قدم استقالته من الكي جي بي فاكتفى رؤساؤه بالصمت ، بوتين يصارح سوبتشاك بحقيقة مهمته قبل العمل مساعدا له احتفظ فلاديمير بوتين بفضل اقامته في ألمانيا الديمقراطية لسنوات بدرجة كبيرة من الاتقان للغة «جوته»، وببعض التوقعات لما كان ينتظر الاتحاد السوفييتي، وبالاحساس بانه قد قطع مسيرته الوظيفية، التي كان يبدو انه يريد لها ان تستمر أيضا في ألمانيا. كما احتفظ بلقب «ستازي»، كما أشار ذات يوم رئيس وزراء روسيا الأسبق «سيرجي ستيباشين». عندما عاد فلاديمير بوتين إلى لينينجراد كان قد فقد حماسه حيال المستقبل وفكر بان يترك جهاز الاستخبارات. ويؤكد صديقه عازف الكمان سيرجي رولدوجين انه كان مضطربا جدا بسبب الوضع السياسي للبلاد. كذلك ساهم عدم جدوى العمل الذي قام به هو وزملاؤه في دفعه نحو الاستقالة. ويروي ذلك الصديق انه قال: «لا يوجد شيء اسمه ضباط استخبارات سابقون». لم يتطرق بوتين بعد ذلك للموضوع، لبعض الوقت على الأقل. فهو لم يكن قد تخلى بالتأكيد عن فكرته، لكن قبل أن يولي اهتمامه لاحتمال توجهه نحو عمل خارج الاجهزة، كان عليه أولا أن يحمل مشكلة اعادة اندماجه على صعيد الداخل، يشير الصديق نفسه، عازف الكمان، إلى انه قد تم اقتراح منصبين على بوتين، احدهما في موسكو، والآخر في لينينجراد. لكنه لم يتردد في قبول المنصب الثاني، على الرغم من ان الاول - في العاصمة - يفتح آفاقا أكثر اتساعا أمامه. يتساءل بوتين: «لماذا رفضت العمل في الجهاز المركزي بموسكو؟» ويجيب: «كنت قد فهمت انه لم يكن هناك اي مستقبل للنظام، وان البلاد نفسها لم يكن لها مستقبل، لكن أن يبقى المرء ساكنا داخل آلية النظام بانتظار تحلله.. كان هذا أمر قاسيا جدا». بالمقابل كان العمل في لينينجراد والبقاء مع الأصدقاء والأهل أمرا يدفع إلى الاحساس ببعض التعويض. لكن السبب الحقيقي والحاسم في اختيار المنصب المقترح عليه يحدده هو نفسه كما يلي: «كنت سعيدا جدا لذهابي للعمل تحت غطاء جامعة الدولة في لينينجراد. وكنت أفكر في ان أنجز اطروحة جامعية وأقيم هناك بصورة نهائية، وفي عام 1990 أصبحت نائب رئيس الجامعة للعلاقات الدولية. وكما يقال عندنا، كنت في الموقع الاحتياطي النشيط». وكان جهاز الاستخبارات السوفييتي «الكي جي بي» لا يمنح ذلك النوع من المناصب سوى للعاملين فيه ممن كانوا قد أصبحوا في نهاية مسارهم الوظيفي، أو للعاملين السابقين فيه. أما بالنسبة لعقيد شاب عمره ثمانية وثلاثون سنة فكان الأمر يعني تهميشه. ان نقطة الضعف هذه (مما يجعل الشكوك حول فشل بوتين في درسدن محتملة) ربما تعود إلى الاعداد الكبيرة من عملاء الكي جي بي الذين تمت اعادتهم إلى الاتحاد السوفييتي بعد سقوط جدار برلين والتغيرات الجوهرية التي شهدتها بعض بلدان أوروبا الشرقية والوسطى، ويمكن اعتبار ان المنصب «الجامعي» كان يتناسب مع الأهمية - غير الكبيرة - لفلاديمير بوتين في الكي جي بي في المانيا الديمقراطية. وعند عودته إلى الاتحاد السوفييتي لم يكن سوى واحد من بين مئات العائدين. مع سوبتشاك لم يبق بوتين طويلا في الجامعة إذ أخبره أحد أصدقائه ان اناتولي سوبتشاك، رئيس المجلس البلدي للمدينة، كان يبحث عن معاون يساعده على السيطرة على «سلة العقارب» في البلدية، اعترض بوتين على الفترة وقال ان وجود أحد ضباط الكي جي بي إلى جانبه يقلل من مصداقيته. فقال له صديقه: «اذهب وقابله!». كان سوبتشاك استاذا جامعيا سابقا لمادة الحقوق في لينينجراد، واشتهر آنذاك بأنه في طليعة أنصار دفع البلاد في طريق الديمقراطية. وكان بوتين يتتبع مسيرته من دون أن يكون مع ذلك موافقا على كل ما كان يفعله. لكنه كان يكن له الكثير من الاحترام وأيضا من التعاطف، حيث كان الرجلان قد تعارفا ذات يوم، حيث كان سوبتشاك مكلفا بالقاء بعض الدروس في الجامعة، عندما كان بوتين طالبا فيها، خلال فصل أو فصلين دراسيين، لكن معرفتهما لم تتجاوز حد المعرفة السطحية. استقبل الاستاذ طالبه القديم في مكتبه بقصر ماري اي دار بلدية سان بطرسبورج وقبل ان يوظفه على الفور بل اخذ على عاتقه التفاهم مع رئيس الجامعة، حيث كان بوتين يعمل بحيث يمكن ان يبدأ هذا الاخير العمل خلال أيام قليلة اعترف عند ذاك بوتين لاستاذه السابق سوبتشاك بأنه يعمل في جهاز الكي. جي . بي وظل الاستاذ صامتا لبضع ثوان كانت بمثابة دهر لمن كان امامه، ثم قال بصوت عال هو اقرب الى الصراخ بئس ذلك، وكرر عرضه لكن بوتين قبل ان يعلن قبوله النهائي اخبره بأنه يتعين عليه ان يطلب السماح له بالعمل معه من السلطات المسئولة، لكنه كان في غاية الغبطة لهذا المتنفس الذي استجد امامه. هناك اقاويل كثيرة تتناثر حول الاسباب التي دعت الرئيس الروسي الحالي لتقديم نفسه آنذاك لسوبتشاك هل كان جهاز الكي. جي .بي وراء ذلك أم لا؟ يقول المؤرخ الكسندر اولر ان بوتين كان احد اولئك الضباط الذين كانوا يؤيديون البروستريكا، وكانوا يشكلون الحرس القريب من ميخائيل جورباتشوف بينما يرى آخرون ان هدفه كان على العكس هو مراقبة رئيس المجلس البلدي لمدينة سان بطرسبورج آنذاك والذي كان من الد اعداء الشيوعيين. في الواقع كان اناتولي سوبتشاك نفسه قد اكد قبل وفاته في شهر فبراير 2000 عدة مرات ان بوتين اطلعه فعلا منذ البداية على انتمائه للكي. جي بي. وانه كان قد اعترف له بالاستياء الكبير حيال التجربة التي كان قد عاشها في درسدن بالمانيا الشرقية، واكد سوبتشاك ايضا ان مساعده تصرف دائما بشكل محترم ومستقيم معه. وبالاعتماد على هذا يبدو من غير المحتمل كثيرا ان يكون جهاز الكي جي بي هو الذي دفع بوتين للانضمام الى الحاشية القريبة من رئيس بلدية سان بطرسبرج السابق ويقصد التجسس عليه، ولاشك بأن فرع الكي. جي بي في ليننجراد آنذاك كان قد وضع منذ فترة طويلة بعض عملائه في المراكز الحساسة بالبلدية. استقالة بلارد مع ذلك وبقدر ما كانت تتدهور فيه الاوضاع في الاتحاد السوفييتي كان وضع فلاديمبر بوتين يصبح اكثر دقة وعلى قاعدة ادراكه للغموض الذي يلف موقعه وللمخاطر السياسية التي قد يجلبها لمعلمه اذا تم اكتشاف امر انتمائه الى جهاز الاستخبارات قام فلاديمير بوتين بارسال استقالته الى السلطة المركزية ومن اجل الوصول الى درجة اعلى من الامان اتصل باحد اصدقائه وهو المخرج ايجور شادكان وقال له: ايجور، اريد ان اتحدث صراحة عن عملي في الماضي كي لا يكون ذلك بمثابة سر، وكي لا يستطيع احد المساومة على ذلك. لقد سجل السينمائي اعترافه في شريط فيديو بثته القناة التلفزيونية المحلية في ليننجراد، بالمقابل ظلت رسالة الاستقالة من دون جواب وكان بوتين لايزال رسميا احد ضباط الكي. جي. بي لكنه ضابط «محروق» مرتين، مرة اولى في المانيا الديمقراطية ومرة ثانية في ليننجراد، باختصار كان قد اصبح عديم الفائدة بالنسبة لهيئات اجهزة الاستخبارات السوفييتية. اذا كان الغموض لا يزال يلف حقيقة الوضع في ألمانيا الديمقراطية عندما تركها بوتين، فان الوضع في الاتحاد السوفييتي لم يكن أقل غموضا، اذ ان انهيار الكتلة الاشتراكية كان قد ترك آثاره واصداءه داخل بعض الجمهوريات السوفييتية، وخاصة جمهوريات البلطيق الثلاث، استونيا ولانتفيا وليتوانيا، حيث برزت بعض التيارات المطالبة بالانفصال صراحة عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، لكن لم تكن ضفاف البلطيق هي وحدها النقاط الساخنة بل تنامت النزعات الاستقلالية في منطقة جورجيا وعلى ضفاف البحر الاسود. باختصار كانت المؤشرات كلها تدل على ان البناء الشيوعي كله على حافة الانهيار. كان من الملاحظ بوضوح ان جورباتشوف، وبدلا من ان «يمسك الثور بقرنيه» ويذهب بالاصلاحات الى نهاياتها، بدا مترددا وغير قادر على اتخاذ القرار بالمضي نحو الأمام. في ذلك الوقت كان بوريس يلتسين مسئولا عن الحزب في موسكو، وكان أول مسئول مهم تجرأ على معارضة القيادة مباشرة. لقد كلفه ذلك الموقف منصبه كعضو «احتياطي» في المكتب السياسي للحزب الشيوعي. حيث تم تعيينه في منصب ثانوي كنائب رئيس لجنة الدولة للبناء، وذلك تماشيا مع تقليد تمت وراثته من نمط السلوك في المرحلة الخروشوفية حيث كان يتم الحرص على أن يخسر «المعارضون» كل حقوقهم وامتيازاتهم. كان يمكن لمسيرة بوريس يلتسين السياسية أن تقف عند ذلك الحد. لكن فرصة الثأر جاءت عام 1989 أثناء الانتخابات لمؤتمر ممثلي الشعب، حيث فاز يلتسين بمقعد في موسكو بنسبة 89.6% من أصوات المقترعين في دائرته، فاستقال فورا من وظيفته كي يعود إلى الحياة السياسية الفاعلة. لقد جاءت شعبية يلتسين من صراحته ومحاولة محاربة الفساد شخصيا بالذهاب إلى المخازن للقيام بعمليات تفتيش عندما كان رئيسا للحزب في موسكو، وجاءت ايضا من حيث صورته القريبة من الروس العاديين بينما كان جورباتشوف وزوجته رايسا يبدوان اقرب الى السلوك الغربي. كان يلتسين ذا مزاج عاصف وقليل الانضباط منذ سنوات طفولته حيث حاول ذات مرة وهو في سن الثانية عشرة من عمره ان يفكك قنبلة صغيرة بواسطة مطرقة، مما ادى الى انفجارها وبتر اثنتين من اصابع يده اليسرى كما كسر انفه اثناء احد شجارات المراهقة. الازدواجية الخطرة في نهاية عقد الثمانينيات كانت روسيا تحب يلتسين وتمقت جورباتشوف، بينما كانت الحالة معكوسة في الغرب اذ في واشنطن وباريس ولندن كان الرئيس السوفييتي جورباتشوف يبعث نوعا من الطمأنينة، لانه كان يجسد امل تحسين النظام من دون اقتلاعه جذريا بينما كان منافسه من انصار التغيير الحقيقي، اي اجتثاث النظام القائم من جذوره. وفي 29 مايو من شهر مارس 1990 تم انتخاب يلتسين على رأس مجلس السوفييت الاعلى لروسيا وبعد اسبوع فقط اعلن النواب ـ ممثلو الشعب ـ الروسي باغلبية 544 صوتا مقابل 270 صوتا «السيادة الروسية» لتصبح بذلك مثل الجمهوريات الاخرى التي كانت قد أعلنت سيادتها الواحدة بعد الاخرى، هكذا عرفت موسكو سلطتين إحداهما سوفييتية يتزعمها جورباتشوف والثانية روسية بقيادة يلتسين لكن بتاريخ 12 يونيو من السنة نفسها واثر انتخابات ديمقراطية فاز بوريس يلتسين واصبح رئيسا لروسيا بنسبة57.3% من اصوات الناخبين. رئيسا لروسيا وليس لمجلس السوفييت فيها. وفي اليوم نفسه فاز في الانتخابات البلدية التي جرت في المدن الروسية سيرجي سوبتشاك معلم بوتين برئاسة بلدية مدينة سان بطرسبوج، والتي اصبح اسمها رسميا كذلك حسب رغبة 56% من المقترعين. ما جرى في الاتحاد السوفييتي آنذاك يشابه إلى حد كبير المشهد الاول من فيلم «ليلة في الدار البيضاء» لمخرجة «مارك بروزر» يبدو في ذلك المشهد متسول ابكم يتكيء على احد الجدران عندما مر احد رجال الشرطة وسأله: ماذا تفعل هنا؟ هل تسند الجدار كي لاينهار؟ فأجاب المتسول بالايجاب عبر هزة من رأسه فأمره الشرطي بالابتعاد وعندما ابتعد انهار الجدار هكذا كان جورباتشوف عام 1991 حيث كان يسند باصابعه بناء الاتحاد السوفييتي المهتز، وكان يمكن للامور ان تنتهي بحمام من الدم او في سلسلة من المهازل. حاول جورباتشوف وفريقه خلال الاشهر الاخيرة من حياة الاتحاد السوفييتي السيطرة على الوضع من جديد «بهدوء» وجرت اعمال قمع في جمهوريات البلطيق قامت بها عناصر من الجيش والكي جي وذهب ضحيتها عدد من القتلى، مما اثار موجة احتجاج في البلاد، بل ان وزير الخارجية السوفييتي آنذاك «ادوار شفرنادزه» تخلى عن منصبه وشجب امام مؤتمر ممثلي الشعب «الدكتاتورية». وتعددت حركات الاضراب والاحتجاج فما كان من جورباتشوف الا ان ابتعد عن الصقور في نظامه ممن يطالبون باستعادة السيطرة على الوضع بالقوة واقترب من «بوريس يلتسين» في محاولة لفتح الحوار حول اقامة علاقات جديدة بين الجمهوريات السوفييتية ضمن اطار دولة فدرالية متجددة وبحيث تمتلك كل جمهورية نوعا من السيادة. وفي 25 و26 يوليو 1991 تم تبني برنامج قدمه جورباتشوف وتبنته اللجنة المركزية بحيث كان ينص طرحه على التخلي عن الماركسية ـ اللينينية وتحويل الحزب الشيوعي الى حزب ذي توجه انساني لكن في 19 اغسطس من السنة نفسها استيقظت موسكو على بيانات عسكرية صادرة عن «لجنة دولة» للطواريء اعادت فرض الاحكام العرفية واخذت بيدها مقاليد الامور حتى «شفاء جورباتشوف» المريض ضمت تلك اللجنة نائب رئيس الاتحاد السوفييتي ورئيس الوزراء ورئيس الكي.جي.بي ووزيري الداخلية والدفاع ونائب رئيس مجلس الدفاع. سارت الامور منذ البداية باتجاه مناهض لـ «لجنة الطواريء» انطلقت المظاهرات ضدها في جميع المدن الرئيسية الكبرى ووقف بوريس يلتسين في وسط احد شوارع موسكو على ظهر دبابة كي يؤكد دوره كقائد للمقاومة ضد الانقلابيين وقد نقلت عدسات التلفزيون الى جميع انحاء العالم تلك «الوقفة» التاريخية. في الواقع سارت الامور على عكس ما كان يتوقعه الانقلابيون تماما اذ لم يستطع قادتهم تحقيق اذعان مرؤوسيهم لاوامرهم ذلك ان الاوضاع كانت قد تغيرت ولم يعد المنفذون مستعدين للطاعة كما كان الامر من قبل، لاسيما وانه كانت هناك «سلطة مقابلة» اي «شرعية مختلفة». لاشك ان اعضاء «لجنة الطواريء» كانوا يأملون في التفاف الجماهير حولهم بعد ان انهكتها اضطرابات الحياة السياسية وظروف المعيشة الصعبة اما السبب الحقيقي في فشلهم فانه يعود على الاغلب إلى ان مخططهم كان ينقصه التحضير الجيد، وينقصه قبل كل شيء عنصر مهم ربما كان وجوده معهم غيّر المعادلة كلها. هذا العنصر هو ميخائيل جورباتشوف نفسه. لا سيما وان الانقلابيين كانوا من المقربين منه، كما كانوا قد ترقّوا في السلم الوظيفي والحزبي تحت ظله. ولذلك كان ينبغي أن يتم التخطيط لاستعادة زمام السلطة باسمه وبمساعدته. وكان هؤلاء الرجال يضغطون على جورباتشوف قبل فترة طويلة وكان يبدو أحياناً أنه يسير في اتجاههم نفسه. وربما أنهم اعتقدوا بأنه يقف الى جانبهم لكنه لا يريد أن «تتسخ يداه». من هنا كانت مفاجأتهم كبيرة يوم 18 أغسطس 1991، أي عشية تحركهم، حيث رفض جورباتشوف الاشتراك معهم في عملهم الانقلابي، مما اضطرهم الى الزعم بأنه كان «مريضاًَ». حرر فشل الانقلابيين جورباتشوف من العوائق القديمة، التي كانت تعترض طريقه. لكنه، أي الفشل، عجّل أيضاً بنهاية الحزب الشيوعي السوفييتي وتحلل الاتحاد السوفييتي. لقد أقام جورباتشوف تحالفاً جديداً مع الديمقراطيين بقيادة يلتسين، بينما كان يزداد العداء الشعبي للشيوعيين. هكذا وجد الرئيس السوفييتي ـ حتى ذلك التاريخ ـ نفسه مضطراً لتوقيع مرسوم يمنع نشاط الحزب الشيوعي فوق الأراضي الروسية. وحلّ مجلس السوفييت الأعلى نفسه بتاريخ 29 من الشهر نفسه. الخروج من نفق الأوهام إن أحد الأوهام الكبرى التي انبثقت من أنقاض الاتحاد السوفييتي تمثل في اعتقاد النخبة أنه يمكن بفضل تبني قواعد جديدة النهوض باقتصاد البلاد، خلال عام أو عامين، بحيث يتحسن الوضع الى درجة يمكن مقارنتها بما تعرفه السويد أو سويسرا. ولم يكن مثل هذا الحلم يعكس رؤية صحيحة للواقع الحقيقي لما كانت عليه الحالة الاقتصادية المتردية في الفترة الأخيرة من حياة الاتحاد السوفييتي ومدى النقص في تحضيرالسكان لخوض مغامرة النهوض من الأنقاض. لكن هذا لا يمنع حقيقة ان ذلك الحلم كان المحرك الذي برر المواقف المتقدمة التي اتخذها مسئولو الجمهوريات السوفييتية التي كانت لا تزال تشكل الاتحاد السوفييتي. في 8 ديسمبر 1991 قرر رؤساء روسيا وبيلو روسيا وأوكرانيا ان الاتحاد السوفييتي قد انتهى، ولم يعد موجوداً في الواقع، كما قرروا ان يقيموا بين «دولهم» وبالاشتراك مع بعض الجمهوريات الاخرى «اتحاداً» تم الإعلان عنه رسمياً في «الما اتا» عاصمة قزخستان تحت اسم «مجموعة الدول المستقلة». في 25 ديسمبر 1991، وعلى وجه التحديد في بداية المساء، قدم ميخائيل جورباتشوف الذي كان قد أصبح رئيس دولة لم تعد موجودة، استقالته. وبعد نصف ساعة فقط تم انزال العلم الأحمر الذي كان رمز الاتحاد السوفييتي منذ قيام ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917، عن قبة مجلس البرلمان السابق وحيث كان فلاديمير ايليتش لينين قد اختار مقر حكومته عام 1918. لقد أنزل «العلم الأحمر» وارتفع مكانه العلم المثلث الألوان: الأبيض والأزرق والأحمر، رمز روسيا ما قبل الثورية. إن صفحة جديدة من تاريخ هذه البلاد كان قد بدأ فوق الأنقاض التي لم تسببها حرب خارجية مدمرة، وانما «يوتوبيا» أيديولوجية ابتعدت شيئاً فشيئاً عن الواقع كي يصبح بينها وبين الواقع مسافة هي «الواقع» نفسه. ولم تستطع مكانة القوة العظمى التي اكتسبها الاتحاد السوفييتي ان تحميه من غضب أولئك الذين لم يكن نصيبهم من المكاسب سوى العيش دون مستوى «عتبة الفقر» حسب المعايير الغربية المعتمدة. وإذا كان الصراع في الشهور الأخيرة من حياة الاتحاد السوفييتي مريراً بين الاصلاحيين ودعاة الديمقراطية وبين مجموعات «الحرس القديم» ممن تربوا في مدرسة «الجمود العقائدي» الستاليني وبعدها البريجنيفي، الذين حضّروا لـ «انقلاب» ذي طابع عسكري ينهي كل التطلعات الديمقراطية. لكنه فشل وانتصرت الديمقراطية.