يشدد الدستور اللبناني على إلغاء الطائفية السياسية التي تفصل الدين عن السياسة والتي إذا طبقت يعود الدور الروحي إلى رجال الدين في لبنان، بعدما صادروا دور الدولة عبر مزايداتهم السياسية كلما حلت في البلاد قضية وطنية. ولا حاجة إلى التذكير بأن معظم الانقسامات في الشارع اللبناني حول القضايا الوطنية كان يقودها رجال الدين مخالفين دستور بلادهم الواضح في فصله الدين عن السياسة. ليس الأمر هنا بصدد ذكر المواقف السياسية لرجال الدين أثناء عظاتهم وانعكاساتها على التشنج الطائفي في الخطاب الشعبي الذي يهدد بالعودة إلى ماضٍ أليم يُجمع اللبنانيون على نبذه. إنما من المؤكد أن طرح قضية الوجود السوري في لبنان لا يستند إلى أي نص قرآني أو إنجيلي، لا في الدفاع عنها ولا في الهجوم عليها. وهي ليست ضد الثوابت الوطنية حتى تصبح اليوم ضمن عظات رجال الدين وخطبهم التي تجتاح آذان اللبنانيين فتثير لدى بعض المعارضين الضغائن الطائفية. فما يشهده لبنان منذ بعض الوقت من حشود وردود فعل هو نتيجة طبيعية للتراشق السياسي والإعلامي في خطب رجال الدين الذين تناسوا كتاب الله وخرقوا كتاب لبنان المقدس... الدستور. الطائفية ... والطائف فيما يأتي المادة 95 كما وردت في نص «الطائف» التي تدعو إلى صيغة لإلغاء الطائفية السياسية: «على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية». (ملحق جريدة الكفاح اللبنانية). «وفي المرحلة الانتقالية: أ ـ تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة. ب ـ تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاية في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفيما يعادل الفئة الأولى فيها، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاية». ماذا يحدث الآن؟ يقول محمد عبدالحميد بيضون وزير الطاقة والمياه في حكومة الحريري في تصوير الواقع ما يلي: «يقول البطريرك صفير: أنا أريد السيادة والاستقلال. وأقول له: لك كل الحق في أن تطرح رأيك، ولكن في المقابل، إذا لم أتبنّ رأيك يجب ألا تخونني وترميني بالاتهامات. وأنا في المقابل إذا لم يعجبني رأيك يجب ألا أقول أنك خائن وأرميك بالاتهامات. يجب أن نعتاد على أن نتكلم فيما بيننا صراحة حتى لا تنهار الدولة ونحتكم إلى الشارع، والاحتكام إليه أو الخروج على الدولة سيؤدي إلى إعادة ظروف عام 1975». كان الأمل لدى جميع اللبنانيين أن يعم الحوار الذي يثبت السلم الأهلي فإذا بلغة تلك الحرب تعود أعنف مما كانت. كان أملهم أن يكون الصراع الداخلي صراعاً ديمقراطياً سلمياً بين قوى حية تتنافس على ما هو أفضل لبناء وطن منيع ودولة عصرية، فإذا بلبنان يصبح مجدداً أسير عصبيات طائفية مدمرة ومتناحرة تؤججها من هنا أو هناك بيانات مغفلة. كل شيء فيها واضح إلا أصحابها، فيما يختبيء الزعماء السياسيون المنتخبون أو الذين سقطوا في الانتخابات وراء رجال الدين. فرص كثيرة ضاعت كان يمكن من خلالها للسلطة المنبثقة من الطائف و(الطوائف) أن تبنى على الاتفاق الخارجي لوقف الحرب اتفاقاً داخلياً يذيب الكيانات الطائفية ويقيم وطناً ودولة على أسس حديثة ومتطورة، لكنها لم تفعل. كانت الحكومة تتهرب من التصدي لها خشية انقسامها هي على نفسها. لكن تهربها من مسئوليتها ترك الأمور الخلافية تفلت في الشارع. ولا عجب أيضاً أن يستثير خطاب طائفة ما طائفة أخرى يصب أيضاً خطابها في إطار مصالحها لا في إطار المصلحة العليا للوطن. وبين رجل دين من هنا ورجل دين من هناك، وبين تشنج من هنا وتشنج من هناك، تضيع القضية الأساس وتترك للشارع في شلال الغرائز والعصبيات. هكذا تصرفت الحكومة في القضايا الكبرى ومنها مسألة العلاقات اللبنانية ـ السورية التي تعاني خللاً واضحاً. فبدلاً من أن تحصر هذا الملف بها وتدير الحوار في شأنه لتسويته انطلاقاً من المصلحة الحقيقية للبلدين اللذين يقفان في خندق واحد ضد العدو الصهيوني المشترك، تركت هذه المسألة للشارع. فصرنا نسمع من هنا خطاباً عنصرياً ضد السوريين يسيء إلى لبنان قبل سوريا، ونسمع في المقابل لغة نفاق وتملق ودجل تسيء إلى سوريا ولا تفيد لبنان. تعبئة غريزية عصبية على هذا الأساس تقابلها تعبئة مضادة مماثلة، وبينهما أرض خصبة تتيح لكل الأجهزة والمخابرات التدخل لتبقي الخلل في العلاقات وتعيدنا إلى الخيار الصعب: إما السيادة وإما الوحدة الوطنية. منتصف الطريق ومن اللافت التعليق التالي: «لا أحد ينكر الآخر، لكن أحداً لا يفهم الآخر تمام الفهم. الاختلاف كان موجوداً قبل 13 ابريل العام 1975، لكن الحرب ساهمت في تعميقه وتجذيره، وبلورته بصيغ لا تقبل منطق التعايش السابق، لكنها لا تجد القوة ولا الجرأة لبلوغ الحد الأقصى البديل. ليس تطرفاً القول إن التعايش يزداد صعوبة كل يوم: لأن المسلمين والمسيحيين يحتفظون بصورة قديمة جداً عن بعضهم يفتضح عمرها الذي يعود إلى مرحلة الخمسينيات أو الستينيات عندما يفتح النقاش السياسي، وتشتد الحاجة إلى تلوين المواقف بغير الأسود والأبيض. على سبيل المثال لا الحصر، لا يجد المسيحيون حرجاً في قول كلام عنصري عن السوريين والفلسطينيين، مع أنه كلام يصيب المسلمين بالصميم، ويستهدفهم بالتحديد.. ولا يتردد المسلمون في مطالبة المسيحيين بالعداء لإسرائيل. اللقاء في منتصف الطريق هو نوع من التكاذب أو التواطؤ الذي يكفل تجنب الصدام الحتمي عند كل منعطف خطر، طالما أن المصالحة التاريخية ما زالت بعيدة المنال. وإذا لم يستطع البلد الانتظار فإن بالإمكان تشغيل المخيلة، إلى الحد الذي يتيح تطوير الفيدرالية الطائفية الراهنة إلى الحدود التي ظلت محرمة طوال الحرب الأهلية، وربما كانت أحد أسباب اشتعالها. المهم ألا يظل البلد مستنفراً كما هو اليوم» (ساطع نور الدين 11/4/2001). اختتم بما قاله الكاتب المفكر معن بشور، عضو المؤتمر القومي الإسلامي، صاحب مجلة «المنابر» في العلاقة السورية اللبنانية بما يعد نموذجاً للتعامل بين بلدين عربيين جارين للثبات في خندق واحد. التكامل بين سوريا ولبنان يجب أن يرتكز على إقرار بالتكافؤ بينهما، لأن لبنان لا يقاس فقط بمساحته، وبعدد سكانه، وبحجم انتاجه الاقتصادي فحسب، بل يُقاس أيضاً بمستوى أدائه النضالي والعلمي والحضاري والديمقراطي الذي جعله في مراحل كثيرة يبدو وكأنه مفاجأة الأمة العربية لنفسها في العصر الحديث. وفي ضوء هذه العوامل جميعاً ينبغي ان نعمل، كلبنانيين، وسوريين، لتطوير العلاقة بين البلدين ومأسستها في اطر وصيغ واتفاقات تشمل مختلف المجالات وتحمل في داخلها آليات تصحيح لأي خلل، وتنقية لأي شائبة، قد تعلق بها، بل تنطوي على درجة عالية من الشفافية تنأى بهذه العلاقة عن أي شبهة أو أي منفعة خاصة سواء من خلال الاستقواء بها أو من خلال الاستقواء بالأجنبي عليها. فكما ان المغالاة في المجاملة والمديح تمنع من رؤية اخطاء تنبغي معالجتها، فإن المغالاة في التشنج والتوتر تحول دون ايجاد الظروف المواتية لهذه المعالجة. ان نقطة البداية في كل معالجة لهذه المسألة الحيوية في حياة البلدين تكمن في ان نفتح اقنية الحوار على مصراعيها بين البلدين، وداخل كل منهما، فيقوم بين الدولة والمجتمع في كل بلد، وبين الدولتين، بالاضافة إلى حوار مستمر بين مؤسسات المجتمع الأهلي بكل مستوياتها. فالحوار المطلوب هو حوار هاديء وهادف وقادر على ايجاد آليات دائمة ومتطورة بحيث تصان العلاقة من اي شائبة، ويحول دون تراكم السلبيات والهواجس لدى هذه الجهة أو تلك. والحوار المطلوب هو الحوار الذي لا يتجمد في الماضي بل يسعى إلى الاستفادة من دروسه، ولا يسجن نفسه في تعقيدات الحاضر بل يتجه نحو الخروج منها، بل هو الحوار الذي يكرس جهده من اجل مواجهة تحديات المستقبل ومواكبة متغيرات العصر. ولا اعتقد ان لبنانيين اثنين يختلفان على ان من أبرز التحديات التي يواجهها لبنان تحديين رئيسيين، أولهما التحدي الصهيوني وثانيهما التحدي الاقتصادي. كما اعتقد أيضاً ان لبنانياً عاقلاً وحريصاً على مصلحة بلده لا يستطيع ان ينكر ان مواجهة هذين التحديين تتطلب أعلى درجات التعاون والتنسيق والتكامل بين لبنان وسوريا. ما هو الشعور بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان وعلى بعض المراكز السورية فيه؟ لقد نبه هذا العدوان بعض من لهم اعتراضات على الحكم أو على الدور السوري وادائه إلى ان هذه الاعتراضات مهما كانت خلفياتها، لابد من مناقشتها في جو من المصير المشترك الذي فرضته غارة العدو الواحد بالوعي لوحدة المصير والمصالح المهددة جميعاً بالخطر الإسرائيلي. ولقد كان للموقف الحكيم للبطريرك الماروني الكاردينال نصر الله صفير اثر في العودة إلى الثوابت في العلاقات اللبنانية السورية وإلى التضامن في مواجهة العدوان الصهيوني، مرجئاً البحث في قضايا يصب الخلاف حولها في مصلحة إسرائيل. ـ سفير سوري سابق