ضباط الكي جي بي يدركون حتمية الاصلاح اخيراً ، الجواسيس الروس يسرقون اسرار مشروع غربي وموسكو تفشل في استثمارها وصل فلاديمير بوتين الى المانيا في الوقت الذي كانت العلاقات بين الشرق والغرب تشهد بعض الانفراج، بعد فترة من الازمات والتوترات وصلت الى اوجها عام 1983. ففي تلك السنة وللمرة الاولى منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، وهي الازمة التي اضطر فيها السوفييت الى سحب الصواريخ التي كانوا قد نصبوها في كوبا، بعد ان اكتشفها الامريكيون الذين لم يترددوا آنذاك في تفتيش جميع السفن الخارجة من كوبا او المقبلة اليها بما في ذلك السفن السوفييتية نفسها للمرة الاولى منذ تلك الازمة وجد الشرق والغرب نفسيهما على عتبة حرب كبيرة، بعد الآمال التي كانت قد انتعشت على مدى عقدين من الزمن في ظل «الوفاق الدولي». كانت سنوات الستينيات والسبعينيات قد شهدت تقارباً بطيئاً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، مما اوجد تياراً يقول بإمكانية الجمع بين الميزات الاقتصادية لاقتصاد السوق وبين العدالة الاجتماعية التي تقول بها الاشتراكية الحقيقية وجذب مثل هذا الطرح شخصيات سياسية غربية عديدة تتمتع بالحساسية الاشتراكية ـ الديمقراطية والوسطية لكن القادة السوفييت كانوا دائماً على اقتناع بأن خطهم هو الذي يلتقي مع اتجاه التاريخ وحتى لو أنهم كانوا قد بدأوا يفكرون بأن المجابهة بين المنظومتين ليست امراً لا يمكن تجنبه وانها، اي المجابهة، ضرورية كي تسود الشيوعية في العالم كله. لقد اثبتت ازمة الصواريخ الكوبية انه كان هناك نوع من التكافؤ الاستراتيجي بين القوتين العظميين وانه على السوفييت والامريكيين تجنب الاقتراب من الهاوية، هكذا بدأ نيكيتا خروشوف وجون كيندي حواراً تجسدت نتائجه بسرعة في مد «الخط الاحمر» المباشر الشهير بين موسكو وواشنطن وفي التوقيع على اول معاهدة للحد من التجارب النووية عام 1963. وعلى الرغم من اغتيال جون كنيدي في شهر نوفمبر من عام 1963 وعزل خروشوف في اكتوبر 1964 فإن خليفتيهما لندون جونسون وليونيد بريجينيف تابعا التوجه نفسه ووقعا معاهدة عدم عسكرة الفضاء وعدم تملكه في عام 1967 ومعاهدة الحد من انتشار وتكاثر الاسلحة النووية في العام التالي. مشهد معقد بدا آنذاك ان الحرب الباردة قد ولت الى غير رجعة وان الوفاق الدولي قد اصبح سيد الساحة نهائياً هكذا تم توقيع معاهدتي «سولت -1» و«سولت -2» للحد من الاسلحة النووية جرت ايضاً خلال فترة 1973-1975 مفاوضات في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، ضمت جميع الدول الاوروبية باستثناء البانيا كما ضمت الولايات المتحدة وكندا كانت المفاوضات مكرسة لمسألة الأمن في «القارة القديمة» اوروبا وحيث تم التوصل بتاريخ 31 يوليو 1975 الى توقيع الوثيقة النهائية التي وضعت اسس التعايش والسلوك على جانبي «الستار الحديدي». لكن اذا كان قد بدا ان الواقعية قد انتصرت على صعيد الوفاق فإن القادة السوفييت لم يكونوا قد تخلوا عن فكرة تصدير الثورة بطرق اخرى وبالنسبة للحزب الذي كانت الايديولوجيا تشكل سلاحه الرئيس فإن تقدم الاحزاب الشيوعية على الصعيد العالمي كان يتم استخدامه من اجل البرهنة على ان المشروع الاساسي كان لا يزال حياً وان نبوءات الآباء المؤسسين حول قوانين التاريخ سوف تتحقق وفي الوقت نفسه ادرك الامريكيون سريعاً ان «توازن الرعب» يمنعهم من التلويح بالتهديد بالتدخل حيث كان خصومهم يحققون تقدماً على المستويات الاقليمية هكذا شهد القادة الامريكيون الذين خلفوا نيكسون بعد استقالته مرغماً اثر فضيحة ووتر جيت الشهيرة اي جيرالد فورد وجيمي كارتر وغيرهم من القادة الامريكيين الذين عملوا معهما الهيمنة السوفييتية في منطقة الهند ـ الصينية عبر الفيتنام؟ من دون ان يحركوا ساكناً. وفي 23 فبراير 1981 وأمام المؤتمر السادس والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي وقف ليونيد بريجينيف الذي كان قد غدا عجوزاً طاعناً في السن ومريضاً وصرح بلهجة ظافرة: «ان الطبقة العامة العالمية وطليعتها السياسية، الاحزاب الشيوعية والعمالية، قد دخلت عقد الثمانينيات بخطى ثابتة». وفي الواقع كانت خطى الاتحاد السوفييتي مثل خطى زعيمه آنذاك الذي كانت قد اظهرته عدسات التلفزة العالمية، وهو يرتجف قابلة للوصف بأي نعت، سوى انها خطى واثقة. واذا كان المعسكر السوفييتي يبدو شديد الحيوية والنشاط، فإن ذلك كان يعود خاصة الى حالة الخمول الواضحة التي كانت تشهدها الولايات المتحدة وذلك بعد جراح الحرب الفيتنامية وفضيحة ووتر جيت مما جعلها مصابة بنوع من «الشلل» حيال القيام بأي عمل خارجي اضف الى هذا واقع ان «سيروس فانس» وزير الخارجية الامريكي في ادارة جيمي كارتر، كان يعتقد أنه ينبغي تجنب معارضة الكرملين في العالم الثالث من اجل المحافظة على الوفاق ومتابعة المفاوضات الخاصة بالحد من التسلح. ثم جاءت سلسلة انهيار عدد من الانظمة الموالية للولايات المتحدة في العديد من ارجاء العالم مثل انهيار الامبراطور «هيلا سيلاسي» في الحبشة والشاه محمد رضا بهلوي «شاه ايران» وانتصار الساندينيين في نيكاراجوا. بالمقابل كان توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين الرئيس المصري الراحل انور السادات ورئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك «مناحيم بيجن» حول السلام بمثابة الانتصار الرئيس الدبلوماسي بالنسبة للرئيس جيمي كارتر، لكن هذا لم يمنع ان فترة رئاسته انتهت بالفشل الذريع والمذل للعملية العسكرية التي كانت ترمي الى تحرير الرهائن الامريكيين المحتجزين في طهران. بالمقابل كان السوفييت يصادفون ايضاً مشكلات في «افغانستان» التي كان قد وصل الى السلطة فيها نظام موال للسوفييت عام 1978 وفي سبتمبر 1979 قام رئيس الوزراء حفيظ الله نجيب بانقلاب على رجل السوفييت محمد تراكي ولم تعجب سياسة سيد افغانستان الجديد موسكو، لانه ابدى توجهاً قومياً متطرفاً الى حد ما مع انه حافظ على شيوعيته، وفي ديسمبر من السنة نفسها اغتيل حفيظ الله نجيب من قبل مجموعة كوماندوس تابعة للكي جي بي ليصل كرمال الى السلطة. من جهة اخرى وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات سولتا فإن برودة «الاجواء» بين الشرق والغرب مست ايضاً القارة الاوروبية مع الازمة المسماة «ازمة الصواريخ الاوروبية» فمنذ عام 1977 اقام الاتحاد السوفييتي على القسم الاوروبي من اراضيه كما في اقصى الشرق منها صواريخ من طراز جديد هي «اس-اس-20» التي يتجاوز مداها 5000 كيلومتر ويحمل كل منها ثلاثة رؤوس نووية بحيث انها كان يمكن ان تطال اوروبا الغربية واليابان ولكن ليس الولايات المتحدة. انطرحت عندها اسئلة عديدة تتعلق بالموقف الامريكي وعما اذا كانت واشنطن مستعدة للرد على موسكو في حالة استخدامها هذه الصواريخ؟ اي هل كانت القيادة الامريكية مستعدة للمغامرة بتدمير نيويورك او واشنطن من اجل حماية باريس او لندن؟... الخ. جاء الرد الامريكي في 1979 حيث قرر الحلف الاطلسي نشر صواريخ «برشنج-2» الامريكية على امتداد الاراضي الاوروبية والتي كانت تعادل في كفاءاتها صواريخ الـ «اس.اس20.» السوفييتية، بالاضافة الى صواريخ «توما هوك» جرى نشرها في بريطانيا وايطاليا والمانيا الغربية اعتباراً من عام 1983 فقط. كانت عملية تحييد اوروبا تعني بالنسبة للكرملين انتصاراً كبيراً من حيث ان هذا يوجه ضربة قاضية بالنسبة للحلف الاطلسي، ويؤدي في النهاية الى عزل الولايات المتحدة والوجه الآخر لمثل هذا الضعف في الموقف الامريكي كان ربما سيؤدي الى اندفاع بلدان العالم الثالث للارتماء في احضان الاتحاد السوفييتي ويشير ميخائيل جورباتشوف بهذا الصدد الى ان الكرملين كان يرى في الرأي العام حليفاً قوياً. لا سيما وان الخوف من حرب نووية ادى الى تنامي الحركات السلمية في الغرب، وخاصة في المانيا الفيدرالية «الغربية» كان شعار هذه الحركات يتلخص بفكرة واحدة «اللون الاحمر، الشيوعي، وليس الموت» لذلك كان في مقدمة مهمات جهاز الاستخبارات السوفييتية «كي.جي.بي» العمل على استغلال الرأي العام والطبقة السياسية في البلدان الغربية هكذا نشطت عملية التضليل الاعلامي. حجر على امبراطورية الشر تدهورت الاجواء بسرعة بين الشرق والغرب مع اقتراب موعد نصب صواريخ بيرشنج وتوما هوك الامريكية في اوروبا تحت غطاء الحلف الاطلسي وفي عام 1981 ايضاً شهدت بولندا عمليات قمع كبيرة استهدفت نقابة «تضامن» المستقلة بزعامة لينخ فاليسا وكان يقود بولندا آنذاك الجنرال يارولفسكي، الذي كان يلقى دعم موسكو. لكن الزمن كان قد تغير قليلاً حيث كان الغرب قد نوى ان لا يترك السوفييت يفعلون كما يريدون كما كان الرئيس الامريكي رونالد ريجان الذي خلف جيمي كارتر قد قرر ان تعود الولايات المتحدة الى المسرح الدولي بقوة، بعد سنوات من الكسوف عاشتها واتفق من اجل ذلك مع رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك مرجريت تاتشر، او «السيدة الحديدية» كما عرف عنها على اتباع منهج متشدد كما وجد الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران نفسه مطالباً بتبرير وجود وزراء شيوعيين في الحكومة التي اعقبت فوزه في الانتخابات الرئاسية لعام 1981 والتأكيد بأن هؤلاء الوزراء ليست لهم اي كلمة بشأن السياسة الخارجية للبلاد. وفي مارس 1983 القى الرئيس الامريكي رونالد ريجان حجراً باتجاه السوفييت وشجب الاتحاد السوفييتي واصفاً اياه بأنه «امبراطورية الشر» ثم اعلن مشروعاً يرمي الى اقامة درع جدي مضاد للصواريخ، ضمن اطار ما اسماه بـ «مبادرة الدفاع الاستراتيجي» المعروفة باسم «حرب النجوم». ردت موسكو بزيادة حدة لهجتها واعلن يوري اندروبوف الذي كان قد خلف بريجينيف في نوفمبر 1982 ان الرد سيكون قوياً على عدوانية القوى الرجعية المتطرفة وعلى رأسها «الامبريالية الامريكية» ثم اعلن امام مجلس السوفييت الاعلى ان الاتحاد السوفييتي لن يسمح برمي مبادئ القانون الدولي تحت الاقدام. وبعد شهرين ونصف الشهر فقط من هذا التصريح وتحديداً في ليلة 31 اغسطس 1983 دخلت طائرة «بوينج 747» كورية جنوبية المجال الجوي السوفييتي نتيجة خطأ في الطيران فأسقطها صاروخ سوفييتي بالقرب من جزيرة سخالين وعلى متنها 269 راكباً وفي نوفمبر عام 1983 تم الشروع بنصب صواريخ بيرشينج -2 وتوما هوك في اوروبا وباختصار كان عام 1982 هو عام كل الاخطار. بعد وفاة اندروبوف ووصول تشرنينكو الى السلطة وقام وفد سوفييتي عام 1984 بزيارة الى لندن وقام حينها الشخص الثاني في النظام السوفييتي آنذاك بأول اتصال حقيقي له مع الغرب ومع احد قادته اي مرجريت تاتشر التي قالت تعليقاً على ذلك اللقاء: «هذا رجل يمكن التعامل معه» لم يكن ذلك الشخص الثاني سوى ميخائيل جورباتشوف. في ذلك السياق كانت اسرة بوتين تمضي اوقاتاً ممتعة في درسدن بالمانيا الشرقية، حيث كانت تتمتع بسيارة صغيرة بحكم موقع فلاديمير بوتين الوظيفي وكانت من نوع «جيجولي» المعروفة عالمياً باسم «لادا» والتي كانت تعد بمثابة وسيلة رفاهية مهمة اضف الى هذا واقع ان ظروف الحياة كانت افضل بكثير مما كانت عليه في مدينة لينينجراد. ويقول بوتين: «لقد جئنا من روسيا حيث كانت تسود ظاهرة الوقوف في طوابير طويلة للحصول على المواد الغذائية، التي كانت قد بدأت تصبح نادرة اكثر فأكثر لقد زاد وزني 12 كيلو جراماً ـ في درسدن ـ حيث بلغ 85 كيلو. وسئل هل كانت الجعة هي السبب؟ فأجاب: «نعم، بالتأكيد، كنا نحصل على 3.8 لترات من الجعة كل اسبوع ـ في المانيا ـ وكان مكان العمل قريباً بحيث انه كان من الصعب التخلص من السعرات الزائدة». وتقول زوجته: «كانت الحياة في المانيا الديمقراطية مختلفة تماماً عما كانت عليه في روسيا» واضافت: «الشوارع نظيفة وزجاج النوافذ نظيف كان يتم تنظيفه مرة كل اسبوع والسلع متوفرة وبما ليس بالقدر الذي كانت تعرفه المانيا الغربية ولكن اكثر بكثير مما كانت في روسيا» كانت المشكلة هي انه وكما كان الحال بالنسبة للواقعية الاشتراكية في الفن لم يكن هناك اي مطابقة بين الخطاب السوفييتي الرسمي وبين الواقع فالاحصائيات السوفييتية لم تكن تصف الواقع كما هو وانما «كما ينبغي ان يكون» وكانت النتيجة «رائعة» ولكنها «مجرد خيال» وبالطبع كان حجم الاختصاصيين بشئون الاتحاد السوفييتي يعرفون في سنوات الثمانينيات ان الاحصائيات الستالينية كلها كانت مزورة. بداية الانهيار قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بفترة وجيزة قدم المسئولون السوفييت انفسهم ممن كانوا يعملون الى جانب ميخائيل جورباتشوف صورة قاتمة جداً لاقتصاد بلادهم واعترفوا بأن حالة البلاد قد تراجعت خلال سنوات «الجمود البريجينيفي» وبأن معدل النمو الاقتصادي كان سلبياً في مطلع عقد الثمانينيات اي ان الازمة التي نفى الكثير وجودها وحتى بين المحللين الاقتصاديين الغربيين كانت حقيقية وكانت السلع كلها نادرة وفي مقدمتها اللحوم، حيث سادت آنذاك في موسكو «دعاية» على صيغة سؤال تقول: «ما هو الطابور الطويل الذي يصل الى خمسين متراً ويتغذى بالملقوف؟ وكانت الاجابة انه طابور امام متجر لبيع اللحم في موسكو». لم يكن سهلاً على العقل «الديكارتي» الغربي ان يقبل مقولة التفسخ الاقتصادي السوفييتي، لا سيما وان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية كان لا يزال يمثل «القوة العظمى الاقتصادية الثانية» وكان لا يزال ايضاً القوة القادرة على منافسة الولايات المتحدة الامريكية عسكرياً على الاقل لكن الواقع كان شيئاً آخر اذ ان التجارة الخارجية السوفييتية كانت أقل مما يحققه بلد اوروبي متواضع مثل بلجيكا وصناعة سيارات اقل اهمية مما في البرازيل وعدد هواتف ادنى من عددها في اسبانيا اضف الى هذا وجود بنية معرفية بحالة جنينية وسكان كانوا يجهلون ماذا يعني «شيك بنكي» الى آخره اي باختصار لم يكن يحق للاتحاد السوفييتي ان يزعم بأي حال من الاحوال بأنه يحتل المرتبة الاقتصادية العالمية الثانية او بالاحرى انه لم يكن يستحقها الا في ميدان واحد هو التسليح. اما في مجال البحث العلمي فقد كان متواضعاً جداً الا في القطاع الصناعي ـ العسكري حيث كان يعمل اصحاب اكبر الكفاءات وقد اعترف الرئيس السوفييتي الاخير ميخائيل جورباتشوف نفسه بأن 90% من الابحاث كانت مكرسة للقطاع العسكري ـ الصناعي كي يتحدث بعد ذلك بكثير من المرارة حول مقدمات تفسخ الاقتصاد السوفييتي اذ قال: «ان اولئك الذين غزوا الفضاء كانوا يفتقرون بكل بساطة الى المسامير» وفي الواقع وباستثناء جهود التسلح التي كانت تلتهم موارد البلاد فإن اغلبية المصانع كانت تعود الى عقد الثلاثينيات ولم تعرف الا عمليات تحديث هامشية جداً. ويروي فلاديمير بوتين ان بعض زملائه من قسم التجسس التقني توصلوا الى التزود بمعلومات كاملة حول مشروع علمي كان قد كلف مليارات الدولارات لقد حصلوا من المركز على التهاني والمكافآت لكن الوثائق لم تخرج ابداً من الصناديق التي كان قد تم وضعها فيها اذ كان من المستحيل الاستفادة منها لان المستوى التقني للصناعة السوفييتية لم يكن يسمح بذلك، لكن هذا لم يمنع واقع ان المواطنين السوفييت قد ظلوا حتى مطلع عقد الثمانينيات يعتقدون انهم يعيشون في احد اكثر بلدان العالم تقدماً، بعيداً عن شرور الرأسمالية من بطالة واستغلال وفقر لقد كان سلاح الدعاية فعالاً. لكن تدهور الظروف المادية طيلة عقد الثمانينيات ادى الى فقدان ثقة السكان وكان محسوساً بدرجة اكبر بالنسبة لتلك الشريحة من السوفييت الذين كانوا يعيشون في الخارج وذلك لانهم عايشوا واقعاً آخر وفهموا انه من الصعب مواصلة الاعتقاد بأن مستقبلاً مشعاً ينتظر بلادهم فهم لم يدركوا فقط انه قد تم تجاوزهم، بل واحسوا ايضاً بنوع من الاذلال لقد كان فلاديمير بوتين احد هؤلاء الذين عرفوا حقيقة ما يجري في العالم الرأسمالي على الأقل من موقع المراقبة في المانيا الديمقراطية، هكذا نجد ايضاً ان اكبر انصار سياسة الاصلاحات التي قال بها ميخائيل جورباتشوف كانوا من اولئك الذين عملوا بهيئات كانت لها علاقة مع الخارج من دبلوماسيين وعاملين في حقل التجارة الخارجية ورجال اجهزة الاستخبارات.. الخ وليس من قبيل الصدفة ان يكون احد الملهمين الاساسيين ان لم يكن الملهم الاساسي «للبرسترويكا» هو «الكسندر ياكوفلين» الذي كان سفيراً للاتحاد السوفييتي في كندا خلال سنوات 1973-1983. ويقول «بافيل بالاتشينكو» الذي اصبح المترجم الرسمي لميخائيل جورباتشوف اثناء لقاءاته مع القادة المتحدثين باللغة الانجليزية: «كنا جميعا قلقين بالنسبة لمستقبل البلاد وبعد ان عدت الى الاتحاد السوفييتي اثر اقامة طويلة كنت قد امضيتها في الخارج لم تصعقني كثيراً حالة الدونية الواضحة في مستوى المعيشة بالقياس الى الولايات المتحدة الامريكية وانما بواقع انه لم يكن هناك اي مصدر منظور للنمو او للطاقة الاجتماعية كان الناس يبحثون عن الطرق التي تدر عليهم اكبر قدر ممكن من المال مع بذل اقل جهد ممكن لم يكن هناك اي شيء يعمل بصورة صحيحة ولم يكن هناك احد يهتم بأي شيء». ومن بين اولئك الذين كانوا يعتقدون ان الاصلاحات قد اصبحت لا غنى عنها عدد من ضباط الادارة الرئيسية الاولى في جهاز الاستخبارات السوفييتية «كي.جي.بي» والذين كانوا يشكلون نسبة لا بأس بها من موظفي السفارات، والقنصليات ومختلف الممثليات السوفييتية في الخارج لقد كانوا بالاحرى على اطلاع اكثر من بقية السوفييت على الامكانيات الحقيقية للنظام السوفييتي وقدراته على الاستمرار كانت مسألة تطور هذا النظام تنطرح بالنسبة لهم بشكل مغاير على الطريقة التي كان يعتقد بها اصحاب المسئوليات الحزبية او اولئك الذين كانوا متابعين «للنظام الاداري للقيادة» هذا التعبير الذي لا يمثل سوى ثورية تدل على الهيمنة الكاملة التي كان يمارسها الحزب الشيوعي السوفييتي على الدولة والمجتمع. ان اعضاء الجهاز الحزبي لم يكونوا يريدون بأي شكل من الاشكال قطع الغصن الذي كانوا يجلسون عليه مع ذلك كان الاعياء كبيراً الى درجة ان العديد من المسئولين وعلى جميع المستويات الحزبية كانوا على استعداد للمخاطرة بامتيازاتهم بل وبوظائفهم من اجل تحقيق التغيير. بالنسبة للسوفييت العاديين فإن الوضع السياسي لبلادهم في مطلع عقد الثمانينيات من القرن الماضي كان مصدراً لقلق واذلال اضافيين، فالحالة المزرية للقادة الموغلين في العمر نهاية الحقبة البريجينيفية اثارت عدداً من الحكايات الطريفة التي كانت خسارتها ترتكز على معطيات واقعية ثابتة، فمثلاً كان يقال: «كيف تنتهي اجتماعات المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي؟ ـ في غرفة الانعاش». وكان ليونيد بريجينيف المريض الذي نجا من عدة أزمات قلبية يمثل رمزاً معبراً عن حالة التداعي التي كان يعاني منها المكتب السياسي كان يتحرك بصعوبة ولا يستطيع العمل اكثر من عدة ساعات في اليوم ويتلعثم في الكلام وقد كانت الصعوبات التي يعاني منها مادة للتندر. وتقول احدى النوادر انه وبعد زيارة انديرا غاندي التي كانت رئيسة لوزراء الهند الى موسكو، حضر ليونيد بريجينيف الى اجتماع للمكتب السياسي، وقد رسم في وسط جبهته نقطة حمراء مثل الهنود ـ العين الثالثة الهندية ـ وعندما سأله اندريه جروسيكو الذي كان وزيراً للخارجية عن سبب ذلك قال له: تصور انني واثناء حوار طويل على انفراد مع انديرا غاندي البارحة قالت لي وهي تربت على وسط جبهتي: «ليونيد انت نموذج رائع ولكن ينقصك شيء ما هنا حسب رأيي». ويقول ميخائيل جورباتشوف عن تلك الفترة: «خلال السنوات الاخيرة من عهد بريجينيف تردت حالة المكتب السياسي وكانت بعض الاجتماعات لا تدوم اكثر من ربع ساعة كي لا يصاب الامين العام بالارهاق».