وجها لوجه مع المتظاهرين الألمان ، تسارع الأحداث «يحرق» بوتين وزملاءه في برلين ويجعلهم بلا فائدة رأى العالم في عملية التعاقب السريع على رأس السلطة السوفييتية التي شملت حلول قسطنطين تشيرنينكو محل يوري اندروبوف الذي حل محل ليونيد بريجينيف نوعاً من السيرك المأساوي وللمفارقة بدا ان نظام بريجينيف ـ سوسلوف الذي كان قد أمن استقرار البلاد لسنوات طويلة قد خلف في الوقت نفسه وضعا فيه الكثير من الهشاشة بسبب شيخوخة رأس هرم السلطة، هكذا كان لابد من ان تتسارع دورة أن يحل «الرقم 2» في النظام مكان «الرقم 1» الراحل كي تؤدي إلى وصول جيل جديد للسلطة، وهذا ما حصل بالفعل، إذ في عهد اندروبوف ارتقى شاب طموح اسمه ميخائيل جورباتشوف كي يحتل «الرقم 3» في التسلسل الهرمي للنظام ، وليصبح صاحب «الرقم 2» عند وفاة أندروبوف واستلام «تشيرنينكو» للموقع الرئاسي. لقد رأى الكثير من السوفييت في تعيين شاب عمره أربعة وخمسين عاما في منصب الأمين العام للحزب مصدر راحة وطمأنينة لا سيما وأنه كانت تبدو على محياه باستمرار مسحة من البشاشة كما انه كان يوحي بصلابة بنيته الجسدية. بكل الأحوال تكاثرت الأسئلة في الرؤوس حول امكانيات التغيير، لكن القليلين فقط كانوا يعتقدون بإمكانية ذلك بسبب يأسهم من امكانية اصلاح النظام الذي كان قد بدا غير قابل للاصلاح، وكانت القرارات الأولى لميخائيل جورباتشوف عند وصوله إلى السلطة تندرج في خط قراري سابقيه نفسه. لكن في الوقت نفسه وعندما وصل جورباتشوف إلى السلطة قرر ان يركز هجماته على أصل الشرور، وليس على نتائجها، هكذا أطلق حملة ضد تعاطي الكحول بشكل مفرط ومنع شربها في الأماكن العامة، وحصر انواع المشروبات التي يتم تقديمها في حفلات الاستقبال الرسمية بالمياه المعدنية وعصير الفواكه. في الوقت الذي كانت حملة مكافحة تعاطي المسكرات قد بلغت ذروتها في الاتحادالسوفييتي كان فلاديمير بوتين يستهلك كميات كبيرة من الجعة الألمانية في مدينة درسدن، لكن تلك الحملة لم تدم طويلا، ولم تعط النتائج المرجوة منها. وداعاً للديناصورات بالمقابل حاول الفريق الجديد التخلص من بعض «ديناصورات» الحقبة البريجينيفية واصلاح البنى الادارية في ميادين الزراعة والصناعة، وتم أيضا إبعاد أندريه جروميكو وزير الخارجية السوفييتي لسنوات طويلة وأحد رموز سنوات برجينيف عبر جعله في المنصب الشرفي لرئيس الدولة كي يتولى مكانه في وزارة الخارجية ادوارد شفرنادزة رئيس جورجيا الحالي وأحد الأصدقاء التاريخيين لميخائيل جورباتشوف. أما في موسكو فقد تم استبدال فكتور جريشين رئيس البلدية العجوز وأحل محله شاب ديناميكي عمره خمسة وخمسون سنة، طويل القامة، أبيض الشعر، اسمه بوريس يلتسين. وكان سيد العاصمة الجديد هذا يريد ان يضبط دورة التوزيع التجاري في الأسواق ووضع حداً لعمليات توجيه قسم مهم من الانتاج نحو «السوق السوداء». في الواقع كان مدراء المتاجر التابعة للدولة يبيعون قسما صغيراً من السلع التي يتم تسيمها لهم ضمن اطار الدورة الطبيعية للمستهلكين، حيث كان البائعون والمحاسبون والمسئولون في أجهزة الرقابة يتقاسمون المكاسب، وكانت دورة الفساد تزداد اتساعاً كي تصبح الصلات مباشرة بين بعض المصانع وعصابات منظمة حقيقية تمارس تجارة السلع المفقودة، مثل قطع غيار السيارات وفي المحصلة فإن أغلبية الذين تتم تسميتهم الآن بـ «المافيات الروسية» إنما كانوا قد كدسوا ثرواتهم أثناء الفترة السوفييتية، وفي مواجهة ذلك الوضع زاد يلتسين من عمليات التفتيش المفاجئة، حيث كان يذهب شخصيا أحيانا إلى بعض المتاجر المشبوهة يرافقه فريق من مصوري التلفزيون، وهذا السلوك أعطاه شعبية كبيرة، حتى لو كانت نتائج عمليات التفتيش مخيبة للآمال. من الصعب فهم الأسباب الحقيقية لانهيار الاتحاد السوفييتي بدون أن يؤخذ بالاعتبار دافع ان السوفييت قد أدركوا ان مشروع جورباتشوف لاعادة بناء البرسترويكا سيجعل الجميع يدفع ثمن ذلك وليس فقط التاجر المرتشي والموظف الفاسد والجار المضارب.. إلخ. انطلق جورباتشوف وفريقه في مشروعهم الاصلاحي، بالاعتماد على ثلاث ركائز أساسية، تم التعبير عنها بـ «الشفافية» أي الجلاسنوست، ولعل هذه الترجمة ليست دقيقة تماما، ذلك ان تعبير جلاسنوست في اللغة الروسية يعني بدرجة أكبر «الدعاية» بمعنى الإعلان عما يجري في النقاشات العامة، مثلا، وذلك من أجل جعل كل فرد تحت رقابة الآخرين لمكافحة الفساد بشكل فعال، ولم يكن المقصود هو النضال ضد عملية التعتيم التي تلف أعمال الحكومة، والدليل على ذلك طريقة تصرف الحكومة حيال حادث الانفجار، الذي عرفه مفاعل تشيرنوبل النووي عام 1986. الركيزة الثانية للمشروع الجورباتشوفي تمثلت في «اعادة البناء» أي «البرسترويكا» التي كانت ترمي إلى إصلاح النظام بطريقة يستعيد عبرها أسسه السليمة مما يسمح بانطلاقة صحيحة من جديد. أما الركيزة الثالثة فهي «تسريع الحركة»، لكن هذه الركيزة وقعت طي النسيان سريعاً، ذلك لأن الاقتصاد السوفييتي كان بمثابة عربة تتراجع نحو الوراء بتسارع أكبر، وقبل تسريع الحركة نحو الأمام كان لابد أولا من كبح التراجع والتقهقر، كان من السهل قول كل شيء، ولكن من الصعب عمل أي شيء، وعندما تسلم ميخائيل جورباتشوف زمام السلطة كان المطلوب منه هو تحسين النظام بالتأكيد وليس تهديمه، وكان محاطا بمجموعة من الناس يشاطرونه آراءه ومشروعه الإصلاحي غالبا. لم يكن هناك طريق آخر أمام جورباتشوف إذ في الوقت الذي كان يبدو أن الاقتصاد السوفييتي في الرمق الأخير اطلقت الادارة الأمريكية في ظل رونالد ريجان مبادرة الدفاع الاستراتيجي المعروفة باسم «حرب النجوم» وكان التصدي لهذا التحدي يتطلب ضخ أموال كبيرة في القطاع العسكري الصناعي لم يكن من السهل على الاتحاد السوفييتي ضخها، لا سيما وان أسعار البترول كانت قد بدأت بالهبوط كثيرا، وهكذا كان من الحيوي جدا تقليص أعباء السباق إلى التسلح وخاصة تكاليف التقنيات المتقدمة التي كانت تثقل على البلاد ضمن هذا الاطار كان استئناف المفاوضات من أجل التوصل إلى نوع من التوازن الاستراتيجي المستمر ودفع الولايات المتحدة إلى التخلي عن مبادرة الدفاع الاستراتيجي يشكل أحد أولويات الادارة السوفييتية الجديدة، لذلك بدا خطاب الإصلاح والبروسترويكا والديمقراطية بمثابة ورقة لا يستهان بها في مواجهة الغربيين. أحرزت سياسة جورباتشوف وفريقه بعض النجاحات في البداية وفي الثامن من ديسمبر 1987 تم توقيع معاهدة واشنطن من قبل الرئيس الأمريكي رونالد ريجان ونظيره السوفييتي آنذاك ميخائيل جورباتشوف حول تدمير القوى النووية الوسيطة، أي الصواريخ متوسطة المدى وخاصة تلك المعروفة بـ «الصواريخ الأوروبية» كذلك حصل الاتحاد السوفييتي على مساعدات اقتصادية مختلفة من الدول الغربية الرئيسية الكبرى، بل وحتى من دولة مثل اسبانيا التي منحت موسكو قرضاً لتشجيع الاستهلاك قيمته مليار ونصف مليار دولار. الشروخ تظهر مع ذلك وانطلاقاً من عام 1988 وبسبب عدم الوصول إلى نتائج اقتصادية ملموسة للسياسة الاصلاحية ظهرت بعض الشروخ داخل القيادة السوفييتية، كان البعض يقولون بضرورة الذهاب مدى أبعد في سياسة الاصلاحات، بينما كان الآخرون يقولون بضرورة العودة إلى الطرق القديمة، بقصد تعزيز الانضباط مع المحافظة على الخطاب الخاص بالاصلاحات والديمقراطية، بحيث يمكن الاستفادة باستمرار من المساعدات الغربية، كان هؤلاء هم من في موقع القوة وليس أصحاب الطرح الأول، على عكس الاعتقاد السائد ان جورباتشوف الذي كان يعيش حالة تردد، لا يتمتع بقاعدة حقيقية، وأكثر ضعفا بسبب التطور الذي شهدته بلدان الكتلة الشيوعية الأخرى نحو الديمقراطية البرلمانية، احتمى وراء الاصلاحات الدستورية عديمة الفعالية وعلى أساس موازين القوى القائم، كان جورباتشوف يريد ان يصل عبر الاصلاح الدستوري إلى جعل توازن السلطة يميل إلى كفته، لكن النتيجة تجاوزت آماله من دون ان تتطابق مع ذلك مع ما كان يسعى إليه، والنتيجة الحقيقية كانت انهيار الاتحاد السوفييتي، بلد الاشتراكية الأول. وفي كتاب الحوارات الذي كان فلاديمير بوتين قد أعده مع ثلاثة صحافيين روس يعود إلى حوار جمعه مع وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر في سان بطرسبورج بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كان الرئيس الروسي المقبل يعمل آنذاك مساعداً لرئيس بلدية تلك المدينة، وكان هنري كيسنجر يشارك في لجنة مشتركة لتطوير المدينة، وقد أسر الوزير الأمريكي السابق فلاديمير بوتين قوله: «صدقاً انني لا أعرف لماذا فعل ميخائيل جورباتشوف ما فعل». لقد تحدث عن الانسحاب السوفييتي من أوروبا الشرقية، مما كان سابقا على انهيار الاتحاد السوفييتي، فهل كان جورباتشوف يعرف ماذا يصنع؟ بتعبير آخر، هل كان قبطان سفينة حراً في تحديد وجهتها أم مجرد بحار على قمة «موجة التاريخ» ولا يهمه سوى أن يحافظ على توازنه؟ ومن يستمع إلى حديث الرئيس السوفييتي السابق (الأخير) فإنه يعتقد بدون شك انه كان يعرف إلى أين يمضي، على الأقل بالخطوط العريضة، حيث يقول ان ما فعله كان يرمي إلى تحرير البلاد من نير «نظام القيادة الادارية» كي يدفعها نحو سبيل الاشتراكية ـ الديمقراطية، انه يعترف بالطبع بأخطائه، ويعتقد ان أكبر خطأ اقترفه ـ فشله الكبير ـ تمثل في عدم التوصل إلى المحافظة على «الاتحاد بين الجمهوريات الحرة» كما كان يقول النشيد الوطني السوفييتي. في الواقع جاء فهم جورباتشوف متأخرا، وبعد أن كان قد حصل ما حصل، مع ذلك لا يمكن الشك بإخلاص أول رئيس وآخر رئيس للاتحاد السوفييتي. لقد كان جورباتشوف اصلاحيا حقيقيا ولم يكن مشروعه مجرد وضع «رقعة» هنا وأخرى هناك على الرداء الشيوعي البالي. ولهذا المعنى كان يعرف انه يقود البلاد الى التغيير، وحتى لو كان يجهل طبيعة هذا التغيير. كان يعرف ايضا، كما كان يعرف من قبله لينين، ان المهمة لم تكن سهلة. وفي السياسة، وحتى لو كان هناك مرجعيات واضحة، فليس من السهل دائما المحافظة على الخط نفسه واغلب الحكومات تجد نفسها مرغمة على اتخاذ قرارات تخالف تماما المبادئ التي كانت قد اعلنتها. فكيف العمل في ظل غياب المرجعيات اصلا؟ وليس هناك من يستطيع ان يدل على الطريق الذي ينبغي اتباعه؟ كان الذهاب في الاصلاحات حتى النهاية يعني نسف اسس السلطة نفسها. وكان ألكسندر ياكوفلون وادوارد شفرنادزه يؤكدان ان الحل الوحيد يكمن في اصلاح الحزب نفسه من اجل الانتقال بعد ذلك الى اصلاح المجتمع. بالمقابل كان رئيس الوزراء نيكولاي ريجكوف يرى انه ينبغي التصرف بحذر من دون المساس، بالدور القائد للحزب. خلف هذه الثنائية كانت ترتسم ثنائية اخرى، اذ ان الخيار المطروح لم يكن حقيقة بين الجمود والحركة فالرهان، كان مصير الاتحاد السوفييتي نفسه اذ ان قبول العودة الى الجمود البريجنيفي كان سيفقد دورة كقوة عظمى، وينكفئ الى حدود قوة اقليمية تمتلك اسلحة نووية، ولكنها مهددة بفعل التطورات التقنية الهائلة التي يشهدها عالم سمته الاولى هي التبدل. رياح التغيير لقد وصل ميخائيل جورباتشوف الى السلطة بواسطة فن المصالحات الذي كانت يتقنه لكن لم يكن هناك في الاختيار بين الوقوف والحركة اي موقع وسطي «تصالحي» ذلك ان المشي ومهما كان بطيئا يعني التقدم، وفي الوقت الذي كانت عملية «اعادة البناء» تراوح مكانها على صعيد الداخل، شهد العالم حدثين تفصل بينهما الوف الكيلومترات لكنهما غيرا، خلال مرحلة قصيرة من الزمن الوجه الجيوستراتيجي للمعمورة. فمن جهة، وبعد ثماني سنوات من الحرب المريعة قرر الكرملين سحب قواته من افغانستان، اذ لم يكن من المنطقي ان يجمع السوفييت بين خطاب يتحدث عن الوفاق بينما يتابعون الحرب في الوقت نفسه كما كان الامريكيون قد أبدوا ترددهم في الذهاب شوطا ابعد بالمفاوضات حول نزع التسلح طالما ان المشكلة الافغانية مستمرة. بتعبير آخر كان مفتاح تقليص الاعباء العسكرية عن كاهل موسكو، وتخلي واشنطن عن مبادرة الدفاع الاستراتيجي وزيادة المساعدة الغربية رهنا بما يجري في كابول. ومن جهة اخرى كانت بلدات اوروبا الشرقية، وخاصة المجر وبولندا تشهد تطورا سريعاً نحو الديمقراطية التي كانت جذورها على الرغم مما يحمله هذا من مفارقة، في موسكو. وكان جورباتشوف قد جعل نفسه داعية «البيت الاوروبي المشترك». كان جوهر رسالة جورباتشوف هذه يتركز على القول ان اوروبا كلها موجودة في القارب نفسه وبالتالي لابد من التغلب على جميع اشكال الانقسامات من اجل العمل معا، على الصعيد السياسي كما على الصعيد الاقتصادي. كان خلفية التفكير السوفييتي، وكما في الماضي هي الحصول على «منافذ» تؤدي الى الاستفادة من الاقتصاد الغربي المزدهر لحل بعض المشكلات المزمنة التي كان الاقتصاد السوفييتي يعاني منها. مع ذلك اخذت الامور سريعا منحى آخر. اذ ان فكرة البيت المشترك فرضت حدا ادنى من النقاط المشتركة بين القاطنين فيه، وبالتالي حدا ادنى من التقارب. ارادت الخطة الاستراتيجية الجورباتشوفية ان تكون المجر وبولندا بمثابة «ممرات عبور» بين الاوروبيتين. وذكرت موسكو في الوقت نفسه من «الاشارات» الموجهة للرأي العام وللقادة الغربيين. كما ان قرار السوفييت الخروج من افغانستان بدا بمثابة تخل من موسكو عن «مبدأ بريجينيف » والذي كان ينص على وجود سيادة محدودة بالنسبة لبلدان الكتلة السوفييتية ومن هنا كانت عمليات التدخل في المجر عام 1956 وفي تشيكوسلوفاكيا عام 1968. وبشكل عام كان اي بلد من بلدان الكتلة السوفييتية يحافظ على سيادته طالما انه لم يظهر اية تطلعات باتجاه تغيير نظامه السياسي اذ ان اي تشكيك بالتوجه الاشتراكي كان يعني انه من واجب البلدان الشقيقة ان تعيده الى الطريق المستقيم» الذي تنص عليه الاممية البروليتارية. وكان من اهم النتائج التي ترتبت على التطورات التي شهدتها كل من بولندا والمجر ايجاد حالة من التوتر في بلدان الكتلة الشرقية الاخرى، وخاصة المانيا الديمقراطية (الشرقية) وبتاريخ 7 اكتوبر 1989، وعندما كان ميخائيل جورباتشوف في زيارة لالمانيا الشرقية بمناسبة الاحتفال بعيد ميلادها الاربعين، فاجأ الجميع بمدافعة قوية من اجل الاصلاحات وفي الفترة نفسها انفجرت المظاهرات في عموم انحاء المانيا الديمقراطية ضد النظام الشيوعي مما اجبر إريك هونيكر على الاستقالة في 18 اكتوبر من السنة نفسها وفي 9 نوفمبر قرر خليفته ايجون كرينز فتح جدار برلين على مصراعيه، اذ كان قد اصبح بدون فائدة واستمر النظام الشيوعي بعد ذلك عدة اسابيع فقط، لكنه كان واضحا للجميع بانه ليس هناك شيء او احد قادر على انقاذه. بكل الحالات تزامن وصول ميخائيل جورباتشوف الى برلين بتاريخ 7 اكتوبر 1989 مع عيد الميلاد السابع والثلاثين للعقيد فلاديمير بوتين. ولاشك في ان عواقب هذه الزيارة لم تكن افضل هدية بالنسبة للرئيس الروسي المقبل، ذلك لان التطور المتسارع الذي شهدته الاحداث في المانيا الديمقراطية بعدها نحو الديمقراطية جعله «عاطلاً عن العمل». عندما هاجم المتظاهرون الالمانيون الشرقيون مقر وزارة امن الدولة، احس عملاء الكي.جي.بي الذين كانوا يعملون هناك بان رياح التغيير قد بدأت بالهبوب ويقول بوتين: «لقد وضعنا حدا لكل صلاتنا وعلاقاتنا وشبكاتنا». ويضيف: وقمت انا شخصياً باحراق اعداد كبيرة من الوثائق وقد كانت النار قوية الى درجة ان المدفأة انفجرت لقد استمر الحريق ليل نهار. وكان قد تم نقل الوثائق المهمة الى موسكو، لكنها لم تكن آنذاك ذات اهمية عملياتية. لقد توقفت الصلات مع مصادرنا للمعلومات لاسباب امنية.. والوثائق التي لم يتم تدميرها، تم وضعها في الارشيف». كان بوتين يرى انه لم تكن هناك أية امكانية لتجنب ما كان قد جرى في برلين وهو يقول: «ان المانيا الديقراطية فتحت، بمعنى ما، عيوني، كنت اعتقد انني وصلت الى بلد من بلدان اوروبا الوسطى. كان ذلك في اواخر عقد الثمانينيات. وقد ادركت اثناء حديثي مع العاملين في الاجهزة الامنية الالمانية ـ ستازي ـ أنهم قد وجدوا انفسهم وبلادهم في وضع سياسي كان الاتحاد السوفييتي قد عرفه لفترة طويلة من قبل. كانت دولة شمولية ـ توتاليتارية ـ على شاكلة بلادنا قبل ثلاثين سنة. والاكثر مأساوية في الامر هو ان الكثيرين كانوا يؤمنون حقيقة بالشعارات الشيوعية، بالطبع شك البعض في ان النظام لن يصمد فترة طويلة. كانت ـ البيروسترويكا ـ في ذروة ازدهارها في بلادنا حيث كان يتم التعرض لمناقشة امور كثيرة صراحة. لكن كل شيء كان لايزال محرّما في المانيا الديمقراطية ـ الشرقية». بعد ان اجتاح المتظاهرن مقر جهاز الاستخبارات الالماني الشرقي ـ ستازي ـ توجهوا نحو مقر الكي. جي. بي وكانوا يعتقدون ـ بحق ـ ان جهاز الاستخبارات السوفييتي علاقات سرية مع الاجهزة السرية الالمانية، وبالتالي ربما ان بعض الضباط الالمان قد لجأوا الى مقراتها، التي كانت تتمتع بنوع من الحصانة وكان للذين فيها الحق في الدفاع عنها وكانوا يتهيأون للقيام بذلك. بعد عدة ساعات من المجابهة وجها لوجه خرج فلادييمير بوتين كي يشرح للمتظاهرين انه لايوجد في المقر سوى سوفييت، على الرغم من وجود عدد من السيارات التي تحمل لوائح المانية. وعندما سألوه عن سر تحدثه اللغة الالمانية بطلاقة كذب في اجابته مؤكدا انه ليس سوى مجرد مترجم يقول: «كنت أفهم اولئك الناس» ويضيف: «كانوا يعانون من الارهاق من رقابة أمن الدولة ذات الطابع الشمولي ـ التوتاليتاري. كان المجتمع مرعوباً وكان يرى جهاز الاستخبارات ـ ستازي ـ كوحش». استمرت الجموع الحاشدة في ضغطها حتى وصول التعزيزات السوفيتية. لكن طيلة ذلك الوقت انقطعت الاخبار تماما من المركز في موسكو، مما ترك لدى بوتين ورفاقه الكثير من المرارة، ويقول بوتين: تلك الجملة» ان موسكو لاتجيب وتكرس لدي الاحساس بان البلاد لم تعد موجودة كان واضحا بالنسبة لي بان الاتحاد السوفييتي مريض. وبانه كان يعاني من مرض قاتل لم يكن ينفع معه اي دواء. كان مصابا بالشلل. شلل السلطة». وكما هي الحال دائما بالنسبة للشئون الروسية، برز ماهو غير عقلاني من حيث كان لا ينتظره احد ان الصحافة الموسكوفية ـ وعلى غرارها الدولية ـ تساءلت عن الاسباب التي دعت لقطع بوتين لمهمته في المانيا الشرقية،. وتم تقديم تفسيرات كثيرة كان من بينها ان بوتين قد اقام ـ ربما ـ علاقات «غير مبرمجة» مع اجهزة استخبارات المانيا الغربية. ولهذا تم استدعاؤه الى موسكو. لكن حسب رأي فلاديمير كريوتشكوف، المدير السابق للكي. جي. بي فإن بوتين كان مجرد اداري. وقالت تفسيرات اخرى انه اراد توظيف «عملاء كانوا يعملون لحساب الاستخبارات الالمانية، مما اثار حفيظتها. لكن التفسير الاكثر معقولية هو ان جميع عملاء الكي. جي. بي في المانيا قد «احترقوا» بعد سقوط جدار برلين وتوحيد شطري الامة الالمانية مما كان يستوجب اعادتهم الى البلاد، لانه لم تعد لهم اية فائدة وحتى الكتلة الاشتراكية نفسها كانت قد اصبحت بمثابة ذكرى. ان العملاء السوفييت الذين اعيدوا الى موسكو ولم تكن هويتهم معروفة في الخارج حيث كانوا يعملون تحت غطاء ما، ثم استخدامهم في مناطق اخرى من العالم. اما الآخرون المعروفون، فانه لم يكن امامهم سوى العمل في الاستخبارات «الداخلية» او العمل في الادارات».