لم يفعل مناهضو تحرير حركة التجارة الأمريكية سوى ان عطّلوا لمدة 90 دقيقة انعقاد مؤتمر قمة كيبيك التي حضرتها 34 دولة من القارتين الأمريكيتين. لقد استطاع أولئك المناهضون ان يتحدوا الشرطة ويقلقونها، ولكنهم لم يقلقوا بال المؤتمرين. استطاع الراديكاليون ان يقفزوا من على سياجات الحراسة العالية الممتدة لنحو اربعة أميال، وان يتبادلوا مع الشرطة القذف والقصف كل بما لديه من اسلحة أو أدوات، ولكن المؤتمر تمخض في النهاية عما اريد له ان يتمخض عنه، بل زاد عليه مزايدة من بوش الذي أراد ان يبرز عضلاته، في أول استعراض عالمي كبير له منذ ان تولى السلطة، فنادى بعدم اشراك أية دولة في نطاق اتفاقيات تحرير التجارة الأمريكية ما لم تقم نظاما ديمقراطيا حرا يسمح بتداول السلطة وحركة التجارة فيها ومنها واليها، وقد كانت المقصودة هي كوبا، فهي قد أخرجت ابتداء من المؤتمر ثم أُحْرِجَتْ بذلك التصريح العنيف، وكأنما أراد بوش بتصريحه ذلك ان يرد على الراديكاليين أعداء العولمة، لا على فيديل كاسترو وحده. السياسة أم التجارة وتماشيا مع تلك المزايدة من بوش، جاءت مقدمة اعلان المؤتمر تركز لا على حرية التجارة فقط، وإنما على الحريات السياسية بشكل عام، فقد نصت العبارة الأولى على ان كل تلك الدول المجتمعة هي دول ديمقراطية انتخب رؤساؤها انتخابا ديمقراطيا، وانهم اجتمعوا بغرض نشر الديمقراطية في العالم، والدعوة لاقامة الحكومات في مختلف دول العالم على أساس الانتخابات، وحماية حقوق الانسان... الخ. ثم انتقل الاعلان للحديث عن التجارة والنمو الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، مؤكدا على مواثيق حرية التجارة التي تم توقيعها سابقا في ميامي عام 1994، وسانتياجو 1998. ولكن البيان عاد ثانية ليعرج على تأكيد المباديء الديمقراطية وحكم القانون، باعتبارهما شرطين لنجاح حرية التجارة التي انعقد من أجل اقرارها المؤتمر، وحذر من قيام أي من الدول التي شاركت في المؤتمر بالمساس بالحكم الديمقراطي، أو الانقلاب عليه، بل أرفق ذلك التحذير بوعيد صارخ بأن تلك الدول قد تتدخل في أي دولة يقع فيها انقلاب أو تكون تحت سلطة الانقلابيين، واستعادة الحكم الديمقراطي، وانها في كل الاحوال ستسهر معا لمنع قيام أي انقلاب وانها ستشكل محكمة قارية ـ أمريكية لتفصل في أي تجاوزات تقع لحقوق الانسان. كانت تلك هي الهموم التي أتى بها بوش إلى باحة المؤتمر، ونشط اعضاء الوفد الأمريكي مدعومين بنفوذهم وقوتهم إلى اعلاء شأنها في اجندة المؤتمر، وفي اعلانه الختامي، حتى انهم لم يكتفوا بتخصيص الفقرات الأولى في البيان لها، حتى عادوا إلى ذكرها مرارا في ثناياه، لاسيما عندما كان البيان بصدد ذكر افكار اخرى لا يتبناها الوفد الأمريكي، فقد كان من اعضاء المؤتمر من يحملون أولويات أخرى، ذكرت المراقبين بأن أفكار الوكالة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية (E.C.L.A) لاتزال حيّة، وقد عملت بعض الوفود على تضمين تلك الافكار في البيان، الا ان المهارة الفكرية والدبلوماسية غطت عليها تماما، الأمر الذي دعا أولئك الزعماء إلى اعلان افكارهم في تصريحات وبيانات منفصلة. الوكالة اللاتينية نشأت الوكالة الاقتصادية اللاتينية لتستدرك بعض أخطاء الفكر التنموي الكلاسيكي، فقد لاحظ بعض المفكرين اللاتينيين ان امكانية تطبيق الافكار التي أدت إلى النهضة الاقتصادية للولايات المتحدة، تبدو شبه مستحيلة بالنسبة إلى بلادهم، والسبب هو وجود الولايات المتحدة، فهي بِسَبْقِهَا في مضمار النهضة غدت في مقام الهيمنة والاستغلال والاستنزاف لبقية أقطار القارتين الأمريكيتين (باستثناء كندا) حتى أصبح التخلف وكأنه سيصبح القدر الأبدي لتلك الاقطار التي ستتخصّص في انتاج المواد الأولية وبيعها بأرخص الاسعار للمصانع الأمريكية لتتهيأ بعد ذلك لاستقبال صادرات تلك المصانع وشرائها بأفدح الاسعار، الأمر الذي سيشلّ اقتصادات تلك الدول ويجعلها عرضة لتلقي المساعدات الاقتصادية الأمريكية فقط من اجل البقاء والاستمرار في انتاج المواد الخام. دعت تلك الوكالة على لسانها رئيسها الارجنتيني راؤول بيربسك إلى ان تقوم اقطار أمريكا اللاتينية برفع حواجزها الجمركية ضد البضائع الأمريكية، وتشجيع قيام صناعات وطنية تمتلكها البرجوازية المحلية ولا تمتلكها الدولة، وكان ذلك هو وجه الاختلاف الأساسي بين افكار تلك الوكالة، وبين أفكار الاشتراكيين والماركسيين والراديكاليين، فأفكار الوكالة هي افكار ليبرالية ورأسمالية، ولكنها ضد الهيمنة الأمريكية التي تعوق نهوض الاقطار الأمريكية الأخرى، أما أفكار الاشتراكيين والماركسيين المتطورين فقد دعت إلى تفعيل دور الدولة في مجال الاقتصاد واستنهاضها لمواجهة النفوذ الاقتصادي الأمريكي وذلك ما بدا واضحا في كتابات المفكرين البرازيليين «دوس سانتوس» و«ريو هاريو ماريني». مهما يكن، فإن بقايا من أفكار مدرسة الوكالة الأمريكية قد انبثقت من أفواه بعض رؤساء الوفود الأمريكية لاسيما الرئيس المكسيكي فوكس الذي عبّر عن فكرة ان محاربة الفقر هي المهمة التي تستبق قيام الحكم الديمقراطي، وانه لا يعقل ان تنشأ ديمقراطية مستقرة في مجتمع فقير متخلف موبوء بالجهل ومختلف الاسقام، ومع ان المكسيك تعتبر متقدمة اقتصاديا على جميع اقطار أمريكا اللاتينية، الا ان الرئيس المكسيكي شاء ان يتخذ المثل من بلاده ليشمل حديثه بقية الاطار، وذلك كي يستنصر بتلك الاقطار لدعم مقولته «إننا لن نسمح بأن نبقى تحت رحمة السوق التي لا رحمة لها». وقد ردد الرئيس البرازيلي فيرناندو هنريك كاردوزو أفكارا مشابهة حين ألمح إلى ان العولمة فكرة ظالمة غير انسانية، وان ذلك هو الذي دعا البعض للتظاهر ضدها. وقال ان بلاده لا يمكن ان تفتح أبوابها للتجارة العالمية الا اذا انخفض معدل الفقر وسمح للدول الفقيرة بأن تقتحم أسواق الدول الغنية وبحيث لا تصبح العولمة مجرد غزو لأسواق الدول النامية، أما الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز فقد أكد ان معدلات الفقر لم تتمخض منذ قمة ميامي 1994، بل تراجعت الدول النامية إلى الوراء. تنسيق ضد النافتا أما على الصعيد العملي فقد ناشد الرئيس الارجنتيني فيرناندو دي لاروا زملاءه من رؤساء أقطار أمريكا اللاتينية، لكي ينشئوا كتلة داخل المؤتمر تواصل العمل في المستقبل للضغط على الآخرين (المقصود الولايات المتحدة وكندا) للاستماع لتحفظات وشروط الاقطار اللاتينية، وصياغة مطالب محددة تقدمها تلك الاقطار للدورة المقبلة للمؤتمر في عام 2004، تلك الدورة التي تستضيفها بلاده الارجنتين. ومقصد رئيس الارجنتين انه لن يقيم سياجات في بلاده لفصل المتظاهرين عن المؤتمرين، ولكنه بدبلوماسيته أردف قائلا انه يتمنى ألا يكون هناك متظاهرون وإنما مُظاهرون يعضدون مساعي التطور الاقتصادي المنشود. ولكن بحلول 2004 ستكون الولايات المتحدة قد قطعت معظم أشواط المشروع باتجاه فتح الرقعة الجغرافية من كندا إلى تشيلي للتجارة الحرة التي يقدر ان يصل حجمها الاجمالي إلى 11 مليار دولار، وربما تستطيع الولايات المتحدة ان تجعل من (نافتا) محورا داخل اطار الاتفاقية الجديدة. وبحساب المصلحة فإن المكسيك قد تتحالف مع الولايات المتحدة في هذا الخصوص بحثا عن المصلحة العاجلة اذا تغلبت على التفكير الراديكالي للرئيس المكسيكي، وبذلك فإن الولايات المتحدة ستجني معظم فوائد الاتفاقية الجديدة التي ستكون أكبر منطقة تجارية حرة على وجه الأرض، وبسوق استهلاكي يشمل قرابة مليار انسان. لكن من المستبعد ان ترضخ أقطار أمريكا الجنوبية الكبرى كالارجنتين والبرازيل، لتلك الضغوط الأمريكية، ومن المستبعد ان يزيل هذان القطران ـ خصوصا ـ مختلف العوائق الجمركية التي لايزالان يقيمانها في وجه البضائع الأمريكية، فالنهضة الصناعية في الارجنتين والبرازيل لاتزال في بداياتها، وكامل الانفتاح التجاري ليس في مصلحتهما بحال، ولذلك فمن الصعب تصور ان يرضح هذان القطران وبقية أقطار أمريكا الجنوبية لاملاءات حرية التجارة مهما غلفت بدعاوى الديمقراطية وحقوق الانسان، فهي ليست من الديقراطية في شيء، ولا من حقوق الانسان في شيء.. ان يسمح للدول الصناعية بأن تستبيح أسواق الدول النامية.