بعد ما يزيد على عشر سنوات من الحصار الدولي، يستقبل الرئيس العراقي صدام حسين أمس السبت عامه الخامس والستين دون أن تلوح في الافق أية إشارة على تراجع شعبيته أو تراخي قبضته الحديدية على الاوضاع الداخلية، في العراق كما راهنت الادارات الامريكية المتعاقبة على ذلك منذ أكثر من عقد كامل. وبدا الرئيس العراقي هذا الاسبوع واثقا أكثر من أي وقت مضى منذ فرض العقوبات على بلاده في عام 1990 من مقدرته على اجتياز محنة عزلة العراق، عندما حاول نقل الكرة إلى ملعب خصومه الاقليميين والدوليين. ويبدو أنه اختار توقيت هذا النقد الحاد لخصومه بعناية فائقة. وجاءت مناسبة تقليده سيف الجهاد لتحرير فلسطين وتاجها القدس من قبل المجلس الوطني العراقي فرصة لاستغلال ما يبدو كأنه عجز عربي في تقديم دعم فعال للفلسطينيين الذين يذهبون ضحايا العنف الدائر مع القوات الاسرائيلية بشكل شبه يومي. كما استثمر صدام الفرصة المواتية في ظل ما بدا أنه تآكل في مصداقية الولايات المتحدة، صديقة الانظمة العربية الفاعلة في المنطقة، والتي يرى العرب أنها أخذت تظهر مجددا انحيازا يكاد يكون كاملا لسياسات الحكومة الاسرائيلية التي يقودها اليميني المتشدد أرييل شارون. وبالرغم من أن كثيرين من المراقبين لا يعلقون أهمية كبيرة على تبني العراق لقضية تحرير كامل فلسطين من النهر إلى البحر في أعقاب انطلاق الانتفاضة في أواخر سبتمبر الماضي نظرا لاسباب سياسية وجغرافية. فتلك الاسباب نفسها تحول دون وصول القوات العراقية إلى خطوط التماس مع إسرائيل، إلا أن المراقبين يعتقدون أن الخطاب السياسي والاعلامي العراقي قد نجح إلى حد ما في العزف على أوتار مشاعر الجماهير العربية عامة والفلسطينية خاصة. ولقد سعى النظام العراقي بشكل مبكر الى الربط بين الوضع في الأراضي الفلسطينية والحصار المفروض على العراق، مطالبا مؤتمر القمة العربية الذي عقد في عمان في أواخر شهر مارس الماضي أن يتم رفع العقوبات عن العراق لتمكينه من إطلاق طاقاته في مواجهة الخطر الاسرائيلي. ومن جهة أخرى فإن تفكك الاجماع الدولي على الاستمرار في فرض العقوبات على العراق، خاصة في صفوف الدول دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي، قد بعث برسالة واضحة إلى بغداد مفادها أن باستطاعتها التشبث بموقفها الرافض لعودة مفتشي الامم المتحدة بموجب القرار 1284 الذي تبناه المجلس بامتناع ثلاث دول دائمة العضوية هي فرنسا وروسيا والصين عن التصويت، وذلك لاول مرة منذ غزو العراق للكويت. كما أن بغداد قد التقطت رسالة القيادة الروسية الرامية إلى تعزيز مكانة موسكو في الشرق الاوسط بتأكيد الرئيس العراقي مؤخرا على أن بلاده تريد إقامة علاقات استراتيجية مع روسيا الفيدرالية على النحو الذي كان قائما بين البلدين في الحقبة السوفييتية. ومن هذا المنطلق جاءت زيارة نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان إلى موسكو مؤخراً. ويرى المحللون أن غياب خصم صدام حسين الايديولوجي، الرئيس السوري حافظ الاسد، ونجاح الرئيس العراقي إلى حد كبير في تطبيع العلاقات العراقية مع دمشق في عهد نجله بشار الاسد قد يوفر فرصة سانحة لاعادة توحيد جناحي حزب البعث الحاكم في البلدين بعد جفاء دام ثلاثة عقود مما يعزز نظام الحكم في بغداد. ولا بد أن بغداد تعلق أهمية بالغة على دور دمشق في احتواء أي تطور خطر في العلاقات العراقية الايرانية في أعقاب الهجوم الايراني الصاروخي على قواعد منظمة مجاهدي خلق التي تتخذ من الاراضي العراقية مقرا لها في الاسبوع الماضي، والذي ينظر إليه المراقبون على أنه حادث محدود يأتي في نطاق احتضان البلدين لمجموعات معارضة تسعى إلى الاطاحة بالانظمة القائمة في البلد الاخر، حيث تتواجد في إيران معظم القوى العراقية الشيعية المعارضة. ولم تظهر تلك المعارضة حتى الان عدم قدرتها على أن تحرك ساكنا في اتجاه قلب نظام الحكم العراقي، الذي لا يزال نظاما شموليا يفتقر إلى التعددية السياسية. ويذهب محللون بالشئون الاستراتيجية في العالم العربي إلى توقع قيام تحالف ذات يوم بين العراق وسوريا وإيران إذا ما أخفقت عملية السلام في الشرق الاوسط. على أن هناك ثمة من يقول حتى في دول الجوار أن الولايات المتحدة غير جادة في سعيها للاطاحة بالرئيس العراقي لانها تعتبره عنصرا أساسيا لتطبيق نظرية الاحتواء المزدوج التي تسعى واشنطن من خلالها إلى السيطرة على إيران والعراق في ذات الوقت، لانها تعتقد أن العراق هو القوة العربية الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه الجمهورية الاسلامية بالرغم من التضعضع الكبير الذي أصاب القوة العسكرية العراقية خلال العقد الماضي. ولا يبدو حتى الان ما يثبت تقارير غربية تحدثت عن إصابة الرئيس العراقي بمرض خطير، إلا أن مراقبين لا يستثنون قيام صدام حسين بإعداد نجله الاكبر عدي ليخلفه في نطاق ظاهرة الجمهوريات العربية الوراثية التي أوصلت بشار الاسد إلى سدة الرئاسة السورية خلفا لوالده الراحل في شهر الماضي. إلا أن مراقبين آخرين يعتقدون أن قصي النجل الاصغر لصدام ورئيس الحرس الجمهوري هو المفضل لدى والده الذي يعده بالفعل لخلافته. د.ب.ا