بيان الاربعاء : تزايد الضغط الدولي على مقدونيا لانتهاج استراتيجية سياسية لتسوية النزاع المتصاعد مع المقاتلين الالبان، هذا النزاع الذي توقع له كثيرون ان يندلع بشكل او بآخر. وذهبت الاراء مذاهب مختلفة، فمنها من رجح ان النزاع العسكري الناشب هو اول محاولة عسكرية لتدعيم فكرة البانيا الكبرى بعد انسحاب الجيش اليوغسلافي من كوسوفو. ومنها من قال بان النزاع يشبه التصعيد الذي احدثته مجازر كوسوفو لتسويغ تدخل جديد في البلقان يؤمن للولايات المتحدة والناتو فرض سيطرة اكبر على يوغسلافيا. وهناك من قال باسباب النزاع اليوناني ـ التركي ـ الصربي على مصالح قديمة مازالت تؤجج لدى كل منها احلام الامبراطوريات السابقة، في اشارة للخرائط الجغرافية القديمة التي لم تكد تتبدل حتى عاودت شكلها الاول. والالبان بين هذه المقولات والمذاهب اوراق ولعب تحركها خيوط السياسة الدولية والاقليمية ومعظم الجاهلين منهم بخلفيات هذا الصراع يضعون على اوراق ملطخة بالدم مطالب وحقوقا تبدو اقرب للابتلاع منها للتحقيق. فما هي خلفيات النزاع الالباني الجديد، ومن هم لاعبوه واطرافه، وما علاقة دول الجوار والناتو باشعال نار الطائفية العرقية، وما هي المصالح التي تحرك السياسة الدولية هناك .. ولماذا تلعب الدول الغربية على تناقض هذه المصالح، وهل ان هذه الحرب التي توشك على الاندلاع حرب دينية ام ملامح لحرب دينية .. ام ماذا؟ تحدثت المصادر الصحفية والسياسية عن شبح بلقنة مقدونيا اثر تأجج القتال بين القوات المقدونية وجيش التحرير الوطني لالبان مقدونيا، والاخير كان قد اعلن منذ نشوب هذا القتال ان قواته لا تريد الاستيلاء على مدينة تيتوفو (شمال غرب مقدونيا) بل ترغب في حوار مع السلطات المقدونية. الظاهر في حركة جيش التحرير الوطني الالباني كان ما اعلن عن عودة القوات اليوغسلافية الى المنطقة الامنية والتي تمتد حوالي 5 كيلومترات جنوب كوسوفو حيث كانت ترابط قوات «كيفور» الدولية، وطفت على السطح مشاكل الالبان التي لم تستطع الحكومة المقدونية او اية حكومة يوغسلافية التخلص منها او القضاء عليها، كسبب لتصاعد موجات المطالبة الألبانية بالحقوق مما دفع المراقبين والسياسيين الذين يعزفون على وتر البلقنة الى القول بنية الالبان احياء حلم «البانيا الكبرى». وفي الواقع ان الدوافع حول تأجيج الصراع كثيرة منها داخلية ومنها خارجية، والداخلية منها هي التي روجت لها وسائل الاعلام الكثيرة وقيادات الناتو والولايات المتحدة الامريكية وهي تهدف لاخفاء الاصابع الحقيقية الدافعة لهذا الصراع. وعلى خلفية متشابكة للواقع الالباني ارتسمت صور كثيرة لحرب عالمية مضت وحرب عالمية متوقعة، فكيف بدأ التصعيد الالباني بعد ان غادر ميلوسيفيتش قيادة الدفة اليوغسلافية وبدا للعالم ان كل شيء قد انتهى، رغم ان الاوروبيين وامريكا كانوا يؤكدون دائما على احتمالات قيام الحرب من جديد؟ يرتبط بدء نشوب الازمة بموروث سياسي ضخم من التناقضات في المصالح الغربية والشرقية، لكن الازمة الحالية اطلق شرارتها فشل الانتخابات العامة التي جرت في العام الماضي مما عمق الانقسام الداخلي، عندما صعد الحزب الديمقراطي برئاسة «صالح بريشا» المعارضة في الشارع ضد الحكومة الحالية التي يسيطر عليها الحزب الاشتراكي الشيوعي سابقا. الامر الذي بدأ يهدد باسوأ العواقب بالنسبة لالبانيا وعلاقاتها مع الدول المجاورة. وبريشا يمثل البان الشمال الذين ينتشرون في البانيا وكوسوفو ويتسمون بالمحافظة وباغلبية مسلمة قدرت مطلع هذا العام بـ 95% من السكان مما يجعلهم يميلون الى التواصل الألباني بين البانيا وكوسوفو ومقدونيا التي يسكنها ما لايقل عن 45% من الالبان المسلمين ايضا. هذه الكثافة الالبانية المسلمة شكلت خطرا على الحكومة الجديدة التي تميزت بوجود نسبة لا بأس بها من الارثوذوكس قدرت بـ 30% وهي تميل للتواصل مع اليونان ويوغسلافيا لكي لا تقوم البانيا الكبرى التي تعني ان يصبحوا اقلية وسط الاغلبية المسلمة. ومن هنا بدأت حملة المعارضة ضد الحكومة الاشتراكية بعد تسرب الاخبار عن قرب اعادة العلاقات الدبلوماسية بين البانيا ويوغسلافيا فقد عدت عودة هذه العلاقات طعنة في الظهر لكوسوفو التي لم تحل مشاكلها بعد مع بلجراد كما عد ذلك تأكيدا لبقاء كوسوفو ضمن الاطار اليوغسلافي. وهكذا اشتعلت المواجهات بين الالبان والقوات المقدونية بدوافع واسباب مختلفة وتصاعد الحديث في منطقة البلقان عن عودة مشروع البانيا الكبرى بينما عدها السياسيون الالبان وهما خلقته الاوساط المعادية للالبان في اشارة للصرب الذين نفذوا ومازالوا سياسة ابادة الالبان في كوسوفو. والمعروف ان الالبان موزعون اليوم بين دولة البانيا وصربيا ومقدونيا وقد كانوا قبل عدة قرون في منطقة موحدة لا تفصل بينهم اية حدود وتحت سيطرة الامبراطورية العثمانية ولفهم خلفيات الصراع ومن يكون وراءه اقليميا لابد من قراءة الماضي القريب لفهم التوقعات في مستقبل البلقان. صراعات موروثة الصراع اليوغسلافي في البلقان يحركه حلم «صربيا الكبرى» لدى الرئيس الشيوعي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، فهو الذي اقسم لشعبه في بداية التسعينيات ان يحقق حلم صربيا الكبرى مهما كان الثمن، وهو ماض قريب ان شئنا القول يرتبط جدليا بماض اقدم ارتبط بالصراع العثماني الغربي. خاض ميلوسيفيتش بكل وحشية حرب التصفية العرقية ضد المسلمين البوسنيين ثم ضد البان كوسوفو، فلم ينس الصربيون وقوف البانيا المسلمة بجانب تركيا لهزيمتهم. وساهم في تفجير الصراع بين صربيا والالبان ان شعوب منطقة البلقان كاملة اصبح لديها مفهوم صنعته الاحداث والتطورات السياسية تمثل في ان اتفاقية دايتون لم تعد قادرة على اعادة الهدوء والأمان التام، فمن يملك القوة يستطيع خرق الاتفاقية دون خوف. التاريخ القديم لمنطقة البلقان كان سببا دائما لتأكيد الغربيين ان هذه المنطقة مرشحة لقيام حرب عالمية فقد كانت دائما (القنبلة الموقوتة في اوروبا) ولم تستطع اتفاقية دايتون اسقاط هذه الحقيقة التاريخية. وربما كانت الاوضاع الاقتصادية مضافة للسياسة اسبابا مغذية دائما لاثارة هذه الصراعات فسوء الاوضاع الاقتصادية في دول البلقان يغذي حدة الصراع في العديد من المناطق هناك ويبقي النيران تحت الرماد كما هو الحال في شرق مقدونيا وكوسوفو. تركيبة الاعراق في المنطقة المشتعلة يمكنها ان تلقي بعض الضوء على تشابك الخلافات، فنجد ان سكان كوسوفو هم من المسلمين الالبان ونسبتهم تتراوح بين 90 ـ 93% بمعنى انهم يشكلون الاغلبية الساحقة، وهم لم يجدوا مؤيدا لانفصالهم سوى البانيا عندما تحرك المسلمون في كوسوفو سنوات مطالبين بالاستقلال، هذه التحركات اقلقت الحكومة المقدونية التي يشكل 45% من سكانها البان مسلمون. ومقدونيا تعيش صراعا خفيا مع دول جاره كاليونان مثلا التي ترفض الاعتراف بوجود دولة باسم مقدونيا، وهو ما يبرر سبب اصرار اليونان على الاعتراف بجمهورية مقدونيا تحت مسمى «جمهورية مقدونيا اليوغسلافية سابقا» بسبب علاقة المقدونيين باليونان اصولا وجذورا ومواقفا تاريخية. ومقدونيا يتنافس على الصراع حولها اقليميا اليونان وبلغاريا وكل يدعي ان المقدونيين ينتمون الى اعراقهم بينما ترى صربيا ان المقدونيين هم ابناء عمومة للايطاليين. ويقدر عدد الالبان بنحو ستة ملايين يتوزعون بين البانيا (ثلاثة ملايين) وكوسوفو (1.8مليون) وصربيا (1.3مليون) ومقدونيا (400 الف الباني) ويعتبر الالبان ان اسلافهم الاليريان سكنوا منطقة البلقان عام 1200 قبل الميلاد اي قبل العرقيات الاخرى وبالتالي فمن حقهم اقامة دولة تلملم شملهم، وتوقعت دراسة اجرتها الاكاديمية الالبانية في تيرانا ان الالبان سوف يعيشون في منطقة واحدة خاصة بهم خلال فترة تتراوح بين 10 ـ 12 عاما. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تفجر الصراع الاخير في مقدونيا بالذات، ولماذا البان مقدونيا؟ والجواب بالطبع ينهل من تاريخ هذه الدويلة فمقدونيا عبارة عن مقاطعة كانت تشكل جزءا من الاتحاد اليوغسلافي، يبلغ عدد سكانها حوالي المليوني نسمة منهم 66.5% من اصل مقدوني وما يقرب من 22.9% من اصل الباني اضافة الى 4% من الاتراك، 2.3% من الغجر، و 2% من الصرب، و يقول الالبانيون ان نسبتهم اكثر بكثير من هذا الرقم فهم يتجاوزون 40% في مقدونيا ولهذا كانت احد مطالبهم احصاء السكان الالبان لضمان حقوقهم. بعد ان اعلنت مقدونيا استقلالها اثر تفكك الاتحاد اليوغسلافي املت بتشكيل دولة متعددة القوميات لكنها ظلت لاكثر من سنة ونصف دون تغطية دولية لها نتيجة عدم الاعتراف بها، ورغم ان الاتحاد الاوروبي اقدم على الاعتراف بمقدونيا عام 1993 الا ان طموحات اثنيا في اجزائها الجنوبية دفعتها الى فرض حصار عليها، والصرب من جهتهم يؤيدون اليونانيين وهم يشكلون الاقلية الحاكمة فيها عكس الاتراك الذين يؤيدون المقدونيين. ولهذا التأييد التركي اسبابه خاصة وان هناك خلفيات يونانية صربية لاحتلال المقاطعة وتقاسمها ويلاحظ بان مقدونيا من الداخل هي ايضا من الخارج كالبركان فالنزاعات العرقية تتطور الى صراعات دموية خاصة وهناك من يدعمها اقليميا وبالدرجة الاولى من قبل اليونان التي كانت قد طالبت بتغيير مقدونيا لاسمها ولعلمها وحتى لدستورها كدولة مستقلة على اساس ان الاقليم اليوناني الشمالي المجاور لمقدونيا يحمل ذات الاسم وان لمقدونيا المستقلة طموحات واضحة فيه. البلقان والخرائط القديمة الواقع الذي تعرضه الوثائق والوقائع يشير الى ان دول البلقان جميعها « دول كبرى» تطمح لتحقيق احلامها التي حملتها الخرائط القديمة والتي مازالت مثلما يبدو وفق المحللين مستمرة في السياسات الجديدة. وتعبير «البانيا الكبرى» يستخدم في الدول التي لها علاقة متأزمة مع الالبان في حدودها والتي لها ايضا خرائط كبرى (صربيا الكبرى، ومقدونيا الكبرى)، ويشير الباحثون الى ان الحركات او الكيانات القومية في البلقان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين عانت من الخرائط الكبرى التي رسمتها لنفسها لان كل خريطة كانت تتداخل مع الخرائط الاخرى مما جعل الكيانات في حالة تصارع متواصل. وبسبب هذا التداخل بين الخرائط نشبت الحرب البلقانية الاولى والثانية وقامت بعد ذلك الحرب العالمية الاولى ثم الثانية التي حاولت فيها كل الاطراف تحقيق خرائطها، ومما يدلل على ان الخرائط القديمة لم تتبخر، انهيار يوغسلافيا السابقة خلال 1991 ـ 1992 وانبعاث المشاعر القومية الصربية بعد وفاة تيتو مما مهد لانبعاث المخاوف في يوغسلافيا من «صربيا الكبرى» التي اصبح بطلها كما اشرنا سلوبودان ميلوسيفيتش بعد ان سيطر على كوسوفو وفويفو دينا والجبل الاسود وهدد البوسنة الامر الذي دفع جمهوريتا سلوفينيا وكرواتيا الى الانسحاب او الاستقلال خشية ان تجدا نفسيهما ضمن صربيا الكبرى. وفي الواقع ان قضية تحرر كوسوفو اطلق المارد الالباني من القمقم البلقاني وفق المراقبين والدارسين، ويبدو ان كوسوفو تتجه لتكون مصدر الثقل للالبان في البلقان وليس البانيا، لكن القيادة الالبانية في كوسوفو التي رفضت فكرة «البانيا الكبرى» في بودابست ابريل عام 2000 عادت فرأت ان من مصلحتها ان لا تراهن على انحسار هذه الفكرة، طالما كانت هناك عقلية مقدونية تعيش فكرة هذه الدولة الكبرى. ومقدونيا تعيش على فكرة مقدونيا الكبرى التي يحق لها التدخل في الدول المجاورة للدفاع عن حقوق الاقليات المقدونية الموجودة مثلما هي فكرة البانيا للدفاع عن البانييها في كوسوفو وفي البانيا معا وهكذا يمكن القول ان خريطة البانيا الكبرى موجودة بقدر وجود «مقدونيا الكبرى» و «صربيا الكبرى» لكن الامر الذي يدركه الجميع ان البلقان لا يتسع لمثل هذه الدول «الكبرى» ولذلك تبحث الدول الغربية مع بلجراد عن ميثاق جديد في البلقان للتعامل مع الاقليات والغالبيات في انتظار التحول من نموذج الدول القومية الى نموذج الدول المدنية. وهنا نجد ان الالبان الذين تمردوا على الحدود التي ضمتها اتفاقية بين مقدونيا ويوغسلافيا اعترضوا وبادروا بطرح شكل جديد للميثاق بطرح تصورهم في حدود الامكان وحاجاتهم مما اسموه حقوقا فمن الذي فرض هذا الشكل وماهي اهم عناصره؟ لابد من الاشارة الى ان الاحداث دفعت الى ظهور قوة عسكرية على المسرح سميت بجيش التحرير القومي وكان الهدف منها عدة مطالب سياسية، صنعتها ظروف الاضطهاد والانتهاك المتكررة لحقوق الشعب الالباني خلال الاعوام العشرة الاخيرة التي لم يلاحظ فيها اي تقدم لحقوق الانسان بتلك الجمهورية وهم الذين يشكلون نسبة كبيرة من مواطنيها (40% حسب تقديرات الاحزاب الالبانية). وكان اول هدف معلن لجيش التحرير القومي الحفاظ على جمهورية مقدونيا جغرافيا وعرقيا بمعنى لا يهدف الى تقسيمها، ولم يكن ايضا هناك اي اشارة في اعلانه الى تشكيل البانيا الكبرى، لكنه بذل قصارى جهده للحصول على حقوق الالبان كاملة في اطار الدولة المقدونية التي ينبغي ان تقوم على انها دولة مشتركة بين الالبان والمقدون. كانت الاهداف التي عمل على تحقيقها جيش التحرير المقدوني: ـ تحقيق مبدأ الاعتراف بأحقية الشعب الالباني بانه طرف رئيسي في تشكيل جمهورية مقدونيا. ـ احقية مشاركة اكبر للالبان في بنية وادارة الدولة. ـ حل مشكلة الجنسية المقدونية لعدد اكبر من المواطنين الالبان الذين لم تحل لهم هذه المشكلة حتى الآن. ـ الاعتراف رسميا بالجامعة الالبانية بمدينة تيتوفو. ـ اطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين الالبان واصدار عفو عام عن جميع الهاربين الذين غادروا مقدونيا بسبب الاجراءات القضائية غير العادلة التي تمت ضدهم. ـ تسجيل البان جمهورية مقدونيا تحت مراقبة دولية بغرض اظهار النسب الحقيقية الواقعية للشعب المقدوني. الغربيون يرون ان قيام فيدرالية بين الدويلات التي تضم اغلبية البانية او اقلية البانية مهمة لاحداث الاستقرار، ولكن هل ان الامر منوط فعلا بالصراعات العرقية او الدينية حيث يمثل الالبان اغلبية ام ان هناك اسبابا ودوافع اخرى تتجاوز الاقليمية الى الدولية !!