مرة اخرى تحاول القيادات السورية والفلسطينية العودة الى العلاقات الطبيعية الاستراتيجية التي سادت الستينيات والسبعينيات، وبدأت بوادر هذه العودة عندما اعلن الرئيس السوري بشار الاسد في قمة عمان، التي عقدت اواخر مارس الماضي ان صفحة جديدة ستفتح بين سوريا وفلسطين و «عفا الله عما مضى»، وهي اشارة الى ما ارتكبته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من اخطاء في المرحلة الماضية. «بيان الاربعاء» التقى عددا من الشخصيات السورية والفلسطينية في مواقع قيادية على المستويات الحزبية والسياسية والمهنية والاكاديمية مستطلعة اراءهم حول ما ستسفر عنه قمة الاسد ـ عرفات وهل ستعود العلاقة الاستراتيجية النضالية بين الجانبين ام انها مجرد علاقة آنية املتها الاوضاع الجديدة في اسرائيل. في البداية تحدث خالد الفاهوم رئيس المجلس الوطني السابق، رئيس جبهة الانقاذ الفلسطيني فقال: ـ ينبغي ان تكون العلاقات السورية الفلسطينية كما كانت عبر التاريخ، علاقات استراتيجية، اي علاقات تاريخ فأبطال الامة العربية عبر التاريخ، جاؤوا من بلاد الشام التي كانت بلاد موحدة واعني بها (سوريا ـ فلسطين ـ الاردن ـ لبنان) فمن ابطال العرب الذين انطلقوا من بلاد الشام ودافعوا عن الحق العربي في فلسطين وعن مقدسات المسلمين والمسيحيين فيها كانوا الامويين الذين نشروا الاسلام من الهند الى الاندلس كما كان من ابطال بلاد الشام سيف الدولة الحمداني الذي حمى هذه البلدان من الغزو الرومي والبيزنطي واخيرا وليس آخرا صلاح الدين الايوبي الذي انقذ فلسطين والشام ومصر من الغزو الصليبي. اذن فالعلاقة بين سوريا وفلسطين هي علاقة تاريخ مشترك كما انها علاقة جغرافية، فالبلدان متجاوران ومتداخلان. وهذا منذ الحكم العثماني (1917) حتى ان آخر متصرف لولاية عكا التي كانت تضم شمال فلسطين كان هاشم الأتاسي الذي اصبح رئيسا للجمهورية العربية السورية. كما كان قائم مقام الناصرة شكري العسلي الذي اعدمه جمال باشا السفاح ثم جاءت اتفاقية سايكس بيكو التي فرضها الاستعمار البريطاني والفرنسي بعد الحرب العالمية الاولى قاصدين بها تمزيق بلاد الشام واقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وبالفعل مزقوا هذه البلدان الى ما يسمى الآن بسوريا ، لبنان، الاردن، وفلسطين. لذلك فمن غير الطبيعي ان تكون العلاقات السورية الفلسطينية سيئة وقد ساءت هذه العلاقات في الآونة الاخيرة لاسباب كثيرة من اهمها، دخول الجيش السوري الى لبنان 1975 واصطدامه بالفلسطينيين وكان ذلك خطأ فادحا من جانب الفلسطينيين لان سوريا دخلت لبنان لمنع تقسيمه ولوقف نزيف الدماء. ثم ساءت اكثر بعد الغزو الاسرائيلي للبنان والموجه ضد منظمة التحرير ووصول الاسرائيليين الى بيروت فكان الاخ ياسر عرفات يعتقد ان على سوريا ان تزج بقواتها في هذه المعركة في وقت لم تكن فيها سوريا جاهزة وبالرغم من عدم جاهزيتها ارسل الرئيس الاسد المغفور له، طائراته بعمليات بطولية، ونتج عن ذلك خروج الفلسطينيين من لبنان وقدوم معظم القوات الفلسطينية الى دمشق، اما الاخ ياسر عرفات فقد آثر ان يذهب لتونس بعيدا عن ساحة المعركة وسبب ذلك ان المبعوث الامريكي فيليب حبيب اقنعه بان امريكا جادة في الوصول الى سلام عادل وشامل في فلسطين، بشريطة ان يبتعد ابو عمار عن سوريا. ثم ساء الوضع اكثر فأكثر بعد اتفاقية اوسلو التي دفعت اسرائيل الى الانفراد بمنظمة التحرير الفلسطينية فأملت شروط سوريا عليها وكانت حجة قبول ياسر عرفات انه بعد ثلاث سنوات من توقيع الاتفاق ستبدأ المباحثات النهائية، للبت في حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والثابتة وهي تنفيذ قرار مجلس الامن 242 ـ 338 وانسحاب اسرائيل الى ما وراء حدود الرابع من يونيو 67 وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. وعودة اللاجئين بموجب قرار مجلس الامن رقم 194 ولكن اسرائيل في عهد رابين ثم في عهد نتانياهو ثم باراك لم تنفذ هذه القرارات وحاولت التخلص من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني لذلك فان شارون الآن يبذل جهده للانفراد بمنظمة التحرير والسلطة الوطنية وذلك بابعادها عن سوريا كي يستطيع حسب زعمه ان يفرض شروطه واعطاءها 42% من الضفة الغربية وقطاع غزة اي الكثافات السكانية بمعنى آخر المدن المعزولة عن بعضها البعض ويريد شارون تأجيل موضوعي القدس واللاجئين الى امد طويل قد يبلغ 100 سنة هذا مع العلم ان باراك كان قد اقترح اعطاء الفلسطينيين 95% من الضفة الغربية ودولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ولكنه كان يرفض عودة اللاجئين ووضع الاقصى تحت السيادة الفلسطينية ورفضت منظمة التحرير هذين الشرطين والآن فان شروط شارون تعني الاستسلام الكامل فينبغي الا تكون منظمة التحرير بعيدة عن عمقها العربي واول هذا العمق سوريا. ولذلك ولان الاقصى ليس ملكا للفلسطينيين وحدهم بل هو ملك لجميع العرب المسلمين والمسيحيين فإن المباديء العامة، التي سيتم بحثها في لقاء القمة بين الرئيس بشار الاسد والاخ ياسر عرفات هي بشكل عام خمس مباديء: ـ التمسك بقراري مجلس الامن (242) (383) والعودة الى خط الرابع من يونيو 67. ـ قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف. ـ عودة اللاجئين حسب القرار (194). ـ استمرار الانتفاضة. ـ ترابط المسار الفلسطيني مع المسارين السوري واللبناني. ترابط المسارات ـ سألنا خالد الفاهوم عن معنى الترابط بين هذه المسارات؟ ـ الفاهوم: الترابط يعني ان يطلع كل طرف (سوريا ـ فلسطين) الطرف الآخر على ما يجري معه من مباحثات مع اسرائيل او مع دول العالم وخاصة امريكا واوروبا كما ان معاهدة السلام النهائية سوف تتم باتفاق الجميع وباتفاق واحد. كما ان هذه العلاقات ينبغي ان تظل علاقات استراتيجية واذكر هنا الخطاب القومي الرائع الذي القاه الرئيس بشار الاسد في عمان قبل اسبوعين والذي اكد فيه كما كان والده المغفور له حافظ الاسد يؤكد ان القدس قبل الجولان وان سوريا لا يمكن ان تستعيد الجولان على حساب فلسطين وحقوق شعبنا الكاملة والثابتة لذلك كان لابد ولا غنى عن علاقات فلسطينية سورية صحيحة استراتيجية متطورة وانا اقول ذلك من منطلق ان سوريا ورئيسها المرحوم حافظ الاسد ورئيسها حاليا الدكتور بشار الاسد متمسكان بحقوق الشعب الفلسطيني الثابتة ومن المستحيل ان يوقع الدكتور بشار على عملية السلام الا بعد حصول الاخير على الحقوق الكاملة والثابتة للشعب الفلسطيني. كما ان زيارة عرفات لدمشق التي نأمل ان تتم في القريب العاجل لتتويج المصالحة الفلسطينية وترسيخ العلاقات الاستراتيجية مع سوريا تخدم دون ادنى شك السلطة الوطنية لانها تحول دون انفراد شارون بها واملاء شروطه عليها، وهذه الشروط معناها الاستسلام من قبل الفلسطينيين عسكريا وسياسيا فالعلاقات الفلسطينية السورية ستمكن الاخ ياسر عرفات من الصمود بوجه مخططات شارون كما صمد سابقا في مؤتمر كامب ديفيد2 في شرم الشيخ، اي ان النضال الفلسطيني وبالرغم من المصائب الجمة التي تكتنفه سيستمر وستتصاعد الانتفاضة الفلسطينية مدعومة من سوريا بالدرجة الاولى ومن الاخوة العرب بعد ذلك ـ اعني بالدعم ـ الدعم السياسي والاعلامي والمادي ـ وستستمر حتى التوصل الى الحقوق الثابتة لذلك الشعب. صحيح ان عرفات عقد اتفاق اوسلو وكان هذا في رأيي خطأ كبيرا واساءة للعلاقات السورية الفلسطينية الا ان عرفات ادرك ان اوسلو لا تؤدي الى الحل لنهائي لذلك صمد في كامب ديفيد بالرغم من الضغوط الشديدة التي مورست عليه من قبل كلينتون ـ اولبرايت ـ باراك ودنيس روس. وكانت ضغوط شديدة ورهيبة وهذا يؤكد ان عرفات سيصمد في وجه شارون الذي لا يعرض عليه الا الاستسلام لذلك فان العلاقة السورية الفلسطينية ثابتة وراسخة. ان المصالحة السورية الفلسطينية بعد زيارة عرفات لدمشق لن تكون ذات نتائج سياسية فقط بل ونتائج اجتماعية ايضا تنعكس على معاملة الفلسطينيين في سوريا افضل معاملة اذا ما قورنت بالدول العربية الاخرى، وسيكون ايضا للزيارة نتائج مادية تنتج من دعم الشعب والحكومة السورية ماديا وايضا من الجانب العسكري. مرحلة استراتيجية جديدة ـ فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية قال: ان هذه الزيارة التي نقوم بها تبشر بالخير، وبمرحلة جديدة ليس فقط في اطار التنسيق الفلسطيني السوري ـ بل انها ستمتد الى العرب الآخرين لان التنسيق الفلسطيني السوري هو الاساس الضروري لجمع العرب واتفاقهم على استراتيجية موحدة والعمل بموجبها. وهذا اخذناه وعلمناه من التاريخ اي عندما يكون هناك وفاق سوري فلسطيني اي سوريا الشمالية والجنوبية يتضح للعرب كلهم على ان ما يقوله هؤلاء الاخوة في الشمال وفي الجنوب هو الصحيح وان العرب يوافقون عليه ويجمعهم ويزيل الكثير من خلافاتهم. في الحقيقة تناقشنا حول المرحلة المقبلة وكيف يمكن ان يكون هناك تصرف وكيف يمكن اقامة تعاون عربي .. وبعد خطاب الرئيس بشار الاسد الذي وضع برنامجا نضاليا يمكن الاتفاق عليه والتنسيق بموجبه منع الاخوة الفلسطينيين على اساس الانسحاب الكامل من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 واعادة اللاجئين ـ كل اللاجئين ـ الفلسطينيين الى ديارهم وانسحاب اسرائيل من القدس الشرقية، ودعم الانتفاضة واستمرارها واقامة دولة فلسطينية مستقلة والقدس عاصمة لها، اذن هذه البنود الخمسة، او لنقل انها الاسس الخمسة حيث تم التوافق بين الفلسطينيين والاخوة في سوريا حول هذا التنسيق وان شاء الله ستكون هناك اجتماعات قريبة على مستوى القمة ومزيد من المباحثات حول برنامج العمل والآلية لتنفيذ هذه المباديء التي تم الاتفاق عليها. ـ وهل تحدد موعد القمة بين الرئيس بشار الاسد والرئيس ياسر عرفات؟ ـ لم يتحدد حتى هذه اللحظة ونحن بانتظار بعض الاتصالات والجهود العربية مع راعي المسيرة السلمية ومع الدول الاوروبية وبعد ذلك ستكون هناك مشاورات للتنسيق اولا لوصول الاخ ابو عمار ليكون الاجتماع على مستوى القمة. ـ هل يجعل تحول الترابط السوري الفلسطيني العرب اكثر تضامنا والتفافا حول قضية العرب المركزية ـ فلسطين؟ وكيف تنظر الى هذا الترابط اضافة الى انضمام المسار اللبناني اليه؟ ـ نحن قلنا ونادينا بتلازم المسار السوري واللبناني وترابطهما الكامل مع المسار الفلسطيني حيث ان المسار الفلسطيني لديه تجربة عشر سنوات من المفاوضات ـ والحقيقة قد كسب المفاوض الفلسطيني الكثير من المعرفة لحقيقة الكيان الاسرائيلي ولممارساته في الوقت نفسه ايضا ادرك ما هي نقاط الضعف والقوة في المجتمع الاسرائيلي من خلال الاحتكاك اليومي لمدة عشر سنوات، ثم ماهي المطالب التي تعد مطالب تكتيكية يمكن التنازل عنها ويستخدمها من اجل الحصول على مزيد من الربح في مفاوضاته مع الفلسطينيين وماهي المسائل التي يتمسك بها ولا يتنازل عنها، ولذلك فان الخبرة الطويلة للمفاوض الفلسطيني لابد من استخدامها في المرحلة المقبلة ـ وبخاصة يمكن لهذا التنسيق الثلاثي الذي يجمع بين هذه الخبرة لدى الفلسطينيين وبين خبرة اخوتنا اللبنانيين في المقاومة ودحرهم للاحتلال الاسرائيلي وبين هذه الخبرة الشابة الموجودة في سوريا التي رضعت من الرئيس الراحل حافظ الاسد وهو من صانعي الاستراتيجية العربية .. ذلك كله يجتمع مع بعضه البعض، ونحن نفرح لاخبار التنسيق او التقارب السوري العراقي المصري الاردني ونقول هذه علامات ايجابية ستكون لصالح التنسيق العربي العام. جذور التباعد ـ عصام محايري رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي يقول: دعني ابدي ملاحظتي حول تسمية اللقاء بين الرئيس بشار الاسد وياسر عرفات (لقاء مصالحة) اذ لم ينشأ يوما بين القيادة السورية وعرفات خلاف شخصي، كما قد توميء بذلك تسمية اللقاء بانه لقاء مصالحة. ولعل في تناولنا طبيعة الاختلاف وما نجم عنه من افتراق بين القيادتين السورية والفلسطينية ما يساعد ليس فقط على تصحيح التسمية بل وعلى تقديم جواب شاف عن سؤالكم او جملة الاسئلة التي تطلبون اجابتي حولها. لقد كان نهج المواجهة القومية الصراعية ضد العدو الاسرائيلي ان في الحرب كما في السلم، مصدر الاختلاف وسبب الافتراق، فقد التبس مفهوم القرار الوطني المستقل لدى القيادة العرفاتية بحيث فهمه عرفات ومارسه على ان المسألة الفلسطينية امر يعود للفلسطينيين ولقيادته «الابوية» «الابو عمارية» حق التقرير بشأنها اما بقية الامة والقيادات السياسية في كياناتها ودولها فوظيفتهم تقديم الدعم السياسي والمالي والعسكري والنضالي لما يكون «الرئيس» ابو عمار ارتآه وقرره في شئون الحرب كما في شئون السلم، واما الفلسطينيون انفسهم فعليهم طاعة القيادة العرفاتية الابوية، وكل المجالس التي نصبته وركبت في هيكل الديمقراطية وواجهتها وما يدور فيها من مداولات وقرارات، تبقى شكليات اجرائية للمصادقة على ان يكون «الاب» او «الختيار» حسم بشأنه في مفاوضات واتفاقات انفرد بتقريرها وعقدها بعيدا عن كل تشاور او بحث لا في المجالس ولا في غيرها. لم يكن القرار الوطني المستقل لاطلاق يد «ابو عمار» القيادية في تقرير شئون الحرب والسلم في فلسطين، لدى من استوعبوا طبيعة الصراع الدائر في فلسطين، وحقيقة كونه صراعا قوميا مصيريا يمس حياة الامة باجيالها المتلاحقة في كل جزء من اجزائها ويمس المستقبل القومي والعربي بأسره، بحيث يقتضي القيام باعباء الصراع تعبئة كل طاقات الامة البشرية والاقتصادية والسياسية والنضالية، كافة الموارد وامكانيات العالم العربي السياسية والاقتصادية والنفطية وسواها، الامر الذي يفرض تأمين وحدة الموقف والحركة في ضوء وحدة المعركة ووجوب ضمان سلامة المصير الواحد. كان القرار الوطني المستقل، لدى من يستوعبون طبيعة الصراع الدائر في فلسطين، سلاح الصراع القانوني في تصديه، في الساحات الدولية والاعلامية، لرفض اليهود في اسرائيل، حكومة وشتات شعوب وشتاتا من كل بقعة، الاعتراف بالوجود الفلسطيني وانكار ان يكون في فلسطين شعب، بل سكان نزحوا الى فلسطين من بلدان مجاورة. كانت القيادة السورية وشعبها في الشام ممن استوعبوا ويستوعبون طبيعة الصراع ومسئولياته، وكان الرئيس الراحل حافظ الاسد اشد الناس وعيا وتمسكا بوجوب وحدة الموقف والحركة في مواجهة خطة الاغتصاب الصهيونية والحركة الصهيونية العالمية. وفي ساحة لبنان ظهر الاختلاف بين النهجين، ابو عمار ينطلق ينشر ويمارس مقولة الاستقلال الوطني تحت ستار رفض احتواء الشام للنضال الفلسطيني فيعبيء وراءه قيادات فتح وبعض الآخرين ولفيفا من اطراف الحركة الوطنية في لبنان، لكن ضرورات المعركة ومقتضياتها كانت تنجح دائما في العودة الى محراب وحدة الموقف وترميم الاطراف المتكسرة ولو الى حين. في قاعات مفاوضات مدريد تمسك الرئيس حافظ الاسد، المستوعب طبيعة الصراع وابعاده، بتشكيل وفد موحد يحقق به نوع من التوازن السياسي مع الطرف الاسرائيلي المدعوم بتفوقه العسكري وسيطرته في الارض والظهير الامريكي المساند له بلا حدود، الا ان القيادات الاخرى، وعلى رأسها ابو عمار، المفاوض باسم فلسطين بالذات، رأت التنازل للرفض الاسرائيلي وللطلب الامريكي والقبول بمفاوضات منفصلة، وتعهدت على سبيل العوض، بالتنسيق والتشاور الدائم بين الوفود العربية المشاركة. وتدور المفاوضات وينكشف التنسيق عن ان اتفاق اوسلو، يعقد ليس وراء ظهر الوفود العربية المشاركة، بل وراء ظهر المفاوض الفلسطيني بالذات، وما يسمى بالمجالس وغيرها، اما اتفاق اوسلو فينكشف على انه فصل من فصول المراوغة والختل اليهوديين، وقد اريد به ومن خلاله تطبيق ما كان صرح به شامير رئيس وفد اسرائيل المفاوض، من انه سيمضي بالمفاوضات عشر سنوات دون ان يوصل الفلسطينيين لشيء، وهكذا كان ونفذ رابين وبيريز ونتانياهو وباراك ما صرح به شامير وانتهى الاتفاق الى الطريق المسدود والى السقوط. ان سياسة التفرد «العرفاتية» اعطت اكلها المر، وحجارة الاطفال والشابات والشباب من ابطال فلسطين تلاحقها بالرجم، وتغسل اثمها بالدم الطهور الزكي والمؤكد ان الصمود ليس شعارا او اغنية وانما تجربة تاريخية وخيار استراتيجي. اما الامة، كل الامة، فاستفاقت على نداء الصمود تنضح به الدماء المتدفقة، بوصفه النهج النضالي الموحد لدعم الانتفاضة والتصعيد بها وللزج بالكيان الاغتصابي الدخيل في جحيم تناقضاته ومأزقه التاريخي وتجريبه حكوماته المتتابعة في تنوع اساليبها ووسائل محقها وبطشها، لغرض الرضوخ والاستسلام للسلم الاسرائيلي، سلم الادارة الذاتية للخدمات الصحية وغيرها وليس اي شيء ابعد من ذلك. ونسأل انفسنا، في ضوء هذا كله، وفي ضوء ما اسفرت عنه وحدة المسار السوري ـ اللبناني، وقد صفعت الغطرسة الاسرائيلية المعقدة بقوتها العسكرية وارغمت جيشها الذي لا يقهر على الفرار الذليل من ارض لبنان، وسط عويل الامهات النائمات على ابنائهن المتساقطين يوميا برصاص المقاومة اللبنانية، نسأل انفسنا هل تم، في لقاء الرئيس بشار الاسد وعرفات، التوافق على المنهج النضالي الواحد الموحد، من خلال الادراك ولو متأخرا، ان القرار الوطني المستقل، لا يعني الاستقلال عن مقتضيات وحدة الوجود القومي ووحدة المصير القومي، ووحدة المسئولية القومية، وهو المنظور الاستراتيجي الوحيد لوجهة الصراع الدائر في فلسطين ضد العدو الاسرائيلي، المعلومات عن احد القادة العرفاتيين ازاء طرح وجوب وحدة الموقف، من رفض ان يغدو الفلسطينيون في جعبة السوريين، لا تشير الى وعي بطبيعة الصراع ومستلزماته ووعي المنظور الاستراتيجي للمعركة المصيرية التي تخضوها الامة ضد الاغتصاب الصهيوني، الذي حقق انتصاره في العقول والافئدة. بقي ان نتساءل هل سينجح منهج توحيد الموقف القابض به الرئيس الاسد، وقد أملى عليه الترحيب بزيارة عرفات لدمشق فيحقق ما لم يتم تحقيقه في لقاء عمان؟ ربما تحقق وحدة المسار الفلسطيني السوري اللبناني في فلسطين ما حققته وحدة المسار الشامي ـ اللبناني في لبنان، فيتأمن الدعم المادي والمعنوي القوي الفعال في طول العالم العربي وعرضه لمرحلة الصمود التي شكل رمزها الكبير اطفال الحجارة وابطالها، يردون بالحجارة وبالصدور المفتوحة على قصف المدفعية والطائرات، ليزداد التأزم والاحتقان والتخبط في مسارات الحكومات الاسرائيلية ويزداد مأزقهم داخليا ودوليا. الانفراد سد الطريق ـ سألنا الدكتور طلال ناجي الامين العام المساعد للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة)، في ظل زيارة عرفات لدمشق وخاصة بعد مؤتمر عمان الذي كان الرئيس بشار الاسد الداعي والمحرك لفتح صفحة جديدة مع العلاقات السورية الفلسطينية في ظل الظروف الراهنة ما هو مستقبل العلاقات السورية الفلسطينية؟ ـ فقال: في الحقيقة كان الموقف الذي اعلنه الرئيس الاسد في مؤتمر قمة عمان لفتح صفحة جديدة من العلاقات السورية الفلسطينية موقفا قوميا اصيل من قبل الاسد، وسوريا العربية التي طالما احتضنت قضية فلسطين وكفاح الشعب الفلسطيني وبالرغم من المرارة التي اعتالت مسيرة هذه العلاقة مع بعض القيادات والاوساط الفلسطينية وتنكرهم للموقف الاصيل وطعنهم بالظهر احيانا لسوريا وتخليهم عن التنسيق معها في مسألة تهم الجميع وهي ادارة الصراع العربي الصهيوني بالرغم من كل ذلك قرر الاسد ان يفتح ابواب دمشق للسلطة الفلسطينية والقيادة من منطق تفهمه للواقع الراهن الذي يعيشه الشعب الفلسطيني وخاصة بعد الانتفاضة التي اندلعت في 29 سبتمبر 2000 ونظرت سوريا لهذه الاسباب كاملة وارادت اعادة الحوار مرة اخرى وعلى هذا الاساس قررت ان تغض النظر عن اخطاء الماضي ومرارات العلاقات وفتح صفحة جديدة مع السلطة الفلسطينية وقد قال الرئيس بشار الاسد الذي عكست كلمته الفهم الدقيق والعميق للواقع الاسرائيلي سواء على صعيد المجتمع الصهيوني او القوى السياسية الصهيونية وبالتالي اصبح الموقف الفلسطيني على ضوء خطاب الاسد دقيقا وحرجا حيث تعتبر بانها فرصة تاريخية للقيادة الفلسطينية ان تصحح اخطاءها وخطاياها وتعود الى الثوابت والاصول من خلال عدم التفرد الذي اوصلها الى الطريق المسدود في اتفاقات اوسلو ضاربة عرض الحائط بالتنسيق مع سوريا الاسد ولبنان والغالبية العظمى من الجماهير الفلسطينية والقوى الفلسطينية. هناك الآن فرصة تاريخية امام السلطة الفلسطينية اذا احسنت استخدامها ستكون طوق نجاة لها ومدخلا مناسبا وكريما لاعادة توحيد الصف الفلسطيني ولاعادة التضامن العربي وخاصة التلاحم النضالي الفلسطيني ـ السوري ـ اللبناني، الكل يراقب موقف هذه القيادة في هذه الظروف وهل سوف تثبت الجدية والمصداقية لمبادرة بشار الاسد. وتعلمون ان بشار الاسد وجه دعوة لعرفات لزيارة دمشق من اجل التنسيق ونتمنى ان يكون عرفات ومن حوله قد وصلوا الى قناعة بانهم عندما انفردوا بالحل وابرموا صفقة اوسلو الانفرادية وصلوا الى الطريق المسدود وان تلازم وترابط المسارات الفلسطينية السورية اللبنانية ـ اقوى بكثير واكثر ضمانا لتحقيق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وخاصة حق العودة للاجئين الفلسطينيين لديارهم وحق اقامة دولة وطنية مستقلة فوق كل الضفة وقطاع غزة عاصمتها القدس. اذا كانت لدى هذه القيادة الجدية، نحن على ثقة انها سوف تشهد تطورا ملموسا وسينعكس هذا التطور بشكل ايجابي على الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية وايضا على قضية الجولان، واراضي مزارع شبعا في لبنان او بمعنى آخر على الموقف العربي المشترك في سلسلة صراعه مع العدو الصهيوني. ـ هل ستكون زيارة عرفات لدمشق ورقة يستخدمها ويلوح بها لكل من امريكا واسرائيل، حتى يحصل على مكاسب ومبادرات؟ ـ في ضوء السؤال فان هذا التخوف مشروع وموجود لدى الكثيرين كيف ذلك اذا لم تكن هناك جدية ومصداقية لدى السلطة من الاستفادة من المبادرة السورية لتفتح صفحة علاقات جديدة، واذا كانت السلطة الفلسطينية تريد من استئناف العلاقات مع سوريا مجرد غطاء للعودة مرة اخرى لاستئناف التفاوض مع العدو الصهيوني (شارون) والعودة الى سياسة الصفقات المنفردة وتقديم التنازلات التي توالت على السنوات السبع منذ اوسلو عبر كل الاتفاقيات التي ابرمت بين السلطة والحكومات الاسرائيلية المتعاقبة اذا كانت هذه هي النوايا لدى القيادة الفلسطينية، يحزنني ان اقول ان العلاقات السورية الفلسطينية سوف تتعرض لنكسة خطيرة بدلا من ان تفتح صحفة جديدة وسوف تعود الامور الى الوراء بل اسوأ بكثير من حالة الجمود التي سبقت السنوات الماضية، واتمنى من كل قلبي الا يكون لهذه المخاوف مكان وان لا يراود اي من رموز السلطة الفلسطينية هذه الافكار وان يكون هناك موقف صدق وجدية من التعاون مع سوريا وهذا في مصلحة الشعب الفلسطيني والقضية والموقف العربي عموما. نحن في المعارضة الفلسطينية منذ اندلاع الانتفاضة قبل سبعة اشهر تقريبا وأقولها صراحة اتبعنا سياسة جديدة سببها الانتفاضة فجمدنا خلافاتنا مع السلطة وحصرنا اهتمامنا ونضالنا في مواجهة العدو الاسرائيلي واعتبرنا ان دعم الانتفاضة الأولوية في عملنا وليس قضية تصفية الحسابات واثارة الخلافات بيننا وبين السلطة وهذا معلن حقيقة في وسائل الاعلام ووجهنا الدعوة مرارا للسلطة منذ ستة اشهر اننا على استعداد لفتح صفحة جديدة من العلاقات وخاصة ان السلطة الفلسطينية اكتشفت بنفسها انها وصلت الى طريق مسدود سياسيا فقلنا لهم: ان كنتم مستعدون للعودة للثوابت والتمسك بالميثاق الوطني الذي تخليتهم عنه في احتفال غزة امام الرئيس كلينتون وكذلك التمسك بحق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس فنحن على استعداد لاعادة ترتيب البيت الوطني الفلسطيني ومنظمة التحرير واعادة تشكيل المجلس الوطني والمركزي لكي نكون معا في خندق واحد ضد العدو الصهيوني. خطوة اولية ـ علي بدوان من قيادة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين يرى ان الائتلاف ضمان لعودة التحالف فيقول: ـ ان اللقاء المشترك على هامش القمة العربية الاخيرة في عمان بين كل من الرئيس السوري بشار الاسد ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عرفات خطوة ايجابية اولية تحتاج لجهود مضاعفة من اجل تحديد خطوط التقاطع، والوصول الى ورقة عمل سياسية ملزمة بين الطرفين الشقيقين. فالدعوة لتصحيح مسار العلاقات الفلسطينية السورية، واحداث نقلة نوعية الى الامام بين كل من سوريا وفلسطين مسألة على غاية الاهمية في سياق الشراكة الوطنية والقومية للطرفين معا، امام مرحلة سياسية جديدة، وفي ظل استحقاقات كبيرة لن توفر احدا، وتتطلب المزيد من تعميق العمل والتواصل المشترك بين الجميع. فالمتغيرات التي وقعت خلال الاشهر الاخيرة، منذ اندلاع انتفاضة الاقصى والاستقلال الفلسطينية، والاعتمالات داخل الخارطة الحزبية الاسرائيلية، وجنوح التجمع اليهودي على ارض فلسطين اكثر فأكثر نحو مواقع اليمين الصهيوني بصدد قضايا الصراع على المسار الفلسطيني الاسرائيلي، وبالنتائج التي افرزتها انتخابات فبراير الماضي لرئاسة الوزراء، ووصول اليمن الى موقع القرار في الدولة العبرية، وتحقيق ائتلاف برلماني يتمتع بالاستقرار النسبي بين كل من «الليكود/ العمل» في اسرائيل وعلى قاعدة خطوط عريضة ومشتركة تمثل لبرنامج حكومة اسرائيل للتسوية مع الطرفين الفلسطيني والسوري، كل هذه التطورات تستوجب بالضرورة مناخات من العلاقات الصحية السورية ـ الفلسطينية (كما استلزمت حالة ربية/ عربية متضامنة بالحد الادنى)، ومغادرة ساحة القطيعة بين الطرفين فالمسار المشترك الصعب والشائك في الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي، وتداخل القضايا الوطنية والقومية امور تفرض نفسها فوق اي اعتبار. وسوريا العربية بابعدها السياسي والجغرافي والبشري، ودورها الاقليمي في معادلات الشرق الاوسط كبارجة كبيرة حاملة، حاجة عربية وفلسطينية لتحقيق القدر المطلوب من التوازن في سياق المفاوضات المختلفة الجارية مع الدولة العربية، وتحديدا على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي. خاصة وان سوريا تستضيف فوق ارضها نصف مليون فلسطيني بين لاجيء منذ عام 1948 وبين مقيم. ان التطوير المنشود واستعادة العافية للعلاقات السورية ـ الفلسطينية، يتطلب مغادرة اي عملية دعائية تكتيكية استخدامية، وحتى يكتمل التطوير ويأخذ مداه ويعطي تفعيلاته على الارض يفترض ان يتم بين سوريا من جهة، ووفد ائتلافي فلسطيني مشكل من جميع قوى وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية. فهذا الوفد هو الضمانة الاكيدة من اجل الوصول الى تحديدات ملموسة لتحقيق النقلة النوعية في العلاقات السورية ـ الفلسطينية ومغادرة كل اسباب الافتراق. فوقائع العقد الاخير اثبتت بان اللون السياسي السلطوي الفلسطيني الواحد بتفرده في ترتيب العلاقات مع سوريا في ظل انقسام منظمة التحرير لا يشكل الضمانة لعلاقات فلسطينية ـ سورية منشودة. وايضا، وحتى لا نغرق في التفاؤل، من نافل القول بانه لا يمكن التأسيس لعلاقة فلسطينية ـ سورية جدية وعملية وملموسة بدون المراجعة النقدية للمرحلة السابقة بجانبها السياسي، وهذه المهمة فلسطينية بالدرجة الاولى. فالخروج من سياسة ونهج اوسلو والبناء من جديد لعلاقات تحالفية بورقة عمل ولجان تنسيق للخطوات لابد منها على طريق معافاة الحالة الفلسطينية، والسير نحو اعادة الحياة والروح لمؤسسات وهياكل منظمة التحرير بعد اكثر من عقد من التمزق، الامر الذي يوفر دوافع الدعم السياسي للانتفاضة الفلسطينية، ويدفع نحو اشتقاق نهج تفاوضي آخر يقوم على المقاربة والتماثل مع قرارات ومرجعية الشرعية الدولية. فهل ان الطرف الفلسطيني الرسمي الممسك بزمام القرار على مقربة من هذا، ام ان الامور لم تنضج بعد، ومازالت تحتاج الى مزيد من الجهد الداخلي الفلسطيني لتشكيل قوة فلسطينية ضاغطة نحو تلمس الطريق المشار اليه، وتسهم بتوليد اجواء اخوية صادقة نحو علاقة استراتيجية مع سوريا؟ على كل حال، فان كل المسوغات، تستوجب العمل المشترك، وتصحيح المسار المتعثر بين مد وجزر بين الطرفين الرسميين الفلسطيني والسوري، والوصول الى ورقة عمل سياسية، فالبدايات الجادة والمخلصة يمكن لها ان تفتح دروبا جديدة لعلاقات استراتيجية فلسطينية ـ سورية. وحدة الثوابت ـ محمود الخالدي، مدير مكتب منظمة التحرير في دمشق: عندما اعلن الرئيس بشار الاسد في خطابه في القمة العربية التي انعقدت في عمان استعداد سوريا للتنسيق السوري الفلسطيني كان وفق برنامج نضالي أوضح بعد معالمه فيما يلي: ـ الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية والفلسطينية المحتلة عام 1967. ـ حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم طبقا للقرار (194). ـ دعم الانتفاضة الفلسطينية وتثبيت شرعيتها، واحباط اية محاولة لتركيعها. ـ اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة على الارض الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين. ولعل هذه النقاط هي نفسها الثوابت الفلسطينية التي افشلت مباحثات كامب ديفيد، وقد تم اثر ذلك وعلى هامش قمة عمان، لقاء المصالحة التاريخي بين الرئيسين الاسد وعرفات، وهو اللقاء الذي ترك ارتياحا واسعا، لدى الاوساط الشعبية والقوى السياسية كافة في الشارعيين العربي والفلسطيني. وفي تقديري ان انهاء هذه القطيعة التي طال امدها، وتحقيق لمصالحة شرط ارسائها على قواعد واضحة راسخة، تكفل لها الديمومة، وتدرأ عنها سوء الفهم، وتعزز سبل التنسيق والتفاهم، وهو حدث بارز شديد الاهمية، من شأنه ان يعزز مركز المفاوض العربي، ويقطع الطريق على النهج الدبلوماسي الصهيوني التفاوضي التآمري القائم على اساس عزل المسارات العربية بعضها عن بعض وصولاً إلى اضعاف المفاوض العربي ومن ثم الاستفراد بكل مسار على حدة، السوري واللبناني والفلسطيني، وأملا في رؤية العدو للحل المنتظر، وصولا لفرض سلامه الصهيوني وتحقيق مطامعه في الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية على المنطقة كلها والاحتفاض بالارض والامن والسلام في آن معا. ولعل برنامج شارون السياسي الذي عرضه على شعبنا منذ ايام يقف شاهدا، ودليلا فاضحا على ذلك السلام الصهيوني المنشود، فهو يعرض تسليم 42% من الارض الفلسطينية تفتقر إلى التواصل الجغرافي وتتألف من اجزاء منفصلة بعضها عن بعض بالمستوطنات الاسرائيلية بدون سيادة وبلا معابر أو حدود، كأن يقول بمنتهى الوقاحة اريد ان استولي على 58% من الوطن الفلسطيني استيلاء كاملا ومباشرا اما الـ 42% فسأعيد تنظيم الاحتلال فيها بما يكفل لاسرائيل السيطرة العسكرية عليها، وبما يحقق الامن لجيش الاحتلال، وتلك لعمري ظاهرة نادرة في تاريخ الاستعمار ان يتولى الشعب المحتل ارضه مسئولية امن جيش الاحتلال. لقد وجهت اسرائيل الامة العربية رسالة واضحة مثلما هي فاضحة بأنها لا تريد السلام، واثبتت عبر دلائل كثيرة طيلة سنين عشر منذ مدريد وحتى اليوم ان العقلية الاسرائيلية بمجملها مازالت عقلية العدوان والتوسع ولم تنضج بعد لتحقيق مصالحة تاريخية مع الجوار، والوصول إلى سلام شامل متوازن يحقق الاستقرار في المنطقة، وفوتت بذلك فرصة تاريخية للاعتراف بها. ومن هنا ارى ان لقاء المصالحة السوري الفلسطيني، هو لقاء استراتيجي بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، وهذه المصالحة التي بدأت في عمان، هي ضرورة استراتيجية عربية، لا غنى عنها، وتنطوي ـ كما يشير التوقيت الذي املاها ـ على دلالات مستقبلية بالغة الاثر على مسار الصراع العربي الصهيوني، فيما هو آت من الزمن، ومما هو جدير بالملاحظة انها تأتي في ظل مرحلة بالغة الخطورة، يمكن أن نرى بعضا من ملامحها في رؤوس المواضيع التالية: ـ امتناع العدو عن الانسحاب من الجولان، وتنفيذا للقرار (242) باعتباره المرجعية المعتمدة دوليا لتحقيق التسوية مما ادى إلى تعثر المفاوضات وفشلها على المسار السوري. ـ تعنت العدو ورفضه تنفيذ ما تم من اتفاقات المرحلة الانتقالية على المسار الفلسطيني، ورفضه القاطع تنفيذ القرار (242) تسوية لقضايا الحل النهائي. ـ تفجر الغضب الفلسطيني مجسدا في انتفاضة الاقصى الباسلة، والتي تعبر عن المستوى الذي وصل اليه الاحباط والرفض الفلسطيني للاحتلال واملاءاته. ـ حرب الابادة الجماعية، والتطهير العرقي الذي يتولاه جيش الاحتلال الاسرائيلي وقطعان مستوطنيه في محاولة لكسر الارادة السياسية لشعبنا، واملاء سلامه الصهيوني الذي عجز عن فرضه على مائدة المفاوضات. وتشن اسرائيل هذا العدوان الوحشي على شعب آمن دون اعتبار لاية عوامل انسانية، مستخدمة كل اشكال الاسلحة المحرمة دوليا والاسلحة الثقيلة كالدبابات والمروحيات ضد المدن والقرى واوقعت قدرا مرعبا من الخسائر البشرية والمادية لشعبنا فقد بلغ الشهداء حوالي 500 شهيد والجرحى وصلوا إلى عشرين الفا، ثلثهم من الاطفال، فضلا عن الحصار العسكري على كل المدن والقرى لتمنع حركة الافراد والبضائع. واخيرا وليس اخرا فان هذا التأزم الحاصل في المنطقة مع مجيء شارون يدلل على ان هذا المجرم الدموي لا يكتفي بتدمير فرص السلام في المنطقة وانما يريد استخدام قدرات اسرائيل العسكرية الهائلة، لاخضاع المنطقة بدلا من اللجوء إلى الوسائل السياسية، وتنفيذ المرجعية الدولية والسعي لتحقيق السلام الشامل العادل المتوازن. ان ما يحدث اليوم هو العودة بالمنطقة إلى حالة اللا حرب واللا سلم ويترافق ذلك مع استعدادات اسرائيلية بتوسيع رقعة العدوان خارج الارض الفلسطينية لتشمل خاصة لبنان وسوريا، وتصريحات ليبرمان لضرب السد العالي، وتوجيه ضربة إلى سوريا وكذلك تهديدات وزير الدفاع ووزير الامن الداخلي لسوريا ولبنان لتدلل كلها على التوجهات الاسرائيلية العدوانية فيما هو آت من الزمن القريب. من هنا نؤكد على اهمية تضامن كل الاشقاء والاصدقاء وكل المحبين للسلام والحرية والعدل في هذا العالم في هذه الظروف الصعبة، التي تمر بها الامة العربية كلها، ويمر بها شعبنا الفلسطيني، لذا فإنني ارى ان التنسيق السوري ـ اللبناني ـ الفلسطيني سيؤمن اكبر قدر من المبررات المنطقية مثلما يمتلك القدر الكافي من الحيوية وقوة الدفع لتحقيق شعار التضامن العربي باعتباره سيشكل نواة نضالية لعمق عربي لا غنى عنه، ولعل العراق لاحقا وهو العمق الاستراتيجي للجبهة الشرقية لن يكون بعيدا عنه، وربما يمتد اقليميا ليشمل ايران وفق ما تمليه مجريات الصراع مثلما يفتح الطريق لعمق دولي مساند «موسكو والصين» ذلك في تقديري هو السبيل لتصحيح الخلل في ميزان القوى مع العدو الصهيوني، ويربك استراتيجيته العدوانية ويعمق مأزقه التاريخي وينقل الامة كلها إلى مواقع اكثر تقدما عن طريق المواجهة والنصر. جذور فكرية ـ صفوان قدسي، الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي قال: ـ سوف احاول ان اتناول المسألة في جذرها الفكري باعتبارها واقعة سياسية تعبر في نهاية المطاف عن رؤية فكرية وأنا من الذين يعتقدون ان الواقع السياسي لا يفصح عن نفسه الا بعد ان تكسر القشرة الخارجية لهذه الواقعة ونبحث عن جذرها الاعمق وبهذا المعنى يمكن القول اننا امام واقعة سياسية ذات جذور فكرية يتوجب علينا ان نتقصى ابعادها وسوف احاول ان اكون متفائلا لكن لا استطيع ان اجد في ارض الواقع المعادل الموضوعي لهذا التفاؤل لاننا هنا امام شبكة معقدة من العلاقات بين سوريا وياسر عرفات وهي علاقات تمتد في جذرها الاعمق الى الطريقة التي يكفر بها عرفات والى الاساليب التي يعتمدها واستطيع هنا ان اقول ان ياسر عرفات كان يغلب دائما ما هو تكتيكي على ما هو استراتيجي مثلما كان يغلب ما هو طاريء وعارض ومؤقت على ما هو ثابت ودائم ومستمر. لقد نسي عرفات ان سوريا هي شمال فلسطين مثلما ان فلسطين هي جنوب سوريا تماما ونسي ايضا ان سوريا هي العمق الاستراتيجي لفلسطين ثم ان عرفات قفز من فوق حقائق التاريخ والجغرافيا وفي مقدمة هذه الحقائق انه لا توجد قضية فلسطينية معزولة ومفصولة عن القضية القومية العربية وحين اندفع ياسر عرفات وراء وهم القرار الفلسطيني المستقل فانما كان يندفع نحو صوت المجهول وهذا المجهول اصبح الآن معلوما وهو انه جعل القضية الفلسطينية تخسر عمقها القومي وتقتلع من جذرها العربي. وكانت تلك الخطيئة القاتلة خصوصا ان عرفات يعلم حق العلم ان القضية الفلسطينية جزء من كل اكبر هو القضية القومية العربية والتي تشكل سوريا بالذات مركزها الاكثر فاعلية وتأثيرا وهناك أراض عربية محتلة وهي اراض لم تحتل الا من اجل فلسطين فالجولان خسرته سوريا لانها كانت تدافع عن فلسطين، وهي لم تستعده حتى الآن لانها مازالت تقول فلسطين مثل الجولان، قال ذلك من قبل الراحل حافظ الاسد ويقولها الآن الرئيس بشار الاسد ولو قبلت سوريا المساومة في هذه المسألة بالذات لأمكنها ومنذ وقت طويل استعادة الجولان كاملا خصوصا اذا اخذنا بعين الاعتبار ان الجولان في المنطق التوراتي ليست جزءا من ارض اسرائيل بالمعنى الديني للكلمة وبالتالي فان استعداد اسرائيل للانحساب من الجولان اكبر من استعدادها للانحساب من الاراضي الفلسطينية. والمشكلة مع عرفات لا يمكن اختزالها في موقف واحد او سياسة معينة جرى اعتمادها من قبل عرفات وهذه المشكلة هي في استعداد عرفات للجري وراء اوهام ليس لها اي سند من الحقيقة او الواقع وهاهو اليوم يحصد نتائج هذا الجري وراء الاوهام، لقد زرع الريح فحصد العاصفة ومع ذلك فانه من منظور قومي يتوجب علينا الآن ان نحاول ولكن بحذر شديد ويقظة كاملة ان نتجاوز ما كان إلى ما ينبغي ان يكون. صحيح ان الرئيس بشار الاسد قال في القمة العربية التي عقدت مؤخرا في عمان (عفى الله عما مضى) لكنني اثق كل الثقة في ان الرئيس بشار الاسد يقصد اعادة الامور الى نصابها، وهذه الاعادة سوف تكون ممكنة حين يؤكد عرفات جديته ومصداقيته في التوجه صوب سوريا باعتبارها الظهير القومي للقضية الفلسطينية، لقد مر عرفات بتجارب عديدة ولعله تعلم شيئا ما من هذه التجارب ولابد ان عرفات قد قام بمراجعة شاملة لكل مواقفه وسياساته واكتشف الحقيقة القائلة ان هذه المواقف والسياسات الخاطئة هي التي اوصلته الى الطريق المسدود الذي وصل اليه. نحن الآن امام واقع فلسطيني محدد وهو انه هناك انتفاضة حقيقية توشك ان تنهي شهرها السابع وهي انتفاضة اثبتت اهليتها وجدارتها في مواجهة الغطرسة الاسرائيلية. وانا اعتقد ان اي تراجع عما امكن تحقيقه حتى الآن من شأنه ان يعيد القضية الفلسطينية الى نقطة الصفر واعتقد ان ياسر عرفات يدرك هذا الامر بشكل جيد لذلك فإنني من الذين يعتقدون ان اللقاء السوري ـ الفلسطيني ينبغي ان يكون لقاء على الثوابت القومية وفي مقدمتها ان القضية الفلسطينية هي قضية العرب لان الخطر الصهيوني يتهدد الامة العربية كلها وان سوريا هي مركز الثقل في هذه المواجهة المحتدمة بين العرب والكيان الصهيوني. واراهن ان عرفات سوف يتخلى عن الاوهام التي حملها في الفترة الماضية وان سقوط هذه الاوهام من شأنه ان يجعل عرفات اكثر قدرة على رؤية الواقع كما هو وبالتالي فانه سوف يعيد النظر في استراتيجيته بما يجعله قادرا على ادراك كم ان سوريا تشكل الظهير الاستراتيجي والرصيد السياسي للنضال الفلسطيني، ولو ان ما حدث في السنوات الماضية لم يحدث لكان ممكنا ان يكون الوضع العربي افضل بكثير مما هو عليه. نحن في سوريا تحدثنا عن ضرورة تلازم المسارات العربية من اجل التوصل الى اقامة سلام عادل وشامل لكن هذا التلازم لم يتحقق الا مع لبنان والآن نحن امام وضع يتوجب علينا معه ان نسعى الى جميع الطاقات واستنهاض ما في اعماق هذه الامة من قدرات كامنة لنتمكن من نهاية المطاف من بناء القاعدة الصلبة القادرة على ان تجعلنا نمضي معا صوب سلام عادل وشامل يعيد الارض ويستعيد الكرامة ويسترد كل حق عربي مغتصب. النهوض بالأمة ـ الدكتور صابر فلحوط رئيس اتحاد الصحفيين السوريين: حول الزيارة المرتقبة لرئيس السلطة الفلسطينية، لقد اكدت سوريا على لسان كبار مسئوليها ان ابواب دمشق لم تكن في يوم من الايام مغلقة في وجه اي عربي يعمل من اجل وحدة هدف الامة وكرامتها. اما زيارة الرئيس عرفات ـ فاذا كانت تكتيكية في نظر البعض كما يقول السؤال، فان سوريا ابعد ما تكون عن التكتيك في علاقاتها النضالية مع الاشقاء، وانها تقبل وترفض من منطلق وقواعد استراتيجية تصب في بحر اهداف الامة العربية ومن جلها. لقد قال الرئيس بشار الاسد في قمة عمان:« عفا الله عما مضى»، وان هناك صفحة جديدة في العلاقات على ارضية الانتفاضة وتوجهاتها، وتحرير الارض وموجباتها او الرد على العدو الصهيوني بالموقف الموحد والصلب. واتصور ان التنسيق يجب ان يكون منطلقا من الحالة الجهادية الراهنة التي تعيشها الامة ممثلة بانتفاضة الاقصى، اما الملفات التي يمكن فتحها فانه من البديهيات ان سوريا تعتبر اننا والشعب الفلسطيني، شعب واحد في بلدين، شأنها في ذلك شأن كل قطر عربي، ولذلك فأي ملف لابد ان يتمحور حول النهوض بالامة وتعزيز المشروع القومي في مواجهة المشروع الصهيوني. ونتمنى ان لا تكون هناك اية اختراقات في الموقف الفلسطيني وان تكون دروس الماضي المريرة كافية للاقناع ان ليس للقضية الفلسطينية سوى المناضلين العرب الذين قدموا لها الدم طوال تاريخهم ويعتبرونها خبزهم اليومي، اذ لاشك بأن التقارب بل التعاضد السوري الفلسطيني ستكون له منعكسات ايجابية للغاية على الصعيد العربي باعتبار القضية الفلسطينية هي قضية القضايا المركزية للأمة العربية. ـ د. محمد قيس ـ رئيس قسم القانون الجزائي (جامعة دمشق) كلية الحقوق: لقد قدم الرئيس بشار الاسد في كلمته القومية الهامة امام مؤتمر القمة العربية في العاصمة الاردنية في مارس الماضي تشخيصا منهجيا وواقعيا، مركزا في معظمه حول ما آلت اليه عملية السلام بسبب سياسات اسرائيل ومواقفها وحول الموقف العربي المطلوب في مواجهة تلك السياسات وبغية الوصول الى السلام العادل والشامل المستند الى مرجعية مدريد وقرارات الشرعية الدولية. فقد شدد على جملة حقائق رئيسية اهمها: ـ ان الشارع الاسرائيلي يظهر يوما بعد يوم عدم وجود رغبة لديه في الوصول الى سلام حقيقي وانه ضد السلام. ـ ان المجتمع الاسرائيلي مجتمع عنصري اكثر من النازية. ـ ان اسرائيل غير واثقة من نفسها وبشكل دائم، رغم ما تمثله من قوة للعدوان، لانها تخاف من الماضي القريب وكذلك البعيد وتخاف من المستقبل ايضا. ـ ان اسرائيل في مأزق، وهناك دلائل على بداية انهيار سياسي فيها. ونتيجة لسياسات ومواقف اسرائيل هذه فان عملية السلام، وبعد مرور عشر سنوات على انطلاقتها، هي الآن عملية فاشلة بامتياز، وهذا الفشل، الذي اكد عليه الرئيس الاسد يستدعي بلا شك وقفة عربية جديدة. وقفة متفحصة، وقفة جريئة، وقفة فاعلة، وقادرة على رسم سياسات ومواقف تنطلق من ضرورات التمسك بالثوابت القومية وتعزيز العمل العربي المشترك بصورة كافية من اجل تدعيم القدرة على الصمود في مواجهة السياسات والتهديدات الاسرائيلية المعادية للسلام، ومن اجل الوصول الى السلام العادل والشامل. الامر الذي يقتضي اولا: اعادة التأكيد على كون القضية الفلسطينية، القضية القومية المركزية الاولى لكل العرب ويقتضي ثانيا دعم الانتفاضة الفلسطينية، وبالوسائل والطرق المختلفة ماديا ومعنويا، سواء عبر السعي الى تثبيت شرعية الانتفاضة بوصفها شكلا من اشكال المقاومة المشروعة ضد المحتل الاسرائيلي، او عبر التنسيق العربي ـ العربي، ومردوده الايجابي على معنويات ابناء الانتفاضة الذين يرون في التضامن العربي احتياطا استراتيجيا لقضيتهم. ومن اجل هذا، وسعيا لذلك، اعلن الرئيس بشار الاسد ان سوريا قررت تجاوز خلافات الماضي، والانطلاق من الحاضر باتجاه المستقبل، وانها كما كانت دوما ولاتزال في خدمة القضية الفلسطينية وستبقى كذلك، وتمشيا مع ذلك فهي تمد اليد للاخوة الفلسطينيين للسير باتجاه هدف واضح ومحدد هو عودة الحقوق العربية كاملة وغير منقوصة، ولا متجزأة ولا مجزأة، بعيدا عن اتجاه التنازل، فأوضح ان سوريا تقف مع الفلسطينيين من اجل جملة اهداف منها: ـ عودة القدس الشرقية كاملة. ـ انسحاب اسرائيل من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة حتى خط الرابع من يونيو عام 1967. ـ عودة اللاجئين بأكملهم. ـ قيام دولة مستقلة عاصمتها القدس. ـ دعم الانتفاضة الفلسطينية الباسلة. ـ عودة اي حق عربي مغتصب لابد له ان يعود. وقد كان لهذه الدعوة وما تضمنته من تأكيد على الثوابت القومية في عملية السلام، واستعداد سوري لفتح صفحة جديدة مع القيادة الفلسطينية، صدى ايجابيا وواسعا سواء في داخل اروقة القمة العربية في عمان، او في مختلف العواصم العربية وكانت موضع تقدير كبير من قبل مختلف الاوساط