الالمان اتهموه بالجاسوسية وطردوه ، جنرال كالوجين: بوتين يشكل خطراً داهماً على الديمقراطية في روسيا عمل فلاديمير بوتين لفترة من الزمن في قسم «مكافحة التجسس» في لينينجراد وقد احتفظ من تلك الفترة بحكاية صغيرة، ترجع الى حداثة تجربته وذهنيته التي كانت لاتزال تحتفظ بطراوة الطالب الجامعي. لقد وجد نفسه محاطاً بمجموعة من «عجائز المهنة» الذين كانوا قد بدأوا مسيرتهم المهنية في ظل المرحلة الستالينية، وكان البعض منهم على مشارف سن التقاعد. وهو يقول عن تلك الحكاية الصغيرة: «أتذكر انه ذات مّرة كانوا يحضّرون لعملية ما حين قال لي آحدهم: سوف ننفذ العملية بالطريقة التالية. هل أنت موافق؟». ـ كلا لست موافقاً. وهذا تصرف غير صحيح. ـ لماذا اذن، غير صحيح؟ ـ لانه يخالف القانون. ـ اي قانون؟! وحددت لهم نقاط مخالفة القانون فأجابوا: ـ لكن لدينا تعليمات. ـ هذه تعليمات، لكن القانون يقول شيئاً آخر. فما كان من احد الذين كنت احاورهم الا ان صرخ بأعلى صوته: ان التعليمات تمثل بالنسبة لنا ما هو أعلى من القانون. وختم بوتين نقله لتلك الحكاية بالقول: «كانوا قد تربوا على ذلك ويعملون على هذا النحو؟ اما انا فلم أكن قادراً على ان افعل الشيء نفسه ولست انا وحدي فقط، ولكن كل الذين كانوا من جيلي عملياً». من الواضح ان بوتين يريد أن يقدم نفسه من خلال هذه الحكاية بصورة رجل ديمقراطي، لكن ما قاله لم يكن بعيدا عن روح المرحلة. اذ كان من الاتهامات الرئيسية الموجهة لستالين عدم احترامه لـ «الشرعية الاشتراكية». وقد كان تعزيز هذه الديمقراطية المزعومة أحد الاهداف التي سعى نيكيتا خروشوف لاعادة الاعتبار لها بعد وفاة ستالين. ونحا الذين جاؤوا بعده للعمل في الاتجاه نفسه. لكن لم يكن الهدف في جميع الحالات هو الحد من تعسف تصرف السلطة وانما الحد من تجاوزاتها فمصلحة الحزب كانت دائماً فوق حقوق الفرد. وكان يمكن لقرارات السلطة. ان تخرق بسهولة ويسر الدستور وميثاق حقوق الانسان والمعاهدات الدولية كلها، شريطة ان تتخذها السلطات المختصة ضمن القواعد المعمول بها، هكذا لم يكن الاستثناء هو الذي يثبت القاعدة انما كانت القاعدة نفسها في الاتحاد السوفييتي. حلول على الورق هناك حدث يوضح بجلاء انحرافات النظام ففي 8 مايو 1986، وبعدة عدة ايام من الانفجار الذي شهده مفاعل تشيرنوبيل النووي، وامام تدفق اعداد متزايدة من الذين أصابتهم الاشعاعات النووية على مستشفيات المنطقة، اصدرت وزارة الصحة السوفييتية آنذاك مرسوماً حددت فيه معايير الاصابة بالاشعاعات، فحدد السقف الادنى لها بما يزيد على عشرة اضعاف المعايير السابقة. هكذا أمكن اخراج العديد من الاشخاص من المستشفيات بعد ان كان قد تم ادخالهم اليها بالفعل بسبب اصابتهم بالاشعاع النووي. واعلن اعضاء اللجنة الخاصة الحزبية والحكومية المكلفة بـ «مواجهة نتائج الحادث» عن اغتباطهم بالاجراء الذي تمّ اتخاذه ـ رفع معايير الاصابة بالاشعاع النووي. وعبّروا عن ذلك بكلمات سريالية جاء فيها، هكذا يمكن ضمان عدم اصابة اي شريحة من شرائح السكان وحتى لوحافظنا على المستوى الحالي ـ المرتفع ـ لمعايير الاصابة بالاشعاع خلال عامين ونصف العام كان حلا على الورق، وليس في الواقع. تجدر الاشارة هنا الى ان اللجنة المعنية لم تكن مكونة من اعضاء مغمورين في الحزب والحكومة، وانما من رئيس الوزراء آنذاك «نيكولاي ريجوف» وعدة اعضاء من المكتب السياسي وامين اللجنة المركزية. كان النقاش ضمن تلك الظروف بين الضباط الشباب في جهاز الكي. جي. بي وبين زملائهم الاكبر سنا لايتم على اساس التعارض بين القانون، وظلامية الاستبداد وانما يخص فقط بعض التباينات في مدى اللجوء الى الاجراءات التعسفية. لكن كانت لذلك النقاش فضيلة تطوير مفهوم الشرعية في اطار المجتمع كله. وفهم هذه النقطة مهم جداً من اجل ادراك خلفية الاحداث التي أدّت الى انهيار الاتحاد السوفييتي. وطالما ان القيادة ظلت موحّدة فان ضباط جهاز الاستخبارات كي.جي.بي لم يكن امامهم سوى ان يطيعوا الأوامر سواء أكانت تروق لهم أم لا. وكانت تروق لهم غالبا، اذ انهم كانوا لايزالون السيف والدرع بالنسبة للحزب وللمدافعين عن «الشرعية الاشتراكية» التي كان يتم التعبير عنها على لسان اعلى سلطات الحزب والدولة. لكن منذ اللحظة التي تخلى فيها الحزب عن احتكار السلطة، بدفع من ميخائيل جورباتشوف، وقامت بين منافسيه في الجمهوريات السوفييتية، واجه رجال جهاز الاستخبارات معضلة كبيرة، فهل عليهم ان يطيعوا السلطات التاريخية والايديولوجية، ام تلك التي جاءت عن طريق الاقتراع العام؟! لقد تصرف كل فريق معني بذلك حسب عواطفه، اذ حافظ البعض على اخلاصهم للحزب، بينما تقارب الآخرون من الديمقراطيين؟ لكن اغلبية كبيرة استفادت من الفوضى القائمة ومن التناقضات بين مختلف قيادات القيادة كي تتبنى موقف الانتظار حتى تعرف من سينتصر. ومن الصعب القول اليوم بما كان سيصبح عليه داعية «الشرعية» فلاديمير بوتين لو انه بقي في جهاز الشرطة السياسية بصحبة «عجائز» لم يكن همهم سوى استمرارية التقاليد البلشفية. ذلك لإن رفاق لينين لم يكونوا يعتبرون انفسهم مرتبطين بالمفاهيم، البورجوازية للقانون والاخلاق، كما كانت تنص تعاليم تلك الفترة، والتي جاء فيها: «لا تحاولوا ان تقدموا البراهين على أن المتهم قد تمرّد ضد مجالس السوفييت بالسلاح أو بالكلام! «السؤال الاول الذي ينبغي ان تطرحوه على انفسكم هو معرفة الطبقة التي ينتهي اليها واصوله وتكوينه ومهنته. هذه هي النقاط التي ينبغي ان تحدد مصير المتهم». موعد مع القدر لحسن حظ الرئيس الروسي المقبل يبدو ان رؤساءه كانوا يعلقون عليه بعض الآمال، اذ بعد ستة اشهر امضاها في قسم «مكافحة التجسس» ارسلوه الى موسكو كي يتم تكوينه المهني. وعند عودته الى ليننجراد التحق من جديد بالقسم الذي كان يعمل فيه لمدة فصل آخر، اذ ابتسم له القدر آنذاك حيث ان المسئولين عن قسم الاستخبار اهتموا به باعتبار انه ضابط شاب، يحمل شهادة جامعية في القانون، ويتحدث اللغة الالمانية بطلاقة، كانت تلك هي المعايير التي تنطبق تماما على من يبحثون عنه. لقد اقترحوا عليه ان ينضم الى قسم الاستخبارات الخارجية، وقبل ذلك الاقتراح بحماس. ان الرئيس الروسي الحالي ظلّ متكتماً جدا على خدماته في الكي. جي.بي واكتفى بالحديث عن عموميات من دون ان يقدم تواريخ محددة أوطبيعة المهمات التي قام بها وهذا أمر مفهوم، ذلك ان ضباط الاستخبارات، مثل المصالح التي يعملون في اطارها ـ يطلعون على اسرار كثيرة، وليس من عادتهم ان يبيحوا اسرارا حول وقائع واحداث عاشوها، لاسيما عندما يتولون مناصب في قمة جهاز الدولة، وعليهم ان يضربوا المثل للآخرين في هذا الشأن. لكن يمكن مع ذلك وعبر الربط بين ما تحدث فيه بوتين عن نفسه وما توفر من معلومات من مصادر اخرى التأكيد القاطع بان التغيير في عمله الوظيفي نحو الاستخبارات الخارجية قد حدث في مطلع عام 1978 حيث تم ارساله من جديد الى موسكو للتدريب لمدة سنة كاملة. وقد بدأ عمله «الميداني» في قسم الاستخبارات التابع لجهاز الكي. جي.بي في لينينجراد، وهو القسم الذي كانت تطلق عليه تسمية «الجهاز رقم 1»، وكان اثناء ذلك قد انتقل من مجرد عضو في منظمة الشبيبة الشيوعية ـ الكومسمول ـ الى عضو في الحزب الشيوعي السوفييتي: كما هو مطلوب حكما بالنسبة لاي ضابط يعمل في جهاز الاستخبارات. ومن غير المشكوك فيه ايضا انه قرر خلال تلك الفترة التخلي عن فكرة الزواج من ليودميلا الاولى ويبدو ان ذلك العدول عن الزواج يجد تفسيره في التغيير الذي حصل. فهل اوجدت عملية الذهاب والاياب المتكررة بين موسكو ولينينجراد حالة من التوتر بينهما؟ ربما، هذا اذا لم تكن خصوصية منصبه الجديد قد دفعته الى اعادة النظر في علاقاته مع تلك الفتاة ذلك ان مهمته الجديدة كانت تتطلب منه السفر كثيراً الى البلدان الاجنبية وجمع المعلومات عن طريق الطلبة الاجانب الموجودين في الاراضي السوفييتية أو عن طريق اولئك الذين كان قد تم «توظيفهم» من قبل الاجهزة السوفييتية». وكان عدد من الأجانب الذين قبلوا العمل لحساب الأجهزة السوفييتية قد فعلوا ذلك على قاعدة تصوراتهم الايديولوجية، اذ كانوا شيوعيين او متعاطفين مع الشيوعية او انصار سلام اعتقدوا ان الاتحاد السوفييتي يمثل معسكر السلام في مواجهة دعاة الحرب الامريكيين.. الخ لكن كان يمكن لضباط الاستخبارات ان يلجأوا الى طرق اخرى تتمثل في المال والحسناوات وغير ذلك من الطرق المعروفة. وكان يمكن استخدام هذه الاساليب نفسها مع الشخصيات المهمة وهكذا استطاع جهاز الكي جي.بي عام 1958 ان يدفع احدى الحسناوات لاقامة علاقة مع السفير الفرنسي لدى موسكو انذاك، موريس دوجان وعندما كانت الاهداف تتمثل في نساء كان سيتم استخدام. «تقنيات الغرام ليدخل اكثر من «روميو» في اللعبة. صفر بين الرجال من الصعب التوصل الى التحديد الدقيق للمهمات الحقيقية التي اطلع بها فلاديمير بوتين والاهداف التي تم تكليفه بالاهتمام بها. واذا اعتمدنا ماقاله الجنرال اوليج كالوجين احد مسئولي جهاز الكي.جي.بي في لينينجراد في مطلع عقد الثمانينيات الماضي فإن «الجهاز رقم 1» لم يكن سوى هيئة مساعدة تستخدم عدداً قليلاً من الضباط، وهذا صحيح من دون شك فالمصادر المهمة كانت متوفرة في موسكو اكثر مما هي في لينينجراد. ففي العاصمة توجد السفارات كما توجد اعداد أكبر من الاجانب. وكان الجنرال كالوجين هو الأكثر شبابا بين جنرالات الكي.جي.بي، كما كان الاول الذي انتقد صراحة هذا الجهاز عام 1990 وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي بفترة من الزمن. وكان قد اشترك مع وليام كولبي رئيس جهاز الاستخبارات المركزية الامريكية السي.اي.ايه الذي توفي عام 1996، باعداد لعبة فيديو للتجسس هي «سباي كرافت» وهو يعيش اليوم في الولايات المتحدة. انه يعتبر ان «فلاديمير بوتين يشكل خطراً على الديمقراطية وليس له اي تقويم مهم لعمله عندما كان في «الجهاز رقم 1 يقول: «لم يكن شخصاً مهما». ويذهب ايجور برولين، الكولونيل السابق في الادارة الرئيسية الاولى لجهاز الاستخبارات السوفييتي السابق ابعد في اطار المزايدة، حيث يؤكد ان بوتين «لم يكن سوى عميل عادي بين مئات آخرين» ثم يضيف «كان صفراً بين ضباط الاستخبارات الحقيقيين» في الواقع كان الرئيس الروسي المقبل بوتين ضابطا عادياً اثناء عمله في لينينجراد. ويقول صديقه «عازف الكمان» المدعو سيرجي رولدوجين» الذي كان احد الاشخاص النادرين الذين تحدث بوتين معهم عن عمله: «لقد قال لي فوفكا ـ فلاديمير ـ مباشرة انه كان يعمل في الكي.جي بي. مباشرة تقريبا. وهذا ما كان ينبغي عليه ان لا يفعله بالتأكيد، كان يقول للبعض بانه يعمل في اطار الحزب انني لم أطلب منه ابدا ان يتحدث معى عن عمله على الرغم من ان ذلك كان يهمني وذات مرة كاد ان يبوح لي ببعض الاسرار ويروي لي ما تم اثناء عملية خاصة، لكنه لم يقل شيئا، فقلت له: «انا عازف كمان، ولكنني عازف كمان جيد، ولن استطيع يوما ان اكون جراحاً. وأنت؟ ما هي مهنتك؟ من انت؟ وماذا تستطيع ان تفعل؟ فأجابني: «انا خبير في العلاقات الانسانية وانتهى حديثنا عند ذلك الحد». ان هذا الاعتراف من بوتين يؤكد ان عمله كان آنذاك هو موظف مصادر معلومات أو استثمار مصادر متوفرة، وحسب اقواله هو نفسه فانه قد عمل في الجهاز رقم 1، مدة اربع سنوات ونصف السنة، اذ دخلها عام 1979 وخرج منها في مطلع عام 1984. وانه لمن الصعب في الواقع معرفة اذا كان ما يقوله هو الحقيقة، اذ تدل بعض المصادر على أنه بدأ عمله في المانيا منذ اواسط عقد السبعينيات. وقد اشارت صحيفة «سوديتش1 زايتونج التي تصدر في درسدن بالمانيا، بالاعتماد على مصادر استخبارية المانية، بأن الضابط الشاب بوتين قد وصل للعمل في بون منذ عام 1975 تحت غطاء مراسل وكالة «تأس» للصحافة، لكن مهته لم تسر على ما يرام وتم اتهامه بالجاسوسية ثم طرده من المانيا في نهاية سنوات السبعينيات. لكن معلومات هذه الصحيفة تعاني من نقاط ضعف عديدة: لاسيما وان صحافة العالم كلها اهتمت في شهر يناير من عام 2000 ـ الصحيفة الالمانية المقصودة صدرت بتاريخ 8 يناير 2000 ـ بمعرفة ماضي هذا الرجل الذي كان قد اصبح رئيساَ لروسيا وتكاثرت عمليات «كشف المعلومات عن ماضيه في حقل الجاسوسية. بكل الاحوال، من الثابت ان فلاديمير بوتين قد تم فرزه عام 1985، وبعد فترة تدريبية الى فرع الكي.جي.بي في المانيا الشرقية. لم يكن ذلك مفاجئا بالنسبة له يقول: «كان واضحا منذ البداية انهم يحضرونني من اجل المانيا لانهم قاموا بحثي وتشجيعي على اتقان اللغة الالمانية. وكان السؤال الوحيد هو عمّا اذا كان سيتم ارسالي الى المانيا الديمقراطية (الشرقية) او الى المانيا الفيدرالية (الغربية) التي كان الذهاب اليها يتطلب العمل في الادارة المختصة في الجهاز المركزي لمدة عام ونصف العام او عامين او ثلاثة اعوام، لكن كان يمكن الذهاب مباشرة الى المانيا الديمقراطية وقررت ان الافضل هو ان اذهب اليها في الحال». ويبدو أن بوتين يبالغ في حديثه هذا اذ ان قرار الوجهة التي كان ينبغي عليه الذهاب اليها كان متعلقاً بالقيادة العليا للجهاز وبما تنم عنه قدراته الشخصية الخاصة. وبما انه لا يحظى مواهب خارقة لجاسوس من طراز جيمس بوند ولم يكن سليل اسرة يمكن ان تدفعه الى الاعلى. فإن مصيره كان يتجه بالاحرى نحو المانيا الشرقية، التي كانت احد مكونات الكتلة السوفييتية، ولكن ايضا الخارج بنفس الوقت. ان نشاط فلاديمير بوتين كـ «جاسوس دولي» بدأ كما يقول عام 1985 بعد فترة تدريبية في «معهد العلم الاحمر» وهذا ما يتناقض مع التقارير المختلفة القائلة انه قد عمل في المانيا الغربية وفي المانيا الديمقراطية قبل ذلك بكثير. لكن هناك مؤشرات كثيرة تدل على أن «بوتين» لم يعمل في نهاية عقد السبعينيات في المانيا الغربية، كما تردد في العديد من مصادر المعلومات والتقارير الصحافية. الوقوع في غرام لينينجراد وفي الوقت الذي كان فلاديمير بوتين يعمل في «الجهاز رقم 1» في لينينجراد التقى عام 1980 بفتاة كانت تعمل مضيفة جدية على الخطوط الداخلية بين لينينجراد او وعاصمة الشمال، لينينجراد. كانت تصغره بخمس سنوات، وتعود هذه الحكاية الى ان احد اصدقاء بوتين طلب منه ان يؤمن بطاقات لحضور حفل مسرحي كان سيحييه الممثل الكوميدي السوفييتي الشهير آنذاك «اركادي رايكين» كان ذلك الصديق مهتماً بلقاء فتاة لكنها لم تكن تستطيع الخروج من دون رفقة «صديقة خلوقة» فكانت ليودميلا قدم فلاديمير بوتين نفسه يومذاك للفتاتين اللتين كانت ستقيمان في لينينجراد ثلاثة ايام على انه يعمل في الشرطة القضائية. استخدم الرئيس الروسي المقبل موقعه في اجهزة الامن آنذاك وحصل على بطاقات لحضور عرضين مسرحيين في الليلتين التاليتين، مما بهر ليودميلا وكان الحب من اول نظرة» كما قالت والدة زوجة بوتين في تصريح لها بصحيفة «البراق» في 19 يناير 2000، لكن هذا القول ليس دقيقاً تماماً، ذلك ان «ليودميلا بوتين» تتذكر جيدا بانها وقعت فورا في غرام لينينجراد وليس زوجها المقبل الذي بدا لها في لقائهما الاول شخصاً عاديا جدا. تقول: «لقد كان لباسه متواضعا بل علي ان اقول بانه كان ينم عن فقر، كان لباسه مزريا حقاً. مع ذلك حافظا على التواصل الذي لم يكن سهلاً فليودميلا شكريبينوف لم تكن تمتلك هاتفاً في منزلها، وعلى الرغم من حديثهما عن فقر زوجها المقبل فإنها كانت تعيش بـ «تواضع كبير» في لينينجراد مع اهلها حيث كانت أمها تعمل أمينة (محاسبة) صندوق بينما كان ابوها عاملاً في احد مصانع الابنية الميكانيكية. وزاد في تعقيد الامر انها كانت تعيش في حي يتطلب الدخول اليه اذناً خاصاً لاسباب امنية حيث انه كان يطل على الميناء العسكري القريب. لقد اعطى الشاب رقم هاتفه للفتاة التي اتصلت به بعد ايام. واثر عدة لقاءآت في لينينجراد وقعت ليودميلا بعد اشهر بحب فلاديمير فعلاً كما اعترفت هي نفسها، اذ غيرت منحى مسيرتها المهنية وعادت للتسجيل في «الكلية العمالية بجامعة لينينجراد» حيث كانت تدرس اللغات الاجنبية وخاصة الفرنسية والاسبانية، وبتاريخ 28 يوليو 1983، أي بعد ثلاث سنوات ونصف من لقائهما الاول، تزوجا وكان قد اخبرها قبلا بعمله الحقيقي لكن كان سيّان بالنسبة لها العمل في الشرطة القضائية، كما كان قد قدّم نفسه اولا، أو في جهاز الكي.جي.بي. وفي ابريل 1985 ولدت طفلتهما الاولى ماشا لتنتقل الاسرة بعد فترة قصيرة للاقامة في درسدن بالمانيا الشرقية. وفي عام 1986 رأت طفلتهما الثانية كاتيا النور هناك. وتؤكد «ليودميلا بوتين» اليوم انهم كانوا يعيشون في درسدن بشكل شرعي تماما وتضيف: «كنا نسكن في منزل تابع لجهاز امن الدولة الالمانية ـ ستازي ـ كان القاطنون الآخرون يعرفون اين نعمل وكنا نعرف اين يعملون لكن الأكثر اهمية في الامر هو انه عند وصولنا الى حيث كنا نقيم كانت فترة البرسترويكا قد بدأت في الاتحاد السوفييتي، بينما كان جيراننا لايزالون يعتقدون جدياً بالمستقبل المشرق للشيوعية». كانت تسكن في البناء نفسه خمس اسر للعاملين في المجموعة ذاتها وكان رئيسهم وحده يعيش في موقع آخر مع زوجته، ولم يكن مقر الكي.جي.بي في درسدن يبعد أكثر من مسافة خمس دقائق عن مكان سكن بوتين ورفاقه من ضباط الاستخبارات السوفييتية، وتدل مؤشرات كبيرة على ان فلاديمير بوتين كان احد اعضاء الادارة الحادية عشرة في التوزيع الجغرافي للادارة الرئيسية الاولى في الكي.جي.بي. كانت تلك الادارة الحادية عشرة تخص «بلدان الكتلة السوفييتية» بينما كانت تلك الادارة الاولى تعنى بالالويات المتحدة وكندا والثانية ببلدان الشرق الاوسط غير العربية (ايران، افغانستان، تركيا، اسرائيل). والثامنة عشرة مصر وبلدان الشرق الاوسط العربية..الخ. كان عمل بوتين في المانيا الديمقراطية يتركز على «جمع المعلومات حول السياسيين وحول خطط الخصم المحتمل، كما قال هو نفسه واضاف: «توظيف مصادر المعلومات ـ العملاءـ وتلقي الاخبار وغربلتها وارسالها الى المركز. وكان ينبغي جمع المعطيات الخاصة بالأحزاب السياسية واتجاهاتها وقادتها الحاليين او المستقبلين ان امكن .. وكان مهماً معرفة الخط الذي تنتهجه وزارة الخارجية بخصوص بلادنا وأثره على مختلف المشاكل في ارجاء العالم الاخرى. أو مثلاً الحصول على معلومات تخص موقف محاورينا في مفاوضات نزع الاسلحة. كان الحصول على مثل هذه المعلومات يتطلب البحث عن مصادر.. عمل رويتني» ويؤكد بوتين ايضا بان هذا «العمل الروتيني» لم يؤد به للذهاب الى المانيا الفيدرالية (الغربية) طيلة عمله في المانيا الديمقراطية (الشرقية). لم يذهب «طيلة» فترة عمله في المانيا الديمقراطية فهل ذهب قبل ذلك؟! وتدل جميع المؤشرات على أنه لم يكن سوى ضابط بين ضباط أخرين كانوا يعملون ضمن اطار الالة السوفييتية المختصة بجمع المعلومات الحساسة. ويؤكد «فلاديمير كريوتشكوف» الرئيس السابق لجهاز الكي.جي.بي بانه كان قد زار درسدن عندما كان بوتين يعمل هناك. لكن ذلك العقيد لم يترك لديه اية ذكريات خاصة وانه ما كان له الا ان يبقى اسما مجهولاً بالنسبة له لو لم يصبح شخصية سياسية لاحقاً. لكن التاريخ يعلمنا ان اكثر المسارات عادية يمكن ان تفضي الى الاقدار الكبرى كما يعلمنا ان العديدين الذين وصلوا الى السلطة لم يصبحوا رجالاً عظاماً أبداً.