة علمية مختلفة، فهناك مجال واسع ان شاء الله. ودولة الكويت تستقبل عددا من الطلبة الهولنديين لدراسة اللغة العربية لغير الناطقين بها، وهذا بصورة سنوية، ونتطلع لتوسيع افق التعاون بحيث يتم ايفاد عدد من الطلاب الكويتيين لمواصلة الدراسة هنا في هولندا، كما نتمنى ارسال طلبة كويتيين لدراسة تخصصات علمية بكافة فروعها، ونحن الان في طور التشاور في ان يتجاوز الطلبة الكويتيون مشكلة اللغة، ونحن نتشاور مع الاساتذة في هولندا بحيث تكون لغة التدريس هي الانجليزية، حتى لا يتأخر طلاب الكويت في الدراسة بسبب ضرورة تعلم اللغة الهولندية