ينصب تركيز العولمة السياسية على دعاوى الديمقراطية وحقوق الانسان وكيف يؤثران على الدولة وسيادتها، وبالنسبة للعولمة الاقتصادية يقتصر التناول على دور الشركات متعددة الجنسية واثرها على الدولة وكيانها، وهو ما سينطبق ايضا على ما يمكن أن يطلق عليه بالاثار المترتبة على امكانية انفجار مناطق الاضطراب المحيطة بدول الخليج العربية وأهمها بالطبع منطقة شبه القارة الهندية وما يمكن ان يترتب على ذلك من نزوح أبناء المنطقة إلى الدول الخليجية، وأما بالنسبة للعولمة الثقافية فانها سوف تتناول القيم التي تخلفها العولمة مثل التحرر والتغريب وأثر ذلك على الهوية الخليجية العربية. وقد اهتمت العولمة السياسية «الديمقراطية وحقوق الانسان» بالتأكيد على ضرورة الاخذ بالديمقراطية في شكلها الغربي وعلى حق التدخل في شئون الدول المستقلة لاعتبارات انسانية، ولاشك ان مثل هذه الامور لها تأثير على سيادة الدولة. الديمقراطية تؤكد العولمة السياسية ضرورة سيادة مفهوم الديمقراطية الغربية على جميع الدول بغض النظر عن خصوصيات تلك الدول، حيث يرى مروجو العولمة ومنظروها ان الديمقراطية الغربية هي الاصلح للتطبيق في جميع دول العالم، حيث انها سادت وانتصرت مع انتصار مباديء السوق الحرة لان النظم الاخرى قد تمت تجربتها وفشلت. ومن جهة اخرى يؤكد اخرون ان الغرب يسير في اتجاه عولمة فهمه الخاص للديمقراطية وحقوق الانسان تحت شعار يعتبرها ـ اي الديمقراطية ـ تراثا مشتركا للانسانية جمعاء لا تراث حضارة بعينها مخفيا وراء ذلك حقيقة انه يعكس نتائج تغير موازين القوى وادارة الهيمنة، وفي هذا الصدد يتجه المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الامريكية نحو محاولة فرض فهمه الخاص للديمقراطية على المجتمع الدولي باعتباره المفهوم الاصلح والاقدر. وفي ضوء بروز العولمة ومع تحول منطقة الخليج إلى بؤرة اهتمام تتجه اليها انظار العالم خاصة بعد الهزة العنيفة التي مرت بها عام 1990، بدأت الدول والمؤسسات والمنظمات الدولية تطلع على هذا الجزء من العالم من كافة جوانبه، فبدأت بالتركيز على المنطقة وخاصة السياسات المتبعة في الحكم وبدأت تطالب بتحديثها وعصرنة مؤسساتها وفق التوجه العالمي الآخذ بالديمقراطية اسلوبا ومنهجا في ظل العولمة السياسية التي تؤكد على نشر هذا الاسلوب في الحكم، وقد ظهرت مطالب دولية عديدة بضرورة تكوين جمعيات مهنية واجتماعية واتحادات ونقابات تكون نشأتها وفق المعايير المتعارف عليها دوليا لا تتدخل الحكومات الخليجية في انشائها أو تعيين اعضاء مجالس ادارتها بحيث تستطيع تلك الجمعيات والاتحادات والنقابات أن تلعب ادوارا حقيقية وتكون واجهات ديمقراطية حقيقية تسهم في بناء مجتمع ديمقراطي، وتلعب كذلك ادوارا رقابية على سير واداء عمل المؤسسات. وانطلاقا مما سبق تتجه المطالب الدولية نحو تفعيل ادوار مجالس الشورى الخليجية بحيث يتم احداث تغيير تام لقواعدها وادوارها حتى تكون لها ادوار رقابية صارمة تقيم اداء الحكومة بدقة وامانة، وقد بدأت بعض الدول الغربية بالفعل بابداء رغبتها في ضرورة تشجيع الانظمة الخليجية للمضي في طريق الاصلاح السياسي، فقد دعا بعض المفكرين الغربيين الولايات المتحدة الامريكية إلى تشجيع الاصلاح السياسي والاقتصادي في دول الخليج العربية، كما يجب عليها ايضا الاستمرار في مساندتها لليبرالية في المنطقة للمساعدة بضمان تحقيق الاستقرار بالمنطقة، كما ترى تلك الدول ايضا ـ أي الدول الغربية وأمريكا ـ انه ليتحقق الاستقرار في منطقة الخليج لابد لشعوب تلك المنطقة ان تدرك إلى حد ما انها شريك حقيقي في صنع القرارات السياسية التي تؤثر في حياتها. ويبدو ان الولايات المتحدة ليست بعيدة عن ذلك الامر فالديمقراطية وحقوق الانسان هي احد اربعة مباديء رئيسية في سياستها الخارجية، وابرز مثال على ما سبق ان بوب دول زعيم الاغلبية السابق للحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ الامريكي ومرشحه للرئاسة عام 1996، في معرض حديثه عن اهمية النفط الخليجي اكد انه يجب ان تكون هذه الطاقة في ايدي شعوب مؤمنة بالديمقراطية وتحافظ على حقوق الانسان. والواقع ان تلك المطالب لم تقتصر فقط على الخارج بل كانت هناك بعض المطالب الداخلية التي تبلورت واتضحت بعد حرب الخليج الثانية، وقد ساعد على ذلك الاعتراف غير المسبوق بعالمية المبدأ الديمقراطي في مطلع التسعينيات والتحولات الجذرية نحو الديمقراطية في جميع انحاء العالم. ولم تتوقف رياح التحولات الديمقراطية عند دول بعينها بل انها أخذت تهب في منطقة الخليج ايضا وتشكل ضغطا متزايدا عليها في وقت تجمعت فيه عوامل متعددة ضاغطة امنية واقتصادية واجتماعية، فقد شهدت المنطقة خلال عشر سنوات حربين طاحنتين لهما تأثيراتهما الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والايديولوجية ايضا. وقد رافق هذه التأثيرات انخفاض اسعار النفط «المورد الرئيسي لهذه الدول» مما نجم عنه انخفاض في دخول هذه الدول وادى إلى تراجع «الدولة الريعية» أو «دولة الرفاه» عن تقديم الخدمات والدعم لمواطنيها، ويشرح البعض ذلك الامر بشكل اكثر تفصيلا حيث يرى هؤلاء انه في ظل الدخول العالية التي كانت تتمتع بها هذه الدول اثناء الطفرة النفطية استطاعت تلك الدول ان تخصص قسما منها ـ أي الدخول ـ للخدمات الاجتماعية وتحسين المستوى المعيشي لافراد المجتمع، ولم تكن تتصور حدوث بطالة بين مواطنيها عندما كانت قادرة على توظيف مواطنين اجانب في الوظائف العامة. وقد ادت الظروف الاقتصادية المزدهرة حينها إلى طريقة لتفادي السياسات التي كانت ما تواجهها النخب الحاكمة متمثلة في الحاجة إلى المشاركة في السلطة وتوسيع نطاق الديمقراطية والمشاركة الشعبية، ولكن مع انخفاض عوائد البترول والذي جاء متزامنا مع اتمام النضج الاجتماعي والسياسي في هذه الدول حدث تناقض يتمثل في السرعة المذهلة في بناء البنية التحتية مقابل استقرار بناء الهياكل السياسية والاجتماعية وهو ما ادى إلى بروز المطالب من قبل الخليجيين من اجل تحقيق نوع من المشاركة السياسية. ويرى اخرون انه من ضمن العوامل التي دفعت إلى المطالبة المتزايدة بالمشاركة السياسية في الخليج تلك السياسات التي اتبعتها الدولة في المنطقة خلال السبعينيات والثمانينيات، فعندما تكون الدولة متدخلة في كل ما يتعلق بشئون افرادها، فمن الطبيعي ان تبرز لديهم الرغبة في ابداء الرأي حول افعالها والتأكيد على انها تعمل لمنفعتهم، كما ان تلك السياسات قد ادت إلى ارتفاع معدلات التعليم وانخفاض نسبة الامية وهو ما يعني نمو حجم الطبقة الوسطى وهذه تعني زيادة الطلب على المشاركة السياسية ومما يدعم هذه المشاركة ان الدول الخليجية قد اشبعت الحاجات الاساسية ومعظم الحاجات الثانوية أو الكمالية لمواطنيها، وبعد توفر هذه الحاجات فان الحاجة إلى المشاركة تصبح ضرورية فهذه الحاجة تأتي في المرتبة الثالثة بعد اشباع الحاجات الاساسية «طعام، مأكل، ملبس، مأوى»، والثانوية «تعليم، صحة، ترويح، اجتماع». تحقيق المشاركة وفي ضوء تلك الظروف والعوامل السابقة ـ بالاضافة إلى العوامل والظروف الدولية وأبرزها العولمة السياسية التي تؤكد على الديمقراطية ـ برزت التساؤلات حول مستقبل الديمقراطية وتفعيل دور الاصلاحات في دول الخليج العربية، حتى ان افراد الطبقة المثقفة قد ربطوا بين عملية الاستقرار الداخلي وبين المشاركة السياسية وتطبيق الديمقراطية حيث يرى هؤلاء انه «بدون ديمقراطية لن يكون هناك استقرار لذا فان الجواب الوحيد هو ان وضعا امنيا خليجيا قويا لن يتحقق الا من خلال الديمقراطية الداخلية». وقد تعاظمت قضية المشاركة السياسية في التسعينيات، واصبحت من اهم التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي وتعالت صيحات المطالبة بمزيد من المشاركة حتى ان البعض قد اعتبر ان معظم الازمات المعاصرة للنظام الاقليمي هو «مصلحة لغياب المشاركة السياسية». ولم تعد هذه القضية تقتصر على الطبقة المثقفة بل انها اصبحت تتداولها اقلام بعض المثقفين من الاسر الحاكمة وتربطها بقضايا الامن والاستقرار في المنطقة، فالامير خالد بن سلطان بن عبدالعزيز يدعو إلى «اهمية تحسين وتطوير اساليب صنع واتخاذ القرارات والسماح بمزيد من التطبيقات الديمقراطية التي تتفق مع الاسلام شريعة وعقيدة، وزيادة مشاركة المواطنين في صناعة القرارات وعرض البدائل على ولاة الامور». وقبل الاشارة إلى مدى استجابة الانظمة الخليجية لتلك المطالب الخارجية والداخلية ينبغي التنبيه إلى ان شعوب المنطقة لديها نزعة صادقة وقوية نحو جعل دولها اكثر ديمقراطية وتعظيم دور المشاركة في القرار بهدف ترشيده لا بهدف انتزاعه. وفي نطاق الاستجابة لتلك المطالب فقد كانت الحكومات الخليجية مدركة تماما لتلك المطالب فبدأت في استيعابها من خلال اساليب خليجية تختص بها المنطقة، فعلى عكس ما يبدو للكثير من الخارج فان للديمقراطية جذورا تضرب في اعماق الهياكل التقليدية مثل مجالس الاسرة والعشيرة والقبيلة من جهة و«الفردية» البدوية المشتطة احيانا خارج اطار الجماعة القرابية من جهة وممارسات الشورى من اهل الحل والعقد في التراث الاسلامي من جهة ثالثة، الا انه كان لابد لهذه الجذور الثلاثة من ان تصقل وتنصهر في قوالب حديثة معاصرة تقر بما يطلق عليه علماء السياسة والاجتماع بالتحول الديمقراطي. من هنا كانت الاستجابة الخليجية لطلب المشاركة، ولعل التطور الكبير الذي شهده نظام الشورى في الخليج يعد احد الدلائل على وجود نوع من الايمان بضرورة تطوير المؤسسات السياسية وعلى تفعيل المشاركة، حيث تمت زيادة اعضاء تلك المجالس، كما تم توسيع صلاحياتها، كما ان بعضها اصبح الانتخاب الحر المباشر هو الطريق لاختيار الاعضاء، وفي هذا الصدد اتت انتخابات مجالس الشورى في عمان والبحرين وكذلك جاءت انتخابات المجلس البلدي في قطر والتي اجريت بواسطة الاقتراع الحر المباشر شهر اغسطس الماضي 2000، ولعل تجربة دولة الكويت تعد احدى التجارب الرائدة والناجحة ليس فقط في منطقة الخليج وانما في منطقة الشرق الاوسط ككل حيث تعد الكويت من الدول الخليجية السباقة إلى النهج الديمقراطي ولها رصيد تاريخي طيب يؤهلها لان تكون نموذجا قابلا للاقتداء، فالكويت لديها مجلس تشريعي وهو مجلس الامة الذي يعد فريدا من نوعه في العالم العربي من حيث الصلاحيات الواسعة من رقابة وتشريع. ولعل تلك التطورات التي تشهدها الدول الخليجية في مجال المشاركة السياسية والتمثيل الشعبي تعكس نوعا من الادراك والايمان الراسخ لدى النخب الحاكمة بأهمية تعبئة الارادة الشعبية وتعزيز الشرعية التقليدية وشرعية الانجاز بدعم مكثف من خلال المجالس الوطنية. خطوات التطوير ومما يلاحظ ان القيادات السياسية الخليجية تراعي في خطواتها نحو ترسيخ الديمقراطية عدة امور اهمها: ـ اعداد المجتمعات الخليجية لتقبل الديمقراطية وتوفير الظروف المناسبة لنجاح الخطوات التي يتم اتخاذها في هذا الصدد، وذلك من خلال الاهتمام بعمليات التطوير الاقتصادي ودعم مجالات التعليم والصحة والاسكان وغيرها. ـ الحرص على ان تتسم عملية التطور بصفة اساسية وهي الاخذ بمبدأ التدرج الذي يعني الفهم الواعي لحقيقة الاوضاع والتطورات السياسية في المنطقة ومن هنا فان هذه التجربة سوف تستمر بشكل اكثر عمليا في مسايرة ما يطلق عليه الموجة الثالثة للديمقراطية. ـ مراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات الخليجية التي تتصف بأنها مجتمعات محافظة لها خصوصيات معينة وذلك حتى لا تصطدم أي نماذج سياسية بهذه الخصوصيات فيؤدي إلى زعزعة الامن والاستقرار الداخلي. واخيرا، قد يرى البعض ان سيادة نمط الديمقراطية الغربي على انظمة الحكم الخليجية ـ في حالة اكتمال هذا الامر تماما ـ قد يعني تقييد سلطة الدولة وسيادتها نتيجة لفتح باب المشاركة السياسية سواء من خلال التصويت أو من خلال المشاركة في صناعة القرار سواء كان سياسيا أو اقتصاديا، خاصة وان هذه الدول ذات طبيعة معينة وخاصة، الا اننا نرى ان تلك الدول قادرة على ان تراعي خصوصياتها في سياق تطبيقها للديمقراطية بمعنى انها ليست مجبرة على الآخذ بالديمقراطية الغربية بحذافيرها، بل تستطيع ان تأخذ الاطار العام للديمقراطية وتطبقه بما يتناسب مع ظروفها واحوالها. فكما يرى البعض ان تطبيق الديمقراطية بمفهومها الغربي امر صعب في الخليج الا ان ذلك لا يعني ان الخليج ضد الديمقراطية وانما العكس، ولكن بما يتواءم ويتناسب مع خصوصياته الثقافية والاجتماعية، ولعل ذلك كله يصب في اطار تقوية شرعية الحكم الخليجية، تلك الشرعية التي تستمد منها الشرعية التقليدية وشرعية الانجاز مع تطبيق الديمقراطية واحساس المواطنين بأنهم شركاء في الحكم وصناعة القرار يزيد الولاء والانتماء ويعمل الجميع على تحقيق التنمية والاستقرار الامر الذي يدعم من سيادة الدولة وسلطتها. قضية حقوق الانسان اضحت قضية حقوق الانسان في الخليج احد اهم القضايا التي تستحوذ على الاهتمام العالمي وبخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وسيادة قيم المعسكر الرأسمالي ومنها مفهوم حقوق الانسان والديمقراطية، خاصة وان هذا المبدأ يعطي للدول الكبرى حق التدخل في الشئون الداخلية للدول الصغيرة نظرا لما تدعيه من الاعتبارات الانسانية. ومع كل يوم جديد اصبح يضاف حق جديد لحقوق الانسان وتزداد الاتفاقات الخاصة بها، كما برز وازداد الضغط العالمي على الدول للالتزام بحريات الانسان ومعاملته معاملة كريمة، وقد اتضح الاهتمام بحقوق الانسان في المؤتمرات العديدة التي عقدتها الامم المتحدة في هذا المجال، ولعل ابرزها المؤتمر العالمي لحقوق الانسان الذي عقد في فيينا خلال الفترة من 14 إلى 25 يونيو 1993. ولقد اوضحت تلك المؤتمرات عموما والتي شكلت واحدة من ابرز سمات النظام العالمي الجديد أن القضايا العالمية مثل حقوق الانسان لا يمكن التعامل معها تعاملا فرديا. وعلى صعيد كل دولة على حدة، فالتعامل مع هذه القضايا يتطلب التأكيد على القواسم العالمية والجوامع البشرية وتركيز على اكبر قدر من الجهود الرسمية والمتمثلة اساسا في جهود الدول والمنظمات الدولية والجهود الشعبية والمتمثلة في جهود المنظمات غير الحكومية والتي اخذت تبرز كقوة سياسية شعبية وفاعلة ومؤثرة في نطاق حقوق الانسان. وفي ضوء هذا الاهتمام العالمي بمفهوم حقوق الانسان انبثق مفهوم التدخل الانساني والذي يقصد به حق التدخل في الدول المستقلة لاعتبارات انسانية، أو حق التدخل الدولي في النزاعات والصراعات التي تجري داخل بلد مستقلة وتراها الدول الفاعلة في النظام الدولي تمثل انتهاكا لحقوق الانسان الاساسية أو تمثل تهديدا للسلم والامن الدوليين. ونظرا لان ميثاق الامم المتحدة يحظر التدخل في الشئون الداخلية أو التطورات الجارية في دولة ما من الدول بشكل عام وأن هذا التدخل اذا تم لابد ان يسبقه الحصول على تفويض بذلك من مجلس الامن، فقد غدت هذه القضية محل جدل شديد لاسيما بعد ان شن حلف الاطلسي حملته العسكرية ضد يوغسلافيا عام 1999 ومن دون قرار من مجلس الامن الدولي وذلك لاعتبارات تتعلق رسميا بحماية ألبان كوسوفو من آلة القمع الصربية، وازاء هذا الموقف يبدو انه ظهر ما يسمي حق التدخل الانساني ليساعد الدول الكبرى على الخروج من ازمة ضرورة الحصول على موافقة المجمع الدولي متمثلا في مجلس الامن. وقد بلغ هذا المفهوم درجة كبيرة من الخطورة بحيث بات الامر يهدد تماسك المجتمعات الوطنية في عدد من دول العالم النامي المستهدفة وذلك عبر تغذية انشطة عناصر محلية من اجل الحصول على امداد «الخارج» بكل ما يمكن ان يستخدم في اشهار ملف «حقوق الانسان»، وتزداد الخطورة عند الحديث عن مفهوم سيادة الدولة بعد ان وصف بأنه «تقليدي» ولابد من تحديثه كي يسمح للخارج ـ كما ذكرنا من قبل ـ بالتدخل عند الضرورة أو الحاجة في الشأن الداخلي للدولة تحت ذريعة حماية المواطنين من بطش السلطة أو حماية ابناء الاقليات من السياسات التمييزية ضدهم. مخاطر التدخل وفضلا عما يحمله مفهوم التدخل الانساني من تدخل صريح وتعدي واضح على سيادة الدولة فانه يحمل اخطارا اخرى اهمها: ـ ان مبدأ التدخل الانساني ينطبق اساسا على دول العام النامي لما لهذه الدول من اهمية خاصة لدى الولايات المتحدة، حيث انها تحتوي على مصالح استراتيجية امريكية وتمثل محورا مهما في التجارة الامريكية، كما ان هذه الدول بها اضطرابات شديدة لا تستطيع الولايات المتحدة التحكم والسيطرة عليها الا من خلال التدخل المباشر الذي يمكن ان يكون من خلال ما سمى «بحق التدخل الانساني». ـ ان الدول الكبرى في النظام الدولي الراهن وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية تتعامل مع ملف حقوق الانسان وفكرة حق التدخل الانساني عبر منظور سياسي متكامل الاولوية فيه للمصالح الذاتية ومصالح الحلفاء. ـ ان فكرة حق التدخل الانساني غالبا ما تطبق تجاه الدول الصغيرة ولا يرد مطلقا في مواجهة القوى الكبرى. ـ ان ملف حق الانسان وما يتبعه من حق التدخل الانساني بات يستخدم لاغراض سياسية في مواجهة دول العالم الثالث، فالدول التي تتكيف وتتأقلم مع المفكرة الامريكية لا يشهر هذا السلاح في وجهها، اما تلك التي ترفض التكيف والتأقلم فانها تتعرض لاشهار هذا السلاح وتتم الدعوة للادانة والتهديد بوقف المساعدات ثم التحرك لفرض عقوبات عبر الامم المتحدة أو ان تفرض العقوبات امريكيا وربما غربيا وعند درجات محددة يتم اللجوء إلى التهديد بالتدخل العسكري عبر ترخيص من الامم المتحدة وربما يتم هذا العمل بشكل فردي أو جماعي ـ اقليمي دون الحاجة لمجلس الامن. ولاشك ان تلك القضية الخاصة بمفهوم التدخل الانساني وما تحمله من تهديد واضح وصريح تخص جميع الدول النامية ولاشك ايضا ان الدول الخليجية العربية معنية بهذا الامر ايضا، تلك الدول التي تعد مطمعا لجميع الدول الكبرى بسبب ثرواتها النفطية ولاشك انه في وقت من الاوقات ومع تغير الظروف والمتغيرات والعلاقات الدولية القائمة فانه يمكن اشهار حقوق الانسان في وجه هذه الدول. وقد يقول قائل ان هذه الدول تشهد تحسنا ملحوظا فيما يخص حقوق الانسان ـ وهذا صحيح ـ الا انه ينبغي التأكيد على ان مفهوم التدخل الانساني يستخدم من جانب الدول الغربية الكبرى تجاه الدول الصغرى كما انه يستخدم كذريعة للتدخل سياسيا في شئون اية دولة لا تتوافق وتتكيف مع المفكرة الامريكية، ولاشك ان الدول الكبرى قد تختلق من المشاكل الانسانية ما يبرر تدخلها في المنطقة. ولعل البعد الخاص بالعمالة الوافدة وخاصة الآسيوية قد يشكل احد هذه المبررات ـ حال حدوث ازمة مثلا في العلاقات بين الدول الغربية ودول الخليج ـ فهذه العمالة التي يمكن لها ان تستخدم سياسيا يمكن ان تزعم بأنها لاتحظى بأي معاملة انسانية أو انها تتعرض لانتهاك حقوقها الانسانية، ومن ثم قد يشكل ذلك مبررا ـ وان كان غير صحيح ـ للتدخل الانساني الذي يكون الهدف الظاهري له هو حماية هذه العمالة، اما الهدف الخفي فهو السيطرة على المنطقة تماما. والجانب الآخر الذي يمكن ان تستغله الدول الكبرى تجاه الخليج هو اتجاه بعض منظمات حقوق الانسان الدولية لاتهام بعض الانظمة الخليجية بانتهاك حقوق الانسان نظرا لان تلك الانظمة تعتمد على الشريعة الاسلامية في تطبيق قوانينها الداخلية وهو ما لا يلقى قبولا لدى هذه المنظمات ولعل الحملة الاخيرة التي شنتها منظمات حقوق الانسان ضد المملكة العربية السعودية خير مثال على ذلك. أهداف أمريكية والجدير بالذكر ان الولايات المتحدة تهدف إلى فرض هيمنتها على المنطقة ونفطها و إلى تحقيق هدفين: ـ الأول: هو استنزاف قدرة المنطقة واعاقتها عن القيام بأي دور عالمي في ضوء تعاظم الاهمية العالمية للنفط، ويكون تحقيق ذلك من خلال التحكم في الانتاج وتحديد الاسعار وتتجسد الامثلة التطبيقية لهذه الاستراتيجية في اغراق المنطقة بالسلاح وربط تجارتها الخليجية بالمراكز الرأسمالية الغربية والحد من الفوائض المالية الناجمة عن ارتفاع الاسعار. ـ الهدف الثاني: استمرار التفوق الاقتصادي للمعسكر الغربي في ظل اتجاه العولمة الراهن والقائم على معايير القوة الاقتصادية التي تستمد قوتها من استمرار التدفق النفطي دون اضطراب وبأسعار معقولة. ولكي تدخل الشركات متعددة الجنسية للمنطقة لابد من تمهيد الطريق ولتحقيق ذلك تمارس الولايات المتحدة والغرب ضغوطات كبيرة على دول المنطقة لالغاء سياساتها الحمائية مثل لزوم الشريك المحلي أو الوكيل المحلي لأي مشروع اجنبي وحجز نسبة معينة من تكلفة المشاريع لضمان التنفيذ، كما تدفع الولايات المتحدة والغرب دول المنطقة نحو سياسات الخصخصة، وذلك لتزيد من فرض الشركات الامريكية والغربية المتعددة الجنسية للاستحواذ على المشاريع والشركات التي يتم خصخصتها، ولقد اثبتت التجارب ان كل تجربة جرى فيها تحرير الاقتصاد وبيع الشركات العامة للقطاع الخاص فاز بتلك الشركات وكلاء الشركات المتعددة الجنسية الذين قد يستغلون ما يستخدم في الدول من اجواء انفتاح ليدخلوا إلى مراكز القرار ويصبحوا «مندوبين سامين» للشركات العالمية الكبرى. وفي اطار الحديث عن تلك الشركات هناك مجموعة من العوامل التي تدفع نحو دخول هذه الشركات إلى الدول المختلفة ـ ودول الخليج ليست بعيدة بالطبع عن ذلك ـ انها تحوي عنصرا رئيسيا من العناصر التي تحتاجها تلك الشركات بل ومعظم شعوب العالم وخاصة الغرب والولايات المتحدة الا وهو النفط، واهم هذه العوامل الاتساع الكبير في التجارة الدولية والاندماج بين الشركات لتكوين شركات اكبر تحتكر مصادر المال والتكنولوجيا ولعل ظاهرة الاندماج وخاصة بين الشركات النفطية هي ما تعنينا في منطقة الخليج، تلك الشركات التي تريد الحصول على نصيب الاسد من النفط ويساعدها في ذلك عمليات الاندماج التي بدأت في الوضوح التام في الاعوام الاخيرة، ففي عام 1998 حدثت 92 عملية اندماج بين شركات النفط في العالم باجمالي قيمة حوالي 130 بليون دولار مقارنة باندماجات عام 1997 والتي وصلت قيمتها إلى 41 بليون دولار، وكان اهم الاندماجات في الولايات المتحدة تملك شركة بريتش بتروليم لشركة اموكو بقيمة 42.6 بليون دولار، اما اهم الاندماجات الاوروبية فهي اندماج بتروفينا مع توتال بقيمة 7.4 بلايين دولار، واهم الاندماجات عالميا هي اندماج اكسون وموبيل بقيمة 56 بليون دولار. وقد تواصلت عمليات الاندماج عام 1999 وكان اهمها اندماج تجميع بريتش بتروليم ـ اموكو مع شركة اركو الامريكية واندماج تجمع توتال ـ فيينا مع الف الفرنسية واندماج الشركة الوطنية الارجنتينية مع شركة ريبسول الاسبانية، وقد تولدت عن عمليات الاندماج اربع شركات عالمية «الشركات الثلاث السابقة المندمجة عام 1999 بالاضافة إلى شركة شل التي لاتزال تعد من اكبر الشركات العالمية». ولاشك ان اندماج تلك الشركات يعطيها مميزات كبيرة وكثيرة حيث انها تؤدي إلى تخفيض تكاليف الانتاج ومضاعفة الارباح وتعزيز القدرة التنافسية بالشركات العملاقة، وكما ان امتلاك احتكار التقنية وانتشارها جغرافيا وقدرتها في الحصول على التمويل للتوسع في اعمالها سوف يعطيها مرونة وميزة اكثر من غيرها ويزيد من دورها وقوتها التفاوضية في الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء، فان تلك الاندماجات في نطاق الشركات العالمية النفطية ستوجد تحديا امام الدول الخليجية النفطية حيث ان تلك الدول لن تستطيع ان تنافس الشركات العالمية في مجال التكنولوجيا والتقنية المتقدمة وبالتالي ستجد تلك الشركات بمعاونة الولايات المتحدة والدول الامريكية في الدخول إلى منطقة الخليج خاصة في ظل اتجاه دول تلك المنطقة نحو الخصخصة وغير ذلك من خطوات تمهد الطريق للشركات متعددة الجنسية، الا انه في النهاية ينبغي التنبيه إلى ان تلك الشركات تسعى وراء الربحية اولا واخيرا ولا تعنيها مصلحة اقتصاد البلد الذي تعمل فيه ومتطلبات نموه، فهذه الشركات تعمل وفق مباديء المنافسة اي انها تسعى للحصول على انتاج جيد وبجودة عالية وسعي اقل وايدي عاملة ارخص واستثمارات اقل كلفة واذا وجدت هذه الشركات ان مصلحتا لم تعد في هذا المكان من العالم واصبحت في مكان اخر فانها تنقل استثماراتها إلى المكان الاكثر ربحية الاكثر من ذلك ان تلك الشركات تؤدي إلى تدمير فرص العمل والالغاء المنهجي للايدي العاملة نظرا لاعتمادها على التقنية العالية التي لا تحتاج كثيرا للبشر ـ كما تؤدي تلك الشركات في نهاية المطاف إلى اضعاف السيادة الوطنية للدول اذ تتقلص قدرات حكومات البلدان على ممارسة الرقابة عليها نظرا لقوتها ونفوذها الهائل، واخيرا فعلى الدول الخليجية اذا ما وجدت انه لا مفر من دخول تلك الشركات إلى اراضيها ان تجد طريقة تحافظ بها على مصالحها وتدافع بها عن سيادتها خاصة وانه هناك شبه اجماع بين المتابعين على ان انتشار الرأسمالية الجديدة المتمثلة في الشركات العالمية متعددة الجنسية سوف يؤدي إلى ضمور وتآكل القوة الوطنية وقوة واستقلالية الدولة.