مر على اندلاع الحرب الأهلية في لبنان اكثر من ربع قرن، فقام أهل لبنان بإحياء هذه الذكرى، التي جاءت متزامنة مع تزايد الخلاف بين الطوائف اللبنانية حول الوجود السوري في لبنان، فقد تعالت بعض الاصوات مطالبة بضرورة اعادة النظر في هذه القضية من جديد، فتحليل الحالة اللبنانية يكون من خلال ثنائية تناول الوضع الداخلي وتعقيداته وتفاعله مع الوضع الاقليمي أو تعقيدات الحالة الداخلية والاقليمية والتي باتت تشكل قنبلة موقوتة يترقب الجميع انفجارها بين اللحظة والأخرى. وبإلقاء الضوء على الساحة الداخلية اللبنانية نجد ان المناصب السياسية قسمت على أساس طائفي فنجد أن رئيس الدولة مسيحي ماروني ورئيس الحكومة مسلم سني، ورئيس مجلس النواب مسلم شيعي، وقائد الجيش مسيحي ماروني، فنلاحظ ان النظام اللبناني ـ برغم أن الدستور اللبناني اعتبر إلغاء الطائفية السياسية هدفاً وطنياً أساسياً يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية ـ بني على أساس طائفي، واعتبر الدستور ارض لبنان هي ارض واحدة لكل اللبنانيين لهم الحق في الاقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على اساس اي انتماء كان. ونلمس بوضوح تعدد الطوائف في لبنان ايضاً في قضية اعادة انتشار القوات السورية في لبنان، فهناك من كان مع انتشارها وهناك من كان ضده، فالطوائف المسيحية تطالب بالانسحاب السوري من لبنان، اما المسلمون فإنهم مع الانتشار السوري. التاريخ الطائفي والتاريخ السياسي للبنان يحمل العديد من الدلالات المتكررة التي تؤكد ان التعاطي مع وجود قوات على أرض لبنان يتم وفق المصالح الذاتية بالدرجة الأولى وليس وفق مصالح الوطن، فعندما انقسم اللبنانيون حول وجود فرنسا عام 1943 انما انقسموا بدافع مصالحهم، فمن أيد استمرار هذا الوجود فعل ذلك خدمة لمصالحه، ومن عارض فعل ذلك فلأنه لا مصلحة له في استمرار هذا الوجود. وعندما انقسموا حول الوجود الفلسطيني المسلح انما انقسموا بدافع مصالحهم ايضاً. فمن رأى في هذا الوجود مصلحة له أيد، ومن رأى ان لا مصلحة له عارض. وعندما انقسموا حول الوجود الناصري، انما انقسموا بين من شعر بأن هذا الوجود يهدد كيان لبنان وبالتالي مصالحه، وبين من وجد فيه خدمة لمصالحه واستجابة لمشاعره القومية. وعندما دخلت قوات سوريا الى لبنان عام 1976 رحبت فئة بدخولها اعتقاداً منها انها ستنصرها على فئة أخرى، فيما تصدت فئة لهذه القوات بالسلاح اعتقاداً منها أن هذا الدخول معاد لها. وتواجد القوات السورية الذي اصبح جزءاً من المشهد السياسي في لبنان يأتي ضمن مسلسل الاضطرابات الاقليمية في الشرق الأوسط، والتي جاءت جراء زرع الكيان الصهيوني في هذه المنطقة، والذي ألقى بظلاله على كل دول المنطقة، والقوات السورية توجهت للبنان عام 1976 لوضع حد للحرب الطائفية، ومخافة اجتياز من القوات الفلسطينية للمخيمات الى المنطقة المسيحية. اتفاق الطائف وفي ظل هذه التداعيات والخلافات الطائفية، عقد اتفاق الطائف سنة 1989 ليضع حداً لهذه التداعيات. وتناول اتفاق الطائف بسط سيادة الدولة على كامل الاراضي اللبنانية بالتالي: بما انه تم الاتفاق بين الاطراف اللبنانية على قيام الدولة القوية القادرة المبنية على اساس الوفاق الوطني، تقوم سنة، هدفها بسط سلطة الدولة اللبنانية تدريجياً على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية، وتتسم خطوطها العريضة بالآتي: 1ـ إعلان حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها الى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر تبدأ بعد المصادقة على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني وإقرار الإصلاحات السياسية في صورة دستورية. 2ـ تعزيز قوى الأمن الداخلي من خلال: فتح باب التطوع لجميع اللبنانيين دون استثناء، وتعزيز جهاز الأمن بما يتناسب وضبط عمليات دخول الأشخاص وخروجهم من خارج الحدود وإليها براً وبحراً وجواً. 3ـ تعزيز القوات المسلحة: ويترتب على ذلك توحيد القوات المسلحة وإعدادها وتدريبها، وتستخدم القوات المسلحة في مساندة قوى الأمن الداخلي للمحافظة على الأمن في الظروف التي يقررها مجلس الوزراء، إن المهمة الأساسية للقوات المسلحة هي الدفاع عن الوطن وعند الضرورة حماية النظام، وعندما تصبح قوى الأمن الداخلي جاهزة لتسلم مهماتها الآنية تعود القوات المسلحة الى ثكناتها. 4ـ يعاد تنظيم مخابرات القوات المسلحة لخدمة الأغراض العسكرية دون سواها. 5ـ حل مشكلة المهجرين اللبنانيين جذرياً وإقرار حق كل مهاجر لبناني منذ عام 1975 في العودة الى المكان الذي هجر منه ووضع التشريعات التي تكفل هذا الحق وتأمين الوسائل الكفيلة بإعادة التعمير. وورد في اتفاق الطائف تحت عنوان «تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي» ان استعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً تتطلب الآتي»: 1ـ العمل على تنفيذ القرار 425 وبقية قرارات مجلس الامن القاضية بإزالة الاحتلال الاسرائيلي إزالة شاملة. 2ـ التمسك باتفاق الهدنة الموقع في 23 مارس 1949. 3ـ اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود مع اسرائيل والعمل على تدعيم وجود القوات الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الانسحاب الاسرائيلي ولإتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار الى منطقة الحدود. الوجود السوري في لبنان أما بالنسبة للعلاقات اللبنانية ـ السورية، ووضع الجيش السوري في لبنان فقد تضمن اتفاق الطائف النقاط الأساسية التالية: إن لبنان، الذي هو عربي الانتماء والهوية، تربطه علاقات أخوية صادقة بجميع الدول العربية، وتقوم بينه وبين سوريا علاقات متميزة تستمد قوتها من جذور القربى والتاريخ والمصالح الأخوية المشتركة، وهو مفهوم يرتكز عليه التنسيق في شتى المجالات، بما يحقق مصلحة البلدين الشقيقين في اطار سيادة كل منهما واستقلاله. استناداً الى ذلك، ولأن تثبيت قواعد الأمن يوفر المناخ المطلوب لتنمية هذه الروابط المتميزة، فإنه يقتضي عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا، وسوريا لأمن لبنان في أي حال من الأحوال. وعليه فإن لبنان لا يسمح بأن يكون ممراً أو مستقراً لأي قوة أو دولة أو تنظيم يستهدف المساس بأمنه أو أمن سوريا، وأن سوريا الحريصة على أمن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق أبنائه لا تسمح بأي عمل يهدد أمنه واستقلاله وسيادته. وهكذا نجد أن لبنان تعرض في تاريخه الطويل للعديد من المحن والامتحانات، الداخلية والخارجية، واستطاع ان يخرج منها، بعراقة تاريخه وتأصل جذوره، وبجهد أبنائه ومساندة أشقائهم وأصدقائهم. وقد كانت الحرب الأهلية التي استمرت زهاء ست عشرة سنة من أشد هذه المحن وأصعب الامتحانات التي يجب على اللبنانيين والعرب جميعاً أن يستخلصوا العبر من دروسها ويعملوا بكل الوسائل لتجنب أي اسباب قد تؤدي الى استعادة اجوائها الموبوءة وأهوالها المدمرة. ومثلما كان اتفاق الطائف مخرجاً توافقياً للخروج من محنة الحرب العقيمة، فإن العمل على تنفيذ ما تبقى من بنود هذا الاتفاق التاريخي، بروحها ونصوصها، سيجنب اللبنانيين وكل العرب منزلقات ومخاطر قد يكون الدخول فيها سهلاً، لكن الخروج غير مضمون وثمنه سيكون في كل الأحوال على الجميع.