رغم ان الموقف الراهن على الجبهة السورية ـ اللبنانية معقد، إلا انه لا يمكن اضافة وصف الغموض الى التعقيد، ويستطيع المراقب ان ينعته أي التعقيد بأوصاف من قبيل: الشديد، البالغ، الهائل.. الخ، إذ ان التعقيد الذي يغلف الموقف، لا ينفي وضوح أبعاده، وغايات أطرافه، والخيارات المتاحة أمام كل طرف، وصولا الى امكانية رسم سيناريوهات متعددة تتناول كافة الاحتمالات، ربما على وجه الحصر! ولعل رصد حركة الأحداث، منذ بدء الحملة الانتخابية في اسرائيل، والتي كانت ذروتها الدرامية تشكيل شارون للحكومة، يؤكد التلازم بين المغزى السياسي والاطار الزمني لسبع وقائع تتابعت في مشاهد متداخلة أقرب الى السيناريو المحبوك، ولا تعني محاولة الفصل بينها إلا الاتجاه عن عمد الى ممارسة سياسة دفن الرؤوس في الرمال. هرم من الوقائع الواقعة الأولى: تتمثل في تضمين شارون برنامجه الانتخابي هدفا محددا هو السعي لاجبار سوريا على وقف دعمها للمقاومة اللبنانية، ودفعها للخروج من لبنان، تمهيدا لتركيع النظام السوري، وارغامه على توقيع معاهدة سلام بشروط اسرائيل شارون. الواقعة الثانية: خاصة بتصعيد حكومة شارون لعمليات القمع الوحشي للانتفاضة الفلسطينية، وتلك الواقعة بالذات ممتدة في الزمان والمكان لتتقاطع مع كل الوقائع الأخرى وبما يعيد للأذهان صورة أقرب الى حملة «تكسير العظام» التي مارسها رابين، لكن المسألة هذه المرة كانت أقرب الى تكسير الأدمغة والارادات الفلسطينية والعربية في ذات الوقت، وليصبح تدمير البنية التحتية الفلسطينية بمثابة الخسارة الأقل! الواقعة الثالثة: تتعلق بالفيتو الأمريكي ضد مشروع قرار مجلس الأمن بشان حماية دولية للفلسطينيين، والذي تزامن مع انعقاد قمة عمان. الواقعة الرابعة: تتصل بالتصريحات المعادية التي أطلقها أكثر من مسئول في الادارة الأمريكية الجديدة، قبل وأثناء القمة العربية، وامتداح شارون والهجوم على بشار وعرفات، ثم ابان الاستعداد لاستقبال الرئيس مبارك والملك عبدالله في واشنطن، وتلازم ذلك مع استمرار تهديدات أركان حكومة شارون، وتصريحاته الاستفزازية ضد مصر، ومحاولة دق إسفين بينها وبين الأردن. الواقعة الخامسة: تتمثل في تصاعد الخلاف اللبناني ـ اللبناني حتى داخل الطائفة الواحدة حول الوجود السوري، وبافتراض مشروعية الاختلاف، فإن الأمور انزلقت سريعا باتجاه اعادة انتاج الطائفية، وتفريغ أجواء مواتية لعودة شبح الحرب الأهلية، ويكفي هنا الاشارة الى خروج نحو مائة ألف مسيحي (أثناء استقبال البطريرك) رافعين شعار المطالبة بخروج القوات السورية، وكان الرد بالمقابل خروج 300 ألف مسلم (بمناسبة يوم عاشوراء) من المؤيدين للوجود السوري رافعين شعارات مضادة! الواقعة السادسة: تتمثل في اعادة احتلال القوات الاسرائيلية ل250كم مربع من مناطق الحكم الذاتي في غزة والتي سبق تسليمها للسلطة الفلسطينية ورفض شارون المبادرة المصرية ـ الأردنية، مع ما يعنيه ذلك من تأثيرات سلبية على علاقة اسرائيل بالقاهرة وعمان. الواقعة السابعة: ضرب محطة الرادار السوري، ردا على عملية حزب الله، وللمرة الأولى يكون الرد على عملية من هذا النوع باستهداف موقع سوري، دون استهداف أحد مواقع الحزب، مع ما يعنيه ذلك من دلالات، لعل أخطرها ايقاظ كل خطوط التماس في المنطقة. ان الفصل عند التحليل بين هذه الوقائع يقود بالضرورة للتوصل الى نتائج خاطئة، تترتب على خطأ قراءة المقدمات المترابطة، لذلك فانه يتعين التعامل مع هذه الوقائع ككل مترابط، دون فصل أي مفردة من مفرداتها. حقائق موضوعية وحتى تأخذ الوقائع السبع حجمها وأبعادها الصحيحة، في ظل حالة احتقان الداخل اللبناني من جهة، وتصاعد حدة التوتر الاقليمي من ناحية أخرى، يتوجب وضعها في اطار عدد من الحقائق الموضوعية هي: ان المتغيرات التي شهدها الواقع العربي والاقليمي والدولي خلال المرحلة الأخيرة، لابد ان تحدث آثارها سلبا وايجابا على الساحة اللبنانية، والعلاقات السورية ـ اللبنانية، بما في ذلك انعقاد القمة العربية الدورية الأولى، والدعوة لقمة اقتصادية عربية، وتولي بوش، ومن قبله شارون و.. و.. إذ ان خصوصية لبنان بتكوينه وموازين القوى داخله، تجعله الساحة العربية الأكثر تأثرا بالخارج وتفاعلاته وأحداثه، بما تعكسه على مجريات الشان الوطني. انه كان من الطبيعي تماما ان تضع حكومة شارون برنامجها على المحك، سواء فيما يتعلق بالسعي لإرساء قواعد جديدة للتعامل في المنطقة، أو اختبار المدى الذي يمكن ان يذهب اليه النظام السوري بقيادة بشار الأسد، أو مدى التمسك بتلازم المسارين السوري واللبناني و.. و.. وكان الأمر يتطلب مجرد ذريعة، وجعل توقيت عملية حزب الله من تلك العملية الذريعة المناسبة لحكومة شارون. كان من المنطقي أيضا ان يتوقع المراقب ناهيك عن السياسي ان يقع اختيار شارون على أضعف حلقة في الواقع العربي لاختبار فرضياته بشأن محاولة التصعيد الاقليمي والتلويح بالحرب، ولبنان يمثل تلك الحلقة، خاصة في ظل تناقضاته من ناحية، والدراية الكاملة بتركيبته وجوانب ضعفها من ناحية أخرى، لذلك كان لبنان الأكثر تأهلا من وجهة نظر شارون لتوجيه رسالة واضحة للعرب، يؤكد فيها انه جاد في تنفيذ التهديدات التي حملها برنامجه الانتخابي! ثم ان الرفض السوري ـ اللبناني للعروض التي قايضت الوجود السوري في لبنان بالحماية السورية ـ اللبنانية لأمن شمال اسرائيل وكشف عنها مؤخرا الرئيس إميل لحود كانت بمثابة الفرصة الأولى والأخيرة التي (منحها) شارون لدمشق وبيروت «لفك الارتباط» بين الوجود السوري في لبنان، وأي حديث بشأن استراتيجية للمواجهة تظل احتمالا قائما ما دامت جهود التسوية السلمية مؤجلة. ان تدشين المرحلة الانتقالية التي يخطط شارون لفرضها على المنطقة، بهدف ارساء قواعد جديدة، تؤسس لواقع مختلف كيفيا، كان بحاجة الى (نقطة فاصلة) تضع حدا حاسما بين مرحلة انتهت، ومرحلة يجرى الاعداد «لفرضها»! وربما قادت حسابات شارون الى ان ما يجري على أرض فلسطين المحتلة، وما أطلقه من تصريحات معادية واستفزازية غير كاف، وانه لابد من ان يكون لآلته الحربية دور واضح ورادع في عملية التدشين! هكذا فإن التعاطي مع الوقائع السبع على ضوء تلك الخلفية من الحقائق الموضوعية التي تؤطر الموقف الراهن تقود الى تحديد دقيق للمتطلبات التي لا تكفل فقط ازالة عوامل الاحتقان الداخلي، وتخفيف حدة التوتر الاقليمي، ولكن أيضا امتلاك صيغة ارادة شراكة استراتيجية حقيقية بين سوريا ولبنان، على قاعدة توازن العلاقات بين القطرين، بما يضمن نزعا لفتيل الخلاف الذي تغذيه قوى في الداخل والخارج بين دمشق وبيروت، أو عودة شبح الطائفية ليخيم على المشهد اللبناني المأزوم. أربعة أصعدة وإذا كانت ملامح الموقف، ومعطيات الواقع الراهن، لا ترتبط بظروف التصعيد الاسرائيلي على الجبهة السورية ـ اللبنانية، فحسب، وانما أكبر من الظروف المحلية والاقليمية والقومية والدولية، تشكل في مجملها معالم المرحلة الراهنة، بما تمثله من تحد صارخ للواقع العربي في جملته الذي يحاول ان يتعافى، لكن تلك الظروف تؤثر على منظومته الفكرية، وتركيبته السياسية، وبنيته الاجتماعية ـ الاقتصادية، ومن ثم فاننا بصدد مرحلة تمثل المتغيرات فيها تحديدات وتهديدات تستلزم تعاملاً جادا على أربعة أصعدة. على صعيد الداخل السوري واللبناني: لابد من الاسراع بخطوات اعادة ترتيب البيت تماما في كلا القطرين، بما يؤهلهما للتعاطي مع الاستحقاقات الراهنة والمستقبلية، إذ ان جبهة داخلية قوية، تمثل ضمانة أساسية لمجابهة التهديدات والتحديات الاقليمية المتنامية. من ثم فانه لا يجب تأجيل خطوات الاصلاح السياسي والاقتصادي بزعم ان الأولوية يجب ان تكون لمواجهة التحديات المفروضة من الخارج، بل ان العكس هو الصحيح، مع الحرص على امتلاك خطاب وطني قومي يوحد التوجهات والصفوف، ويوازن بين الامكانات والممكنات. على صعيد العلاقات السورية ـ اللبنانية: بات على القيادتين المسئولتين في دمشق وبيروت السعي باتجاه توفيق أوضاع الوجود السوري، وبحث آليات وتوقيتات ومراحل عملية اعادة انتشار القوات السورية في لبنان. على الصعيد العربي ـ الاقليمي: أصبح على الأقطار العربية خاصة مع ميلاد القمة الدورية ان تعترف بان المخاطر التي تهدد أي قطر عربي تهدد الأقطار الأخرى، ويفرض ذلك الفهم ترجمة الارادة العربية الى مبادرات واجراءات، تدعم الجبهة السورية ـ اللبنانية. على الصعيد الاقليمي الدولي: لابد من الانتباه الى ان غياب السلام كخيار استراتيجي في البيان الختامي لقمة عمان، لابد ان يتوازن معه تحرك عربي على الصعيدين الاقليمي والدولي، لمواجهة تداعيات الأزمة التي يصعدها شارون على الجبهة السورية ـ اللبنانية، عبر تفعيل قرارات قمة عمان اقليميا ودوليا، على المستويين الدبلوماسي والاعلامي في ظل الانحياز الأمريكي السافر الداعم لاستفزازات شارون، ان شارون لن يكف عن تهديد الاستقرار في لبنان، إلا عندما يدفعه الى (الحالة) التي تحقق اهداف اسرائيل بعيدة المدى في ايقاد نار الطائفية من جديد، لان استقرار لبنان يثبت صواب نظرية تعايش الأديان، ويسقط نظرية الدولة القائمة على أساس ديني (حالة اسرائيل) وعدم استقرار لبنان بالتالي يقدم ذريعة لاسرائيل لنقض نظرية الدولة الفلسطينية الديمقراطية في المنظور الاستراتيجي، ومن ثم فإن لعب شارون بورقة الوجود السوري يحمل في طياته أكثر من استعادة قوة الردع، أو مجرد تحقيق مكاسب مرحلية تتعلق باجبار سوريا على الخروج من لبنان، أو فصل المسارين السوري واللبناني فالأمر يتعلق استراتيجيا بانجاز أهداف عديدة تصب في خانة دعم المشروع الصهيوني القديم في صورته النقية! والذي عاد شارون ليبث فيه الروح من جديد! وفي المحصلة النهائية، فإن تحرك شارون لتسخين الجبهة السورية ـ اللبنانية محكوم بثلاثة مفاهيم: الأول: ان الصراع العربي ـ الصهيوني صراع حدود. الثاني: ان ثمة تفريطاً مارسته الحكومات السابقة وآن الأوان لوقف هذا التفريط (!) الثالث: ان المستهدفات المرحلية لا يجب ان تغيب الغايات الاستراتيجية، لذلك فإن تغيير قواعد اللعبة ليس لمجرد التغيير أو التجديد، فهل يقرأ العرب الرسالة قراءة صحيحة، ويبادرون بالرد؟ ـ كاتب مصري