المراسل العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية اليكس فيشمان نشر أمس تقريراً حول تخفيض حدة القتال الذي أفسح المجال لظهور بوادر حوار سياسي لكنه عاد للقول ان احتمالات التصعيد، تبقى عالية سيما إذا ما كان ارييل شارون اعتمد أسلوب التسويف إلى حين انتهاء فترة رئاسته للحكومة الإسرائيلية من دون توقيع أي اتفاق مع الفلسطينيين الذين يتولى وزير خارجته شيمون بيريز مراوغتهم وإلهاءهم ببعض المشاريع الاقتصادية كالقطار الآمن واستئناف اللهو في كازينو اريحا. وقال فيشمان في تقريره: حتى قيادة الجيش الإسرائيلي بدأت تبدي في الأسبوع الأخير علامات الفهم: هل يمكن أن يعيد ارييل شارون سياسة التقلبات التي انتهجها سلفه؟ وإلى أين يقود؟ في النقاشات التي سبقت استئناف اللقاءات الأمنية ونقاشات تقدير الوضع في الأسبوع الأخير، جرى جدل عميق بين ضباط كبار بشأن التعليمات التي ستصدر للوفد المعارض. وبعض الضباط شعروا بوجود سياسة التقلب: حيث يقرر المستوى السياسي اليوم سياسة، وفي اليوم الثاني يغيّرها. التعليمات السياسية المكتوبة التي صدرت لجيش الاحتلال من حكومة شارون نصت على انه طالما هناك عنف لا يمكن اجراء مفاوضات. ومعنى ذلك بالنسبة للجيش: عدم منح أي تسهيلات للسلطة الفلسطينية طالما لا يوجد وقف للعنف. ولكن هذا المبدأ الذي صمد لعدة اسابيع، بدأ حسب فهم الضباط ينهار. في مساء السبت الماضي التزم الضباط الإسرائيليين امام الفلسطينيين: اذا لاحظنا خلال الـ 48 ساعة المقبلة علامات واضحة لوقف العنف. سنفتح معبر رفح، ولكن باستثناء قذائف الهاون لم يتوقف العنف، بالعكس عادت العمليات الداخلية بكامل وتيرتها، في كفار سابا واور يهودا، والأكثر من ذلك تراكمت في جهاز الأمن الإسرائيلي تحذيرات حاسمة عن عمليات داخل الدولة العبرية ومن ضمن ذلك سيارات مفخخة أخرى، كجزء من جهود مركزة للمنظمات الفلسطينية عشية يوم الاستقلال. ولكن في يوم الاثنين فتح، مع ذلك، معبر رفح، لقد نفذت إسرائيل التزامها رغم ان الهدوء لم يعد. وفي المباحثات الامنية مساء السبت ويوم الاثنين التزمت إسرائيل بمنح تصاريح عمل للعمال الفلسطينيين بدءاً من الغد، وكان هناك التزام على المدى البعيد مثل فتح مطار غزة في منتصف شهر مايو اذا استمر الهدوء. ومن أجل زيادة البلبلة وسط ضباط الجيش الإسرائيلي لم يرض مقربو شارون من الاتفاق على فتح معبر رفح وقالوا للضباط: لم يكن من المفروض ان تخلقوا في الحوار مع الفلسطينيين رابطة بين تخفيض العنف وبين فتح معبر رفح. إلى أين يقود شارون؟ لم يفهم الضباط الكبار في الجيش الإسرائيلي حقاً إلى أين يقود شارون؟ ولكنهم يفهمون أنه من الأفضل لهم التخفيف من شدة التصريحات بشأن عرفات والسلطة، والحقيقة هي ان الفلسطينيين ايضاً مشوشون بعض الشيء، عشية نهاية الاسبوع الماضي عرض ممثل عرفات محمد رشيد، على مكتب شارون عدة اسئلة بشأن الوثيقة الاردنية ـ المصرية، رفضها شارون حتى النهاية. وسأل مسئولون كبار في السلطة الفلسطينية مسئولين إسرائيليين: لماذا هذا الرجل يرفضنا، لماذا لا يعطينا الحد الأدنى، وسرعان ما ألقى شارون القنبلة في المجلس الوزاري يوم الأحد: ثمة ما يمكن الحديث بشأنه في مسألة الوثيقة الأردنية المصرية، مع تعديلات طبعاً، وأقيم طاقم وزاري لإجراء المفاوضات مع مصر والأردن على أساس الوثيقة. بعد سبعة أشهر من الانتفاضة بدأ شيء ما يتغير، ثمة شيء يطبخ وراء الأفق السياسي، أو حسب تعبير مسئولين في جهاز الأمن الإسرائيلي «التنقيب عن النفط أظهر بشائر أولية بوجود النفط». حين قال شارون يوم الأحد في المجلس الوزاري «يجب ألا ننفعل في مسألة العملية في كفار سابا» كان ذلك يعني أنه بدأ يدرك أن الفلسطينيين يلوحون برغبة بالتغيير ويجب منحهم الفرصة. وفي إطار منح الفرصة للفلسطينيين فهم مكتب شارون أن السلطة سترتكب بعض الأخطاء العارضة مثل العملية في كفار سابا، ورغم هذه الأخطاء إلا أن شارون مستعد لدراسة جديدة لنوايا الفلسطينيين. والأكثر من ذلك انه مستعد لمنح حقن تشجيع للميل الظاهر، وتتمثل هذه الحقن بالاعتدال في الردود العسكرية وبإرسال تلميحات تشير الى أنه مقابل الجهود المتواصلة للسلطة الفلسطينية في المجال الأمني فإن إسرائيل مستعدة لتقديم رد سياسي مناسب. تفهم إسرائيل ان عرفات غير قادر على بذل جهد متواصل لتخفيض العنف اذا لم يعرض على جمهوره انجازاً سياسياً معيناً، ولكن الحديث يدور هنا عن خطوات اولية لرقصة تانجو سياسية معقدة، تسير خطوة للأمام وخطوتين الى الوراء. ويجب مواصلة هذه الرقصة بدون سحب البساط الأساسي من تحت الأقدام، نفس البساط الذي ينص على عدم تقديم أي انجاز سياسي كبير إذا لم يحل الهدوء على الأرض. الطرفان خرجا متحمسين كل شيء مجرد بداية، مؤشرات المؤشرات، ولكن في هذا الأسبوع وطوال السبعة أشهر الأخيرة سار الإسرائيليون والفلسطينيون في مسار واحد من العنف اتجاهه الوحيد هو نحو المزيد من العنف والتصعيد وبدءاً من هذا الأسبوع بدأت تنضج عملية تمكن على الأقل من التوصل الى مفترق منه يمكن اختيار مسالك أخرى. منذ أسابيع ومكتب عرفات يبث بواسطة محمد رشيد رسالة تقول إن ثمة استعداداً في الجانب الفلسطيني للقيام بالخطوة الأولى وبذل جهد لتخفيض العنف. ولكن هذا الاقتراح ترافق باقتراح ثمن سياسي غير مقبول لإسرائيل، في هذه الأثناء على الأرض لم يفعل عرفات أي أمر في المجال الأمني الذي يعزز الاستعداد الإسرائيلي بالتوصل الى تسوية، بالعكس، فإن التصعيد في الجانب الفلسطيني أدى الى قضية سيطرة إسرائيل على منطقة بيت حانون التي كانت عبرة للطرفين وربما كانت احدى محفزات الانعطافة، الحقيقة هي أنه بعد أزمة بيت حانون طلب عرفات استئناف اللقاءات الأمنية، ووافقت إسرائيل. وبصورة مفاجئة خرج الطرفان متحمسان من هذا اللقاء. لقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً كي يفهم الفلسطينيون انهم لم يصلوا في عهد شارون الى تسوية دائمة وان عليهم ان يسيروا في المسار الذي حدده الأمريكيون: استقرار الوضع الأمني أولاً ثم الاستقرار الاقتصادي وبعد ذلك المفاوضات. وفهم عرفات انه يجب ان يلائم جدوله الزمني مع جدول شارون إذ لا يدور الحديث عن نصف سنة بل ربما سنة أو سنة ونصف. وفي النقاشات التي جرت في إسرائيل توصلوا الى استنتاج ان سنة ونصف السنة في الشرق الأوسط قد تمتد الى سنتين، وبعد سنتين نقترب من الانتخابات في إسرائيل، وهكذا يستطيع شارون أن يثق بأن التسوية لن تحدث في ولايته. وهكذا في الأسبوع الماضي نجم وضع لم يبق فيه من المطلب الفلسطيني الأصلي «بالالتزام الصريح بالمفاوضات حول التسوية الدائمة» سوى «الالتزام بالمفاوضات». ونجم أيضاً جدول زمني يستطيع شارون ان يعيش معه، وما تبقى الآن هو مطالبة الفلسطينيين بالبدء بتنفيذ الرزمة الأولى وهي تخفيض العنف مقابل تسهيلات أمنية واقتصادية والتلويح بوجود ما يمكن الحديث عنه في المجال السياسي. هذا ما حصل هذا الأسبوع بدأت العملية تنضج. مفترق طرق في جهاز الأمن لا يعيشون بوهم إن الحديث يدور هناك عن انعطافة استراتيجية إسرائيلية أو فلسطينية، من الواضح أن الحديث يدور هناك عن خطوات تكتيكية على خلفية التقاء المصالح، عرفات لم يغير موقفه بشأن حل التسوية الدائمة، وتقديرات شعبة الاستخبارات تحدد بوضوح انه لم يتنازل عن فكرة التدويل، ولكنه وصل الى مفترق طرق وجد فيه أن من المناسب له لأسباب تكتيكية تخفيض مستوى العنف. وإسرائيل مستعدة للاستجابة الى التلميحات الفلسطينية رغم انه من الواضح ان الحديث يدور عن خطوات تكتيكية، وهم يؤمنون انه اذا صمد هذا التكتيك ـ عودة الهدوء ـ لعدة أشهر فإنه سيتحول الى استراتيجية، حيث أن الواقع سيحدد تطور الأحداث، في كل الأحوال من الممكن أن يعود كل طرف لقتل الآخر. في إسرائيل يستعدون لتكتيك وقف القتال بمضمون ايجابي على أساس المصالح الاقتصادية، الفكرة هي خلق واقع حياة اقتصادية افضل يربط الطرفين بشبكة مصالح أقوى ربما يستطيع مواجهة الحماس الايديولوجي. وقائد هذه الفكرة هو شيمون بيريز لقد أعطى شارون موافقته وحكومته متفقة على ذلك، ومكتب النشاطات في المناطق مرتبط بخيوط مع الفلسطينيين، ويدور الحديث عن عدة مشاريع اقتصادية كثيرة مشتركة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ودول أخرى. من هنا نشأ «مشروع القطار» من معبر المنطار الى اشدود، ومن هناك الى الضفة الغربية، ونشأت أيضاً فكرة تحويل أريحا الى منطقة خالية من العنف وتمكين الإسرائيليين للعودة الى الكازينو، وظهرت عدة مشاريع كبيرة على أساس جسر اللنبي جديد وواسع، وخطط للتعاون في مشاريع تحلية مياه البحر وغير ذلك.