لم تكن الغارات التي شنتها الطائرات الإسرائيلية على موقع الرادار السوري في منطقة البقاع اللبنانية، ببعيدة عن أجواء الاحتقان التي يشهدها لبنان هذه الأيام، والتي تعيد التذكير بالاشارات الأولى للحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975. فالغارة التي تزامنت مع احياء لبنان لذكرى مرور 26 عاما على اندلاع تلك الحرب الأهلية الشرسة، جاءت لتذكر الجميع ايضا بأن المستهدف إسرائيليا هو المسار السوري اللبناني، وان هناك حاجة لرئيس وزراء إسرائيل الدموي ارييل شارون لفصل هذين المسارين، وابعاد الوجود السوري عن لبنان بأي شكل من الاشكال، خصوصا وان هذا التصعيد الإسرائيلي العنيف، ترافق مع تراشق داخلي حاد بين مختلف الفصائل اللبنانية وبشكل يكاد يكون متطابقا في وقائعه مع الأحداث التي كان تراكمها في النهاية السبب في الانفجار الذي أكل الأخضر واليابس في لبنان لمدة زادت على الستة عشر عاماً. الوقائع التي شهدها لبنان منذ العام 1975 وحتى الآن أكدت ان هذا البلد مستهدف إسرائيليا لعدة اسباب، ففي البداية كان الصوت العروبي الذي انطلق منه هدفا يسعى الكيان الصهيوني لإسكاته بشكل متواصل. في الوقت الذي كان الهدف الاخر يتمثل في اخراج اللاجئين الفلسطينيين من المخيمات اللبنانية. اما في الوقت الحالي فان الإسرائيليين وقفوا طويلا أمام ماأسموه بالعقدة السورية، وضغطوا بشدة لدفع هذا الملف الى الواجهة، وهو الامر الذي لاقى هوى لدى البعض في لبنان، فاعتبره القضية التي تسبق كل القضايا والاولوية التي تجب ما عداها. غير ان طريقة العرض ظلت مشوبة بأخطاء قاتلة لعل من بينها ماتمثل في الاندفاع الى العنصر الخارجي والمراهنة عليه للقيام بدور ضاغط من اجل تحقيق اهداف هذا العنصر الاجنبي او ذاك، الامر الذي لاقى ترحيبا من الاجنبي الذي وجدها فرصة سانحة للتدخل من جديد واعطاء الانطباع بأن لبنان بات مهيأ لتكرار نفس السيناريو الذي كان قد شهده قبل اكثر من ربع قرن والذي كانت الدولة اللبنانية خلاله مغيبة تماما فيما كانت تمرح على اراضيه وتسرح كل القوى الدولية والاقليمية. براً وبحراً الغارة التي ارسل فيها الجنرال الدموي ارييل شارون طائراته لدك موقع الرادار السوري، تزامنت هي الاخرى مع عمليات حربية شاملة ضد الفلسطينيين في مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة وتمثلت في اجتياحات متواصلة لقطاع غزة وبعض المدن والقرى الاخرى التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وهي عمليات ردت بعنف بالغ الشدة على مقاومة مدنية فلسطينية ارادت مقاومة قوات الاحتلال التي سدت كل المنافذ أمام الشبان الفلسطينيين لممارسة العمل والحصول على الرزق الشريف. في ظل هذا الذي يحدث حاليا والذي يهدد باشعال الشرق الاوسط بأكمله، فان ارجاء الدعوات التي تتعلل بأن لبنان قد تحرر من الاحتلال الإسرائيلي لجنوبه، الامر الذي لم يعد يمكن معه ايجاد مبرر للتواجد السوري على الاراضي اللبنانية، والتي قد يستفيد منها العدو الإسرائيلي يعد امرا اكثر حكمة في الوقت الحاضر، الذي تهدد فيه الاجندة التي بدأ الجنرال الدموي شارون تنفيذها كيان الأمة بكاملها وتسعى للعصف بمستقبلها وحاضرها بل والعبث ايضا بماضيها، لذلك فان الابتعاد عن اثارة النعرات الطائفية والخلافات المذهبية، ومنع اعادة اجواء ماقبل الحرب الأهلية، هو الفعل الحكيم الذي يجنب لبنان، هذا البلد العربي المضيء مزيدا من ويلات لا يزال يتعافى من بعضها حتى الآن رغم مرور نحو عقد على اتفاق الطائف، الذي كانت أرضه في الفترة التي سبقت توقيعه ملعبا لكافة القوى والفصائل المسلحة وغير المسلحة التي تنتشر مقارها الرئيسية في كافة بقاع الارض، وكانت بعض ميليشياته وكلاء محليين لبعض تلك الفئات التي استغلت مناخا كان سائدا في ذلك الوقت وحولت لبنان الى منطقة مستباحة ومتعددة الجنسيات. إسرائيل التي ذكرت عقب غارتها، ان ماحدث هو بمثابة ارسال رسالة الى سورية مفادها ان عليها ضرورة العمل على وقف هجمات حزب الله اللبناني المتكررة على الاهداف الإسرائيلية، والتي كان آخرها مقتل جندي إسرائيلي في منطقة مزارع شبعا المحتلة. ولكن في ظل هذه البداية الدموية التي قرر رئيس وزراء الكيان الصهيوني ارييل شارون ان يستهل بها عهده، فان المعتقد هو ان تلك الرسالة ليست موجهة الى سوريا وحدها، ولكن الى العرب جميعهم، فالمستهدف هو الكيان العربي والتضامن الذي كانت علاماته قد بدأت تلوح في الافق، وكان مضمون الرسالة الصهيونية الحادة ان المطلوب حاليا هو رضوخ تلك الامة بكاملها وقبولها بخطة شارون التي ليس لديها من مساحة تعطيها للشعب الفلسطيني سوى 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية ليقيم عليها كيانه الوطني، بعد نزع سلاحه تماما. ولذلك فان الغارات كان هدفها الضمني هو اجبار العرب على التحرك لإقناع الفلسطينيين بقبول تلك المساحة الهزيلة كي تتخلص المنطقة من مسلسل الردود الإسرائيلية التي تقصف لبنان تارة ومواقع سورية داخله تارة اخرى، وتقصف مدن وقرى وأجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية. الرسالة اذن مقصودة واهدافها محددة، لذلك ونظرا لأن الكيان جميعه مهدد فان رص الصفوف وتنسيق المواقف بات هو الفعل العربي المطلوب والذي يستدعي تحركا عاجلا من اجل مواجهة تلك اللعبة الإسرائيلية المكشوفة، والتي تجد للاسف صدى مؤيداً وأيضاً متحمساً داخل الادارة الأمريكية الجديدة، الأمرالذي يلقي على العرب مسئولية مجابهة قواعد اللعبة الجديدة وتكبيل جهودهم من اجل وقف الاعتداءات الهمجية الإسرائيلية المتكررة على لبنان، والتي يتوقع ان تزداد وتيرتها يوما بعد يوم. أثر المرحلة في هذا الاطار فان هناك حاجة لبنانية وعربية للاتفاق على وجود تباين في الاجتهادات التي تطرح على الساحة بين فترة واخرى، الامر الذي يتطلب ادارة واعية لهذا الخلاف تضع المصالح العليا للوطن في مقدمة الأولويات وليس المصالح الضيقة للفئات والطوائف، ولعل في التداعيات التي اعقبت دعوة البطريرك نصر الله صفيرلإعادة الانتشار للقوات السورية داخل المناطق اللبنانية تمهيدا للانسحاب منها، وردود بعض ممثلي الاحزاب والقوى الفاعلة على الساحة السياسية هناك، بأن التواجد السوري هو «أكثرمن ضروري» لاستقرار لبنان المهدد بسبب الاطماع الإسرائيلية التي ما زالت تستهدفه، والتي ازدادت شهيته لها في اعقاب تولي حكومة الليكود الحالية السلطة في تل أبيب، لعل تلك التداعيات تتطلب تعاملا يليق بالمرحلة وتطوراتها، عن طريق الاستمرار في التواصل واعتماد الحوار منهجا، والا فان التداعيات التي تتلاحق سوف تكون لها آثار مدمرة على الكيان اللبناني ومن ثم العربي بأكمله، خصوصا وان الادارة الأمريكية تعلن رفع يدها عن الشرق الاوسط وعدم اتباع اسلوب الادارة الأمريكية السابقة التي تقول انها انغمست في قضية السلام الشرق اوسطي اكثر من اللازم. سلبية هذه الادارة سوف تعني ان يد شارون مطلقة في ممارسة العربدة والعنف الدموي الذي لا يعرف لغة للتعامل سواه، هذه السلبية الأمريكية التي يصاحبها تأييد متواصل وتفهم شبه كامل للاعتداءات الصهيونية على الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين تتمثل في بعض الاحيان في بيانات صادرة من ادارة البيت الابيض التي تسارع بادانة كل عملية يقوم بها حزب الله والى تبرير كل جريمة لإسرائيل بزعم انها تقع ضمن اطار الدفاع عن النفس ضد ماتصفه إسرائيل وكذلك الولايات المتحدة بالهجمات الارهابية، في الوقت الذي لا تحرك فيه ساكنا حتى لاستهجان ماقاله الحاخام اليهودي العنصري المتعصب «عوفاديا يوسف» مؤسس حزب شاس، عندما دعا الله ان «يقطع نسل العرب ويدمرهم ويزيلهم من الوجود»، داعيا الدولة الإسرائيلية الى ابادة «هؤلاء العرب المجرمين الملاعين بالصواريخ»، هذه السلبية الأمريكية هي التي تعطي غطاء شبه كامل لمجرم الحرب وسفاح صبرا وشاتيلا ليواصل تنفيذ مشروعه الاجرامي ضد الكيان العربي كله وليس ضد لبنان فقط، على الرغم من التصريح الوحيد والفريد الذي اطلقه كولن باول وزير الخارجية الأمريكية قبل بضعة ايام، والذي اعرب فيه عن اعتقاده بأن إسرائيل بالغت في رد الفعل عندما اجتاحت مناطق في قطاع غزة ودمرت كل ماعليه من مظاهر للحياة، وهو التصريح الذي سارع البعض في الجانب العربي بالاشادة به والتهليل له متناسين ان في نفس التصريح ادانة واضحة للسلطة الوطنية الفلسطينية التي قال انها لا تبذل جهودا كافية لوقف الاعتداءات على إسرائيل، وحتى هذا التصريح الذي انسحبت القوات الإسرائيلية في اعقابه، تم في نفس الوقت تجاهله عندما قامت عصر ذلك اليوم باجتياح منطقة اخرى من مناطق السلطة الفلسطينية. لا تبقي ولا تذر في هذا الوقت الذي تتصاعد فيه النعرة العنصرية وتزداد ضد العرب في ارجاء إسرائيل، وتقف الى جانبها الادارة الامريكية الجديدة تأييدا صريحا وتغاضيا عن الاجرام، هل في مثل هذا التوقيت تطلق الدعوات لفصل المسارين السوري واللبناني؟، وهل هناك افضل من هذا التوقيت بالنسبة لإسرائيل التي تضغط بشدة لإنجاز هذا الفصل فيه؟ وهل تلك المظاهرات التي تندلع وتحمل في طياتها الشبهة الطائفية سوف تصب في النهاية في صالح القضايا اللبنانية والعربية عموما اذا ظل هذا التصعيد والاصرار على بلوغه اقصى مداه دون ان يلجم نفسه ولو لفترة مؤقتة؟ إن المؤكد هو ان لبنان أكبر بكثير من هذا الذي يجري فوق ترابه الوطني، أكبر بدوره وامكانياته، والأكيد ان هذا الذي يجري والذي قد يجر هذا البلد العربي الى صراعات هو في غنى عنها، في الوقت الذي لم يكتمل تحريره بعد من الاحتلال الإسرائيلي الذي ما زالت بقاياه في مزارع شبعا اللبنانية تحت سيطرة جيش الكيان الصهيوني، وفي ظل عدم نجاح لبنان في الحصول على التعافي التام من جراحات لا يزال يعاني منها رغم مرور اكثر من عشر سنوات على انتهاء مذبحة الصراع الأهلي المقيت. من المهم جدا في مثل هذا التوقيت العصيب ان يتحلى اللبنانيون بمساحة كبيرة من التسامح تمكن من البدء باجراء حوار وطني على أسس وطنية لا طائفية، وان يتفق الجميع على ابعاد أي نزعة قد تدخل بلادهم في متاهة صراع آخر لا يبقي ولا يذر، لم يحصد لبنان من سابقه الا علقما، في الوقت الذي لابد للاطراف المختلفة ان تحدد أولوياتها قبل بدء مثل هذا الحوار، وهي أولويات تحتاج الى اتفاق على وضع مصالح الوطن والشعب فوق كافة المكاسب المؤقتة، والتي لا تصب في النهاية الا في مصلحة أعداء لبنان الذين يتربصون بهذا البلد صاحب الدور المميز عربياً وإقليمياً. ـ كاتب مصري