الرئيس في القاموس الغربي يعني أنه يعمل في الخدمة المدنية. والجنرال في القاموس الغربي يعني أنه يعمل في الخدمة العسكرية، وفي الحالتين فإن الرئيس والجنرال يعملان في خدمة المجتمع، ويسعيان إلى رفع مستوى حياته ورفاهية عيشه وزيادة ثرواته. أما في العالم الثالث، ونحن من ضمنه، فإن الرئيس والجنرال والوزير والنائب والمدير العام وكل من يحتل منصباً رسمياً، سواء كان عسكرياً أو مدنياً فإنه يعمل في خدمة نفسه وعائلته ورفع مستوى حياته وزيادة ثرواته... إلاّ في حالات نادرة. لماذا؟ كم دفع الرئيس ونائبه؟ الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أفرج قبل أيام عن كشف حسابه مع مصلحة الضرائب الأمريكية، ومثله فعل نائب الرئيس ديك تشيني. ويورد الكشف ما يأتي: لقد دفع الرئيس بوش الابن وزوجته لورا مبلغ (240) ألفاً و(342) دولاراً ضريبة عما حققاه من أرباح وصلت إلى مبلغ (894) ألفاً و(880) دولاراً، أي أن نسبة الضريبة على أرباحهما خلال العام الماضي بلغت (26.9) في المئة. أما نائب الرئيس ديك تشيني وزوجته لين فقد زاد دخلهما في العام الماضي عن (36) مليون دولار، دفعا لمصلحة الضرائب منه مبلغ (14) مليوناً و(295) ألفاً و(58) دولاراً، أي ما نسبته (36.9) في المئة من دخلهما. وليس في القانون الأمريكي ما يبيح للرئيس أو نائبه الاعفاء من الضريبة أو التخفيف منها، بل على العكس فإن القوانين تلزم قيادات السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية أن تعلن عن ثروته منذ بداية تسلمه منصبه، وأن يتخلى عن إدارة هذه الثروة ما ان يتسلم ذلك المنصب. وكيف؟ تناقض المصالح في الولايات المتحدة قانون يحمل اسم «تناقض المصالح» أي أن المواطن الأمريكي عندما يقرر الحصول على منصب عام لا يعود مواطناً عادياً، إذ أنه أصبح يعمل في خدمة مصالح المجتمع وليس مصالحه الشخصية كما يفعل المواطن العادي، ولكن لأن هناك احتمالاً وارداً في أن يستخدم منصبه لخدمة مصالحه الشخصية، أو لأن يمزج بين الخدمتين معاً العامة والخاصة، فإن القانون يفرض عليه أن يكشف عن كل ما يملك من ثروة وأن يضعها جميعاً في «استثمار أعمى» تديره شركة استثمارية يختارها، ويمنع القانون على المسئول منعاً مطلقاً أن يسأل شركة الاستثمار عن كيفية استثمارها وإدارتها لأمواله، كما لا يستطيع أن يقترح عليها أن تستثمر هذه الأموال في مشروع معين أو في شركة محددة، أو أن تبيع أو تشتري أسهماً يطلبها، وتنحصر حقوق المسئول في منصبه العام في أن يتلقى في نهاية كل عام كشفاً بالأرباح أو الخسائر التي نتجت عن استثمار أمواله والرسوم التي حصلت عليها الشركة لقاء إدارة هذه الأموال. ومن دون أي تفاصيل عن مواقع وأماكن الاستثمار. الأمانة ليست أخلاقاً إن الدستور الأمريكي يطلق على المواطن صفة «دافع الضرائب»، وبموجب هذا الدستور وفي ظل قوانين الاقتصاد الحر فإن من حق هذا المواطن أن يستثمر أمواله كما يشاء، وأين شاء، ولكن المواطن يفقد هذا الحق الدستوري عندما يقرر أن يعمل في خدمة المجتمع، وأن يستلم مركزاً قيادياً يؤهله للتأثير على صنع القرار في المستويات العليا، ومن هنا جاء قانون «تضارب المصالح» أو تناقضها ليريح المسئول والمواطن معاً، فالأمانة ونظافة الكف والاستقامة في خدمة المجتمع ليست مسألة شخصية تخضع للقيم الأخلاقية وحدها، بل هي مسألة يحدّدها القانون ويفرضها على الجميع بقطع النظر عن الصفات الشخصية أو النوايا أو السوابق (!). حسموا ثلث راتبه لأنه غاب أكثر من ذلك، في كشف الحساب الذي أعلنه الرئيس بوش وزوجته، هناك تفاصيل رأى الرئيس أن من حق المواطن معرفتها، ومن بينها أن بوش الابن عندما أعلن ترشيحه للرئاسة ودخول البيت الأبيض كان يعمل حاكماً لولاية تكساس، ومن مهمات الحكم أن يسهر على مصالح أهل الولاية لقاء الراتب الذي يتقاضاه، ولكن الحاكم بوش اضطر في أثناء حملته الانتخابية إلى تكريس معظم وقته للناخبين وإلى السفر لولايات أخرى، أي أنه تغيّب عن عمله لأسباب خاصة به، ومن هنا فقد اقتطع من رواتبه الشهرية مبلغ (40) ألف دولار، واكتفى بمبلغ (70) ألفاً و(554) دولاراً تقاضاها على مدى العام الأخير قبل انتخابه رئيساً، أي انه حسم ما يزيد عن ثلث راتبه بسبب غيابه عن منصبه وتفرغه لشئون شخصية، من بينها منصب الرئاسة (!). ومفهوم الثروة بالقاموس الأمريكي يحمل نكهة خاصة لأنه قد يكون نقوداً أو أسهماً أو عقارات... أو فكرة، وعندما اتفق الحاكم بوش مع دار للنشر على تأليف كتاب بعنوان «مسئولية نتحملها» فقد دفعت الدار مبلغ (75) ألف دولار، دفعة أولى، وسجّلها الرئيس في قائة دخله ودفع عنها الضريبة المقررة. ما حدث في لبنان هل هناك شبيه عندنا لما يحدث في أمريكا؟ لعل لبنان هو أحد الاستثناءات النادرة إذا كانت الإجابة بالنفي، فقد أقر مجلس النواب اللبناني مناقشة مشروع «من أين لك هذا؟»، أي أن على النائب، ومثله الوزير والرئيس، الكشف عن ثروته عندما يتبوأ منصبه، والكشف عنها بعد خروجه من ذلك المنصب، القانون لم يقر بعد، ولكن النائب سليم لحود كان سباقاً في الكشف عن ثروته وبالتفصيل، مع إبداء رغبته في الكشف عن هذه الثروة سنوياً. ولكن المشكلة في العالم العربي، كما في بقية العالم الثالث هي أن «العائلة الممتدة» تمنح المسئول فرصة ليس لتسجيل ثروته باسم زوجته فقط، كما يحدث في الغرب، بل توزيعها على الأقرباء والأنسباء، كما فعل الرئيس الاندونيسي سوهارتو مع أولاده وبناته وأزواجهم حيث دخل الجميع نادي المليونيرية. ... ولن نتحدث عن الحسابات المصرفية السرية في مصارف الغرب (!).