أكد المراسل السياسي لصحيفة «هآرتس» العبرية في تقرير نشر أمس ان رئيس وزراء دولة الاحتلال ارييل شارون يمارس ذات التكتيك السياسي الفاشل الذي اتبعه سلفه اسحق شامير من حيث دفع العرب لموقف الرافض المتشدد لدق اسفين بينهم وبين الولايات المتحدة مستغلاً خبرة شيمون بيريز في هذا المجال والذي فشل في أولى محاولاته هذه في القاهرة. وقال التقرير انه قبل 15 سنة توجه بيريز الى مصر بتكليف من حكومة الوحدة الوطنية، في ذلك الحين ايضا سعى لادخال الرئيس المصري حسني مبارك لعربة المفاوضات ومن هناك أكمل مسيره الى واشنطن حتى يحاول اغراء الأمريكيين ايضا، في الوقت ذاته هدأ بيريز من روع منتقديه في اليسار ووعدهم بجر شركائه من اليسار ومن ضمنهم صاحب القيود ارييل شارون إلى أعماق عملية السلام. وبالفعل لم يقم رئيس الوزراء الاسرائيلي في حينه اسحق شامير طوال أشهر عديدة بعرقلة وزير خارجيته ومنعه من طرح مبادرته، شامير كان على قناعة ان بيريز لن يجد أصلاً مشترين عرباً لبضاعته، لماذا اعتقد شامير ان اسرائيل ستبدو في نظر العالم وخصوصاً الولايات المتحدة كرافضة للسلام إن كان العرب مستعدون للقيام بـ «العمل الأسود»؟ عندما فاجأه بيريز في أحد الأيام باتفاق لندن الذي توصل له مع الملك حسين بصدد التمثيل الفلسطيني القى به شامير الى الجحيم هو واتفاقه معاً. بعد خمس سنوات من الجمود السياسي ومئات من ضحايا الانتفاضة الأولى عاد شامير للمراهنة على رفض العرب واشترط موافقته على المشاركة في مؤتمر مدريد الدولي بمشاركة كل جيران اسرائيل في مراسيم الافتتاح بشكل كامل، في هذه المرة اعتمد شامير على التقدير السائد آنذاك بأن حافظ الأسد لن يدخل في مفاوضات مع اسرائيل قبل أن يعدوه بالخروج من هناك مع كل هضبة الجولان. في اليمين صفقوا لشامير على الخديعة اللامعة وانتظروا قيام السوريين بتنفيذ «العمل الأسود» ولكن حافظ الأسد أكد لهم مجدداً انه لا يمكن الاعتماد على العرب في ذلك، إذ استجاب للمبادرة الأمريكية وأرسل ممثليه إلى مدريد، شامير تورط في مجابهة مع جورج بوش حول التناقض الأبدي بين مواصلة البناء في المستوطنات وبين انهاء الاحتلال في المناطق. وها هي «الحكومة العريضة» تحاول الآن مرة أخرى دحرجة الكرة نحو الملعب العربي على أساس الادراك الواضح الا احتمالية لاقدامهم على امساكها. رئيس الحكومة أرسل الحائز على جائزة نوبل الملازم له الى مصر حتى يقول لمبارك بأن اسرائيل تتبنى مبادرته، وكل ما تبقى فقط هو بعض التفاصيل الصغيرة الهامشية مثل تكريس حكم المستعمرين في المناطق. حسب أحد هذه التعديلات الصغيرة يتوجب على الفلسطينيين أن يتبنوا فكرة عدم امكانية التفاوض تحت ضغط النيران ولكن من حق المستوطنين من الناحية الأخرى أن يشعلوا نار المستوطنات في كل المفاوضات. شارون أبعد من أن يكون مغفلاً، فهو يقدر أن عرفات لن يشتري اتفاقاً مستعملاً بثمن بخس بعد نصف سنة من قيامه هو نفسه برفض تسوية دائمة بثمن أفضل بأضعاف المرات (هناك شك كبير ان اسرائيل كانت ستتبناه في آخر المطاف). شارون تعلم من رد ايهود باراك لكلينتون «نعم ولكن» تبدو أفضل بكثير من «لا ولكن» التي صدرت من عرفات، ما الذي يضيره لو تجول بيريز في أرجاء العالم وطالما كان الفلسطينيون يطلقون النار والاسرائيليون يتحدثون لا يتوجب أن يخشى شارون من أن يقوم بوش بالتصرف معه مثلما تصرف والده مع شامير في قضية المستوطنات ـ الضمانات. بل على العكس ـ شارون يتوقع ان اصرار الفلسطينيين على الحصول على ضمانات لوقف الاستيطان سيضر بعلاقات الولايات المتحدة مع منظمة التحرير وكاضافة على ذلك سيؤدي رفض الفلسطينيين لتبني المبادرة المصرية ـ الأردنية إلى دق إسفين بين عرفات والرئيس حسني مبارك والملك عبدالله وهو ما لم يحدث وبدت اسرائيل هي الرافضة للمبادرة. تكتيك قادة اليمين الذين يجلسون الآن في ديوان رئيس الوزراء شفاف مثل لاعب التنس الذي يركز على اعادة الكرة إلى ملعب الخصم، عرفات يعرف هو الآخر ان شارون يقوم بجمع النقاط وترسيخ وجوده على الأرض على حساب العنف الفلسطيني، الرئيس المصري لم يخرج فكرة الايقاف المؤقت للنيران من كمه، العرب توصلوا الى استنتاج بأن الانتفاضة قد استنفدت ذاتها من الناحية السياسية وانهم أصبحوا ينفذون لاسرائيل العمل الأسود المتمثل في الرفض من الآن فصاعداً، لذلك أقول لا تعتمدوا عليهم ولتسألوا ان شئتم شامير وبيريز حول ذلك.