مازال الغموض يحيط بمسألة الترشيح للانتخابات الرئاسية في ايران ومازال الصراع مستمراً بين المحافظين والاصلاحيين في محاولة من الفريق الأول للضغط على الرئيس محمد خاتمي. وأبرز مظاهر هذا الضغط على الرئيس خاتمي ومعسكره الاصلاحي هي: ـ استمرار القضاء الإيراني في إغلاق الصحف الإصلاحية وكان آخر الحلقات في هذا المسلسل إغلاق أربع صحف سياسية إلى جانب ملاحقة مديريها قضائيًا وحسب آخر الإحصائيات فقد أغلقت 53 مطبوعة بينها 30 صحيفة يومية، وحسب منظمة «صحفيون بلا حدود» فإن السجون الإيرانية تضم أكبر عدد من الصحفيين عن أي بلد آخر في العالم، كما تقدر أعداد الصحفيين الذين أصبحوا عاطلين عن العمل ودون أي مصدر للدخل بحوالي 1400 صحفي. ـ في إطار محاكمة أقطاب التيار الإصلاحي تم إحالة أحد أبرز وزراء حكومة الرئيس خاتمي وزير الداخلية عبد الواحد موسوي لاري إلى المحكمة الخاصة برجال الدين بتهمة عرقلة عمل الهيئات المكلفة بمراقبة نزاهة الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي، ومن قبل حكم القضاء بالسجن مدة عام مع النفاذ لنائب وزير الداخلية مصطفى تاج زادة ومنعه من مزاولة أي أعمال حكومية لثلاث سنوات وثلاث أشهر وحرمانه من المشاركة في عمل اللجان التنفيذية للانتخابات المقبلة، وقد شكلت الإدانة ضربة مزدوجة لحكومة خاتمي وللبرلمان الإصلاحي بعدما ألقيا بثقلهم خلف تاج زادة لدعمه في مواجهة القضاء، وقد شكل الحكم عملية إقصاء فعلية عن مسرح الانتخابات لأحد ألد أعداد المحافظين. ـ يحاول المحافظون إحداث بلبلة في الرأي العام والانشقاق داخل التيار الإصلاحي وذلك من خلال إطلاق «بالونات» تفيد باعتذار خاتمي عن خوض معركة الرئاسة رغم أن الرئيس لم يتخذ قرارًا حاسمًا حتى الآن، وعلى جانب آخر يسعى المحافظون إلى تشديد ضغطهم على الرئيس خاتمي ليكشف عن قراره المتعلق بمعركة الانتخابات ولقد أطلقوا على لسان محسن رضائي أمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام والقائد السابق ل«الحرس الثوري»، دعوة للرئيس الإصلاحي كي يعتزل العمل السياسي وقال رضائي «من الأفضل للرئيس الذي حقق مكتسبات مهمة لإيران خلال السنوات الأربع الأخيرة أن يعتزل للحفاظ على صورة جيدة وعلى اسمه في تاريخ البلاد». ـ انحياز مجمع تشخيص مصلحة النظام إلى مجلس صيانة الدستور الذي ألغى مواد في مشروع للموازنة قدمتها الحكومة للبرلمان معتبرًا أنها مناهضة للإسلام والدستور ويرى المراقبون السياسيون في هذا الرفض وجود محاولة لإضعاف البرلمان ذي التوجه الإصلاحي. ـ تصعيد النقد والهجوم لحكومة الرئيس خاتمي إذ ينتقد المحافظون التركيز على شعار «التنمية السياسية» وإجراء إصلاحات ثقافية حقيقية تحصن مسيرة التنمية الاقتصادية وهم يعارضون خاتمي في نهجه لمزيد من الانفتاح السياسي والثقافي والإعلامي ويؤكدون باستمرار أن هذه الملفات لا تعني الرأي العام الإيراني.. بل أن ما يشغل المواطن العادي هو قوت يومه ووضعه الاقتصادي والاجتماعي، وفي هذا السياق أكد أحمد زاد مدير العلاقات العامة لمؤسسة الإسكان في إيران أن هناك حالة من التدهور الاقتصادي تعيشه إيران ودلل على ذلك بمستوى التشرد الذي وصل إليه حال الإيرانيين حيث يوجد 692 ألفًا و494 أسرة فقيرة وغير مالكة لوحدات سكنية وتعيش تحت خط الفقر، كما أشار أيضًا إلى أن أكثر من 228859 أسرة مكونة من خمسة أفراد فأكثر يعيشون في حجرة واحدة وان 6.1% من الأسر تعيش في وحدات سكنية مضى على بنائها أكثر من 40 سنة ومبنية بالطوب اللبن، وعلى جانب آخر انتشرت المخدرات في إيران ووصل عدد المدمنين حوالي مليوني مدمن وطبقًا لأرقام صدرت عن بلدية طهران في يونيو 2000 فإن حجم استهلاك المخدرات يصل إلى خمسة أطنان يوميًا. ومع استمرار الضغط على التيار الإصلاحي والرئيس خاتمي إلا أن الأخير مازال مترددًا في تحديد موقفه من الترشيح ويبدو أن الرأي العام الإيراني يدرك تمامًا أن خاتمي سيقطع حالة التردد ويعلن ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية ولذلك فإنه أي الرأي العام الإيراني لا يهتم كثيرًا بهذه المسألة وهو ما كشفه استطلاع للرأي أجرته صحيفة إيران الصادرة عن وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية استفتت فيه عينة من الإيرانيين عما يعتبرونه أهم عشرة أحداث داخلية وخارجية خلال العام الإيراني السابق وقد جاء موضوع تردد خاتمي في المركز العاشر وأشار إليه 1.1% فقط من إجمالي المشاركين في الاستفتاء. أسباب التردد ويرى البعض أن حالة التردد التي يعيشها خاتمي تعكس خوفه من تكرار سيناريو الانتكاسات المتوالية لبرنامجه الإصلاحي، ويتمثل جوانب المأزق السياسي الذي يعاني منه خاتمي في عدة أوجه في مقدمتها أنه يدرك تمامًا عزم المحافظين «تقليم أظافره» أو بالأحرى ترويضه سياسيًا في حالة تمسكه بالمضي قدمًا في الترشيح لانتخابات الرئاسة، كما أنه على يقين من صعوبة مهمته بعد نجاح حملات المحافظين في الانقضاض على أبرز معاونيه من التيار الإصلاحي، وإلى جانب ذلك يرى آخرون أن المرجعية الدينية ممثلة في المرشد الأعلى خامنئي تصدر إشارات متضاربة ويصعب القطع بحقيقة موقفها إذ توحي تصريحات خامنئي بأنه أقرب إلى مساندة الرئيس خاتمي وأنه يفضل لعب دور ضابط إيقاع الحياة السياسية في البلاد تارة بينما يبدو أكثر ميلاً إلى كبح جماح التيار الإصلاحي تارة أخرى، ولذلك يرى هذا الفريق أن إعادة ترشيح خاتمي مرتبطة بصورة رئيسية بطبيعة الضمانات التي سيأخذها من المرشد الأعلى. وارتباطًا بما سبق يبدو أن خاتمي يسعى عبر إبقاء حالة الغموض في موقفه من الترشيح إلى انتزاع صلاحيات إضافية لموقع رئاسة الجمهورية تمكنه من التغلب على المصاعب التي تواجهه وتقف حائلاً أمام تحقيق برامجه الإصلاحية، ومن جهة أخرى يبدو أن خاتمي يريد أن يصل إلى النهاية على حد قول البعض في «إدارته اللعبة السياسية محققا المفاجأة تلو الأخرى لإرباك خصومه وتشتيت ردود فعلهم» وهو تكتيك يتبعه خاتمي لأن خصومه من المحافظين يملكون معظم مفاتيح السلطات والقرار في إيران وفي هذا السياق أكد مصدر قريب جدًا من خاتمي أن ما يروج له من أن خاتمي متردد ما لم يحصل على ضمانات تعزز من صلاحياته هو لإيجاد ضغط شعبي واسع للي ذراع المحافظين وإظهار أن الانتخابات المقبلة استفتاء عام على برنامج الإصلاحات ورأت أوساط عارفة أن خاتمي هو الذي ذهب للمرشد عام 1997 لاستئذانه لخوض الانتخابات، و قد يكون هذا الأمر صحيحًا في ضوء إدراك خاتمي وأنصاره أنه أصبح ضرورة للجمهورية الإسلامية وأن ضربه أو إبعاده يعني ضرب للجمهورية نفسها وأن أي قرار من هذا النوع سيؤدي إلى غرق إيران في مستنقع الحرب الأهلية مباشرة خاصة وأن خاتمي هو الذي يمنع تحول الغضب الشعبي إلى مواجهات دامية في الشوارع وذلك تحت بند «الالتزام بالدستور والعمل تحت سقف القانون»، ويتأكد هذا الطرح في ضوء ما أشار إليه بعض الباحثين من أن قطاع من المحافظين إضافة إلى المرشد يدركون أن عدم ترشيح خاتمي ثانية قد يعني مقاطعة قطاع كبير من المجتمع الإيراني للانتخابات وقد تعني تحول المعارضة الإصلاحية إلى معارضة شعبية ساخطة تتخذ من الشارع والاحتجاج وسيلة للتعبير وهو ما يهدد أمن الجمهورية الإسلامية. في ضوء ما أُشير إليه بشأن أسباب تردد خاتمي وأهدافه من وراء تلك الحالة فإن هناك مجموعة من المؤشرات الدالة على ترشيحه للانتخابات كما أن هناك مؤشرات إن كانت قليلة عن عدم ترشيحه وهذه الأخيرة تتمثل فيما يقوله بعض أقطاب الإصلاحيين فقد نقلت الصحف الإيرانية عن بهزاد نبوي النائب الأول لرئيس البرلمان قوله «كل هذه الأزمات التي شهدتها البلاد في الأشهر الأخيرة تستهدف الرئيس خاتمي شخصيًا ولذلك فهو يتردد في تقديم ترشيحه للانتخابات» وأكد نبوي أن خاتمي لن يرشح نفسه «بأي ثمن كان»، وأن هناك أسبابًا وجيهة لعدم قبول مسئولية الرئاسة الثقيلة والمحفوفة بالمخاطر»، وفي هذا السياق قال سعيد حاجريان أحد كبار مساعدي الرئيس الإيراني والذي يوصف بأنه مهندس البرنامج الإصلاحي إلى صحيفة «دوران أمروز» أن خاتمي لا يسعى إلى خوض الانتخابات الرئاسية للمرة الثانية. آخر موعد وعلى عكس تلك المؤشرات فهناك مجموعة أخرى تدل على عزم خاتمي ترشيح نفسه ولكنه على ما يبدو يحاول استغلال عامل الوقت المتاح للحصول على أكبر قدر من المكاسب خاصة وان آخر موعد للإعلان عن الترشيح هو الثاني من مايو المقبل وأهم هذه المؤشرات ما يلي: ـ إصرار الإصلاحيين بجميع فصائلهم على ترشيح خاتمي لولاية ثانية وذلك لعدة أسباب هي: ـ ان الغالبية تعتقد أن إكمال مشوار الإصلاحات يتطلب استكمال خاتمي لمسيرته بنفسه، ولا تحتمل المرحلة الراهنة أي هزات أو صدمات من قبيل انسحاب خاتمي. ـ ان التيار الإصلاحي لا يملك البديل الذي يحظى بإجماع فصائل هذا التيار.. فهاشمي رفسنجاني لن ينال تأييد الإصلاحيين جميعًا لا سيما تجمع علماء الدين المجاهدين برئاسة مجدي كروبي ولحزب جبهة المشاركة الإسلامية الذي يقوده محمد رضا خاتمي، فضلاً عن شخصيات المثقفين والناشطين السياسيين من اليسار الإسلامي الإصلاحي. ـ ان انسحاب خاتمي من المنافسة سيجعل أنصاره في حالة حرجة وربما خطرة حيث أن خروج خاتمي من معادلة الحكم الآن سيعود بالويلات على أنصاره المقربين واستمراره بالتالي هو حماية له، وهو ما جاء في رسالة وجهتها منظمة مجاهدي الثورة إلى خاتمي بقولها «اعتزالكم المحتمل سيكون قاتلاً وسينذر بمستقبل مظلم محفوف بالأخطار بالنسبة إلى الجيل الجديد والإصلاحات»، ويتذكر هؤلاء ما حدث عام 1992 حينما فاز المحافظون بالغالبية البرلمانية وتم إقصاء الراديكاليين الإسلاميين (الإصلاحيون الجدد الآن) عن السلطة ومؤسسات الدولة والإدارة وسجن بعضهم وهجرة البعض الآخر. ـ إشارات خاتمي المستمرة التي توحي بعزمه ترشيح الرئاسة وذلك كما جاء في خطابه الأخير أمام البرلمان مثل قوله «إنني أقول بصراحة أنني لست مولعاً بأي منصب ولا يمكن أن أتراجع عما أومن به تحت أي ضغوط.. لقد قطعت للشعب وعدًا وأقسمت عليه ولن أتخلى عن العهد» وقوله أيضًا «سأكون في خدمة الشعب طالما يرغب بذلك»، وفي إشارة أخرى أوحت باحتمال ترشيحه قال «إن أية ضغوط أواجهها لن تزعزع إيماني بمعتقداتي ولن أتردد في اتخاذ خطوات متقدمة على طريق الإصلاح كلما حان الحين». ـ إلى جانب ذلك فهناك أقوال بعض أقطاب الإصلاحيين حيث علق عضو البرلمان ماجد أنصاري على خطاب خاتمي الأخير أمام البرلمان أن «كلماته تؤكد أنه قبل الترشيح»، بينما قال محمد رضا خاتمي «لقد سمعنا من الرئيس إشارات أثلجت صدورنا وأسعدتنا»، إلى جانب ذلك فقد كشف أحمد بورنجاتي مستشار الرئيس خاتمي أن الرئيس سوف يرشح نفسه حيث قال أن كل شيء معد الآن لترشيح خاتمي للانتخابات، وفي هذا السياق أشار مسئول إيراني قريب من المرشد الأعلى في تصريحات لأحد المصادر الصحفية أن خاتمي كان بصدد إعلان انصرافه عن الترشيح بسبب ضغط المحافظين عليه غير أن اجتماع له مع المرشد أدى إلى تراجعه حيث تعهد خامنئي بدعم وحماية الرئيس وبرامجه الإصلاحية وإبعاد رموز الجبهة المناهضة للإصلاحات من المواقع التي يحتلونها بشكل تدريجي وفي المقابل سيقوم خاتمي بالتصدي لكل من يثير تساؤلاً حول شرعية مقام الولي الفقيه. مؤشر آخر ـ بالإضافة إلى المؤشرات السابقة هناك مؤشر آخر يتمثل في رغبة قطاعات المجتمع الإيراني وفئاته في وجود خاتمي فالجيل الإيراني الشاب وهو الأغلبية يبحث عن حرية التعبير والحرية الشخصية وفي المجال الأدبي والفكري كما أن فئات من التجار والمستثمرين تسعى لرؤية إيران قادرة على الانطلاق في اقتصادها وقادرة على جلب الاستثمارات العالمية وتعي هذه الفئات أن استنهاض إيران مرتبط بمدى مقدرتها القيام بالإصلاح الاقتصادي ومدى نجاح توجهات الرئيس خاتمي. وإذا ما صدقت المؤشرات الدالة على ترشيح خاتمي فإنه من المؤكد أن المحافظين لن يقفوا مكتوفي الأيدي فرغم إدراكهم التام بحقيقة فوز خاتمي إلا أنهم سوف يعملون على التقليل من شأن هذا الفوز وذلك من خلال عدة طرق أهمها ما يلي: ـ يتوقع البعض أن يحجم المحافظون عن تقديم مرشح لمنازلة خاتمي وذلك في محاولة للنيل من شرعية الرئيس في أعقاب الانتخابات بالقول أنه نجح في انتخابات لم ينافسه فيها أحد أو أن سيطرته على السلطة التنفيذية واستخدامه لها في حملته الانتخابية هما السبب في تراجع اليمين عن طرح المرشح المنافس لأن نتيجة الانتخابات في هذا الوضع كانت معروفة سلفًا، غير أنه تجدر الإشارة إلى أن هذه الحجج لا تنفي وجود سبب آخر في حالة إذا لم يطرح المحافظون مرشحا لهم وهو فشل ذلك التيار في تقديم مرشح قوي للاستحقاق الرئاسي يمكن أن يهزم خاتمي أو على الأقل ينافسه منافسة قوية. ـ على عكس ذلك السيناريو أكد آخرون أن التيار المحافظ لن يدع الفرصة تمر دون ترشيح شخصية أكثر تأثيرًا لمواجهة خاتمي والمؤشرات على هذا التوجه يؤكدها النائب عن جبهة المحافظين في البرلمان محمد شاهي الذي أشار إلى أن التيار اليميني شرع في تصحيح أخطائه ومعالجة الأسباب التي أدت إلى فشله مشيرًا إلى أن اليمينيين يسعون إلى اتخاذ مواقف مطابقة لمشاعر الجماهير وإجراء تعديل شامل في المواقف السابقة، وقد يكون ما أعلن عنه أخيرًا من تشكيل «كتلة» تحالف انتخابي من 28 حزبًا وتنظيمًا ومجموعة سياسية ومهنية من اليمين المحافظ خطوة في إطار تصحيح الأخطاء التي وقع فيها المحافظون، وتجمع الكتلة التي سميت «مجموعة التضامن والوحدة» تنظيمات بارزة مثل جمعية التحالف الإسلامي (نقطة الثقل في التيار المحافظ) وجمعية أصحاب الحرف وتجار البازار. خطة محافظة ـ في هذا السياق أكدت بعض الأوساط وجود «خطة» محافظة تقضي بترشيح شخصيات معروفة في المحافظات للانتخابات الرئاسية لتتمكن من كسب أصوات الناخبين في المحافظات وأكدت مصادر أخرى أن هذه الشخصيات ستكون من قوميات مختلفة للضرب على وتر الأحاسيس القومية بهدف تشتيت أصوات الناخبين، بمعنى آخر فإن الخطة تهدف إلى سحب أعداد كبيرة من الأصوات لمصلحة مرشحين آخرين مما يؤدي إلى فوز خاتمي بغالبية ضعيفة. وفي ضوء تلك الخطة أشارت صحيفة انتخاب في أواخر شهر فبراير أن هناك ثمانية مرشحين محافظين سيخوضون الانتخابات وأول هؤلاء الثمانية والذي أعلن عزمه الترشيح فعلاً هو وزير الاستخبارات الأسبق علي فلاحيان الذي ارتبط أسمه بالعديد من الأزمات السياسية داخل الوزارة وخاض صراعًا ضاريًا في مواجهة التيار الإصلاحي والرئيس خاتمي شخصيًا، وقد اعتبرت الأوساط الإصلاحية الإيرانية إعلان فلاحيان ترشيح نفسه دليلا على حصوله على ضمانات من السلطة العليا بعدم ملاحقته قضائيًا عن مسئوليته في اغتيال أكثر من ثمانين معارضًا ومثقفًا داخل إيران وخارجها في الفترة من عام 1989 إلى عام 1997، وتجدر الإشارة هنا إلى أن فلاحيان سيواجه هزيمة مؤكدة سواء ترشح خاتمي أم لم يترشح بالنظر إلى أنه يفتقر إلى قاعدة شعبية ويرجع الإصلاحيون أسباب ترشيح فلاحيان إلى أنه يحاول تنظيف سمعته مما لحق بها.. فوفقًا للدستور الإيراني فإن مجلس صيانة الدستور الذي يخضع للسيطرة المطلقة لحلفاء فلاحيان المحافظين يتولى مسئولية تحديد صلاحية المرشحين في الانتخابات وكل من يحصل على تصديق المجلس يصبح فوق الشبهات وتتوقف عنه أي ملاحقة قضائية. إلى ذلك الحد تبدو الأمور طبيعية، ولكن ماذا يمكن أن يحدث إذا ما أعلن خاتمي بالفعل عدم ترشيح نفسه كما يطالبه البعض احتجاجًا على الإجراءات التي يقوم بها المحافظون تجاه المشروع الإصلاحي؟ والإجابة على هذا السؤال تشمل شقين الأول خاص بتحرك الإصلاحيين إزاء ذلك الوضع والشق الثاني خاص بتحرك المحافظين. وبالنسبة للإصلاحيين فإن هناك مخاوف من حدوث خلافات وانشقاقات داخل التيار خاصة وأن هذا المعسكر يتكون من 18 مؤسسة وهيئة وتنظيمًا سياسيًا تختلف رؤاها حول العديد من القضايا والأمور وفي مقدمتها المقصود بالتغيير والهدف منه وحدوده وسقفه، وهناك من بين هذه المؤسسات والتنظيمات ثلاث كبرى هي جبهة المشاركة التي يتزعمها محمد رضا خاتمي شقيق الرئيس، وهناك اليسار الإسلامي الإسلامي الراديكالي ويتزعمه مهدي كروبي رئيس البرلمان، أما ثالث هذه التنظيمات فهو كوادر إعادة البناء وهؤلاء من التكنوقراط الذين أسهموا في المشروع الإصلاحي للرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، ويأتي التخوف من أن يحاول كل تنظيم أن يطرح مرشحا من خلاله ومن هنا يحدث الانقسام والتضارب. منع الانقسام وقد يكون طرح اسم عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة والإرشاد المستقيل محاولة لعدم حدوث الانقسام حال عدم ترشيح خاتمي نفسه وفي هذا السياق قال علي حكمت أحد قادة التيار الإصلاحي «ربما نفكر في ترشيح عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة للمنافسة على سدة الرئاسة في حال اعتذر الرئيس خاتمي» وقد أكد الخبير السياسي الإيراني شيرزاد بوزور على أن الكثير من أنصار الإصلاحيين طالبوا مهاجراني بترشيح نفسه في الانتخابات حيث أن المشاعر العامة في الشارع الإيراني تعتبر مهاجراني أصلح الوجوه التي يمكن أن تخلف خاتمي خاصة أن شعبيته تصاعدت بقوة عقب استقالته من الوزارة، وليس أولى من ذلك ما أورده استطلاع الرأي السابق الإشارة إليه الذي أكد أن موضوع تنحي مهاجراني كان في مقدمة أهم عشرة أحداث داخلية وخارجية بالنسبة للإيرانيين خلال العام الإيراني المنصرم، ولكن التساؤل هنا.. هل يسمح المحافظون بترشيح مهاجراني أم يرفضون ذلك من خلال مجلس صيانة الدستور الذي يتولى تحديد صلاحية المرشحين؟ أما بالنسبة للمعسكر المحافظ فيمكن القول ان هذا المعسكر سيحاول تجميع قوته في مواجهة الإصلاحيين وسوف يبحث عن مرشح قوي يستطيع الفوز في الانتخابات، ويرى البعض ان شخص الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رافسنجاني قد يكون هو المناسب لذلك الأمر، ومما يعزز ذلك أن رفسنجاني سعى خلال الفترة الأخيرة في استعادة لقب أمين الثورة ومؤتمن الأمة وقائد التعمير، كما أنه نجح في موقعه كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام، كذلك دلت سلوكياته بعد تركه الرئاسة على أنه الثوري الحقيقي سواء ـ على حد قول البعض ـ برفضه تعديل الدستور ليحظى بفترة رئاسة ثالثة أو بنزوله ساحة الانتخابات التشريعية لضبط إيقاعها أو بتنازله عن مقعده في البرلمان تبرئة لنفسه من أي شك في طمع دنيوي.. إلى جانب ذلك فإن رفسنجاني لم يلجأ إلى الهجوم على الحكومة أو الرئيس خاتمي كما دعم علاقته بكبار علماء الدين والحوزات العلمية فضلاً عن شبكة أئمة الجمعية والجماعات المنتشرة في جميع أنحاء إيران وهو يبغي بذلك تدعيم موقفه كرمز من رموز ولاية الفقيه، بالإضافة إلى ذلك فإن رفسنجاني يسعى كذلك للحصول على تأييد الإصلاحيين خاصة أن له علاقات حميمة مع بعض جماعات تكتل الثاني من خرداد مثل روحانيون مبارز وكوادر إعادة البناء