لا يخفى على أحد فى لبنان على اختلاف طوائفه حقيقة الأطماع الإسرائيلية القديمة والحديثة ضد لبنان، كما يدرك الجميع أن أيدى إسرائيل كانت وراء الحرب الاهلية فى لبنان، والتى دامت لأكثر من سبعة عشر عاما باعتراف (ديفيد كيمحى) رجل الموساد القديم ومساعد وزير الخارجية الإسرائيلية فى حكومة حزب العمل. فقد أعربت حكومة شارون على لسان وزير دفاعها (بنيامين بن اليعازر) (أن قواعد اللعبة تغيرت)، وهو ما يعني تراجع إسرائيل عن سياسة باراك التى أدت الى الانسحاب من جنوب لبنان، وأن هناك احتمالات قوية لاعادة احتلال الجنوب اللبنانى. يدعم هذا الاستنتاج تصريح آخر صدر عن (رعنان جبستى) المتحدث الرسمى الإسرائيلى الى اذاعة الجيش الإسرائيلى انتقد فيه قرار ايهود باراك بالانسحاب من جنوب لبنان، حيث أدى هذا الانسحاب فى زعمه الى (تآكل قوة الردع الإسرائيلية ليس فقط فى لبنان، ولكن فى كل العالم العربى). بل إن (رعنان) ذهب الى استنتاجاته في أن هذا الانسحاب هو الذى شجع الفلسطينيين على القيام بالانتفاضة. كما لم يعد خافيا على أحد تلك المعلومات التى تسربت من واشنطن عقب زيارة شارون الأخيرة لها، والتى تفيد بأنه عرض على الادارة الأمريكية خطتين: الخطة الأولى: تستهدف شن عملية عسكرية واسعة فى جنوب لبنان ضد قواعد حزب الله فى جنوب لبنان، يستهدف ضمنا الوجود العسكرى السورى فى لبنان بهدف اجبار سوريا على سحب قواتها من هناك، وبذلك تتخلص لبنان من الضغوط السورية المفروضة عليها، وبما يهيئ الظروف لاقامة حكومة جديدة فى لبنان يمكنها أن توقع معاهدة سلام مع إسرائيل، وهو ماينزع من سوريا ورقة الضغط اللبنانية، ويجبر دمشق بالتالى على الجلوس الى مائدة المفاوضات وتوقيع معاهدة سلام طبقا للشروط الإسرائيلية. وبالطبع لم يجد شارون صعوبة فى اقناع الادارة الامريكية بخطورة الدور الذى يؤديه حزب الله دعما لما يسمى بـ (الارهاب)، وانه بدأ تنسيقا واسعا مع المنظمات والحركات الفلسطينية التى تقود الانتفاضة مثل حماس والجبهة الشعبية والجهاد وتهريب الأسلحة إليهم، بل ذهب شارون فى اتهاماته لحزب الله بانه أحد أذرع تنظيم القاعدة الذى يقوده بن لادن من افغانستان، وله اتصالات واسعة مع المنظمات الارهابية فى أمريكا الوسطى والجنوبية والتى تهدد الأمن الامريكى فى عقر داره. الخطة الثانية: وهى أشمل وأوسع، حيث تستهدف شن حرب اقليمية فى منطقة الشرق الأوسط، تكون سوريا ولبنان مسرحها الرئيسى وقد تمتد الى العراق. وتكون ثمارها فى الرؤية الإسرائيلية تدمير القوة العسكرية السورية فى لبنان وداخل سورية، وذلك من خلال ضربات جوية وصاروخية ضد الأهداف العسكرية الاستراتيجية فى سوريا وأبرزها القواعد الجوية والوحدات الصاروخية ووحدات الدفاع الجوى ومنشآت البنية العسكرية فى سوريا دون التورط فى عمليات برية ضد سوريا، وقصر هذه العمليات على جنوب لبنان والوجود السوري فى البقاع. مع الاستعداد لتوجيه ضربات جوية وصاروخية ضد كل من ايران والعراق فى حالة تدخل أى منهما لصالح سوريا، وبما يقضى أيضا على البنية الاساسية العسكرية خاصة الصاروخية والنووية لايران. وبذلك يمكن تخليص لبنان من النفوذ السورى، واخضاع سوريا واجبارها على توقيع معاهدة سلام، وضمان وجود نظام موال لإسرائيل فى لبنان، واجهاض المشروعات النووية والصاروخية فى ايران والعراق. الذرائع الإسرائيلية ومن الواضح انه لن يصعب على إسرائيل خلق الذرائع لتنفيذ أى من الخطتين، سواء نتيجة العمليات العسكرية التى يمارسها حزب الله ضد إسرائيل فى مزارع شبعا، ودعم سوريا وايران لهذا الحزب، أو نتيجة استغلال لبنان لمياه نهر الوزانى. وما العملية التى قامت بها إسرائيل ضد محطة الرادار السورية فى (ضهر البيدر) الا بداية لتسخين الجبهة اللبنانية، وفى اطار ماأطلقت عليه إسرائيل (قائمة جديدة بالاثمان التى ستدفعها سوريا). كما أن حشد الوحدات المدرعة الإسرائيلية فى منطقة الحدود مع لبنان، وتزايدها يوما بعد يوم يوحى بان هناك مخططا على وشك التنفيذ. ولا يعنى سرعة تدخل واشنطن بالاتصالات مع القيادات السورية واللبنانية بدعوى ضبط النفس، ومطالبة شارون بالانسحاب من الاراضى الجديدة التى احتلها فى قطاع غزة.. لا يعنى هذا أن ادارة بوش لم توافق على مخططات شارون، أو أنها امتنعت عن اعطائه الدور الأخضر مع بعض التحفظات حتى لا يتورط فى حرب على نمط حرب 1982، وسواء وافقت واشنطن أو لم توافق، مع تحفظات أو بدون تحفظات، فمن المعروف أن شارون لا يعطى اهتماما كثيرا لمثل هذه الأمور حتى يقرر المضى قدما فى مخططاته التوسعية التى انسحبت بها فترات توليه المسئولية فى إسرائيل. مما لا شك فيه أن تدهور الأوضاع السياسية فى لبنان حاليا بين الفرقاء والأحزاب والطوائف المختلفة فى لبنان، والتى انقسمت بين داعين لانسحاب القوات السورية من لبنان، وآخرين مؤيدين بقاءها، وذلك على نحو مفاجئ خلال الأسابيع الماضية ودون أسباب حقيقية تستدعى اثارة هذه القضية الخامدة منذ سنوات، لا شك أن ذلك يؤكد وجود أياد إسرائيلية وراءها، تسعى الى اعادة تأجيج نيران الحرب الاهلية مرة أخرى، وبمايساعد إسرائيل على تنفيذ مخططاتها السابق ايضاحها، كما لا يمكن استبعاد أيادى إسرائيل عن الطرد الملغم الذى أرسل الى احد النواب المحسوبين على الزعيم الدرزى وليد جنبلاط المنادى بإعادة انتشار القوات السورية كما نص على ذلك اتفاق الطائف، حتى توجه أصابع الاتهام الى سوريا، ويزداد الموقف الداخلى فى لبنان اشتعالا. وفى هذا السياق يمكننا أن نفهم كيف يمكن لإسرائيل بأساليب غير مباشرة أن تثير الزعيم الدرزى وليد جنبلاط ضد سوريا، واضعين فى الاعتبار الشريحة الدرزية الكبيرة المتواجدة فى إسرائيل، وادراك إسرائيل للحساسية البالغة التى تولدت لدى جنبلاط ضد دمشق بعد غياب الرئيس الراحل حافظ الأسد، وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وحيث يعتقد جنبلاط انه لم يعد يحتل المكان الملائم له فى دمشق بعد أن اعطت القيادة السورية الجديدة الأولوية فى تعاملها فى لبنان مع المؤسسات الشرعية وعلى رأسها الرئيس لحود، ورئيس الحكومة الحريرى، ورئيس مجلس النواب برى، خاصة فى ضوء التحالف السورى الشيعى (أمل وحزب الله) الذى يتمتع بتأييد ايران والتى تقيم شراكة استراتيجية عميقة مع سوريا. لذلك جاء تحرك جنبلاط الأخير بمثابة اعلان عن أزمة ثقة بينه وبين دمشق. غزتها إسرائيل وألقت على الأزمة المشتعلة مزيدا من الزيت عندما اثارت أيضا بأساليب غير مباشرة الطائفة المارونية وزعيمها البطريرك صفير الذى تبنى موقفا مؤيدا لجنبلاط فى ضرورة انسحاب القوات السورية من لبنان، وتحرير القرار السياسى اللبنانى من الضغوط السورية. وأكثر ما أثار استياء وغضب دمشق من تصريحات جنبلاط انها امتدت الى الداخل السورى سواء فى التوجه الى المثقفين السوريين الذين بدأوا حوارا حول الديموقراطية فى سوريا، أو فى مخاطبة الشريحة الدرزية فى سوريا. احتواء الأزمة لقد أحسن الرئيس لحود فى سعيه لاحتواء الأزمة، وذلك باجتماعه بجميع الأطراف المشتبكة فى هذه الأزمة لاطلاعهم على خطورة الموقف الداخلى والخارجى الذى تواجهه لبنان بسبب هذه الأزمة الداخلية، ومايمكن أن تؤدى اليه من تجدد الحرب الأهلية التى أتت على الأخضر واليابس فى لبنان طيلة سبعة عشر عاما. كما أطلعهم الرئيس لحود على ماكشفت عنه الأجهزة الأمنية حول وجود شبكات تجسس وتفجير وتخريب تعمل لصالح إسرائيل فى بعض المناطق تستهدف اثارة الفتنة بين الجميع. لذلك كان قرار الرئيس لحود، يؤيده فى ذلك رئيس مجلس النواب نبيه برى، أن الوقت غير ملائم اطلاقا لاثارة قضية التواجد السورى فى لبنان لأن ذلك يخدم إسرائيل فى الأساس.. كما أبدى الرئيس لحود تحفظه على مناقشة العلاقات اللبنانية السورية فى وقت تمارس فيه بعض الأطراف اللبنانية ضغوطا سياسية على الرئاسة والحكومة فى لبنان، تتمثل فى شعارات ترفع لتسيء للعلاقة بين البلدين.. مثل حرية القرار اللبنانى، والسيادة اللبنانية، واقامة نظام فيدرالى فى لبنان فى مواجهة طموحات حزب الله لاقامة دولة شيعية فى لبنان خلال بضع سنوات.. الى غير ذلك من الشعارات التى توسع هوة الخلاف والنزاع سواء بين لبنان وسوريا، أو بين الطوائف المختلفة داخل لبنان. لذلك اعتبر الرئيس لحود انه شخصيا ولا جهة أخرى فى لبنان المسئول عن الملف السورى بكل تفاصيله، ويؤيد لحود فى ذلك كل من نبيه برى والحريرى. أما فيما يتعلق بمطالبة جنبلاط بفتح حوار وطنى، فقد أوضح الرئيس لحود انه لا توجد حاجة ماسة حاليا الى حوار وطنى جديد، طالما انه منفتح كليا على جميع الأطراف، ويجرى هذا الحوار دوريا معهم وفى أى وقت يشاءون، لاسيما وانه ليس لديه مايخفيه، فسياسته، الخارجية والداخلية معلنة ومعروفة للجميع، حيث تصب كلها فى صالح لبنان وتوحيد صفوفه فى مواجهة العدو الإسرائيلى المتربص، ومواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة. هذا بالاضافة لسعى الرئيس لحود لازالة الخلاف العالق بين جنبلاط ودمشق من جهة، وبين البطريرك صفير ودمشق من جهة أخرى، وذلك من خلال ترتيب زيارات لهما الى دمشق، وهو مالا تمانع فيه دمشق اذا ماتم من خلال الرئيس لحود وبواسطته. ويبدو أن الولايات المتحدة لا تؤيد إسرائيل فى مطلبها حاليا بانسحاب القوات السورية من لبنان، وبالتالى لا تؤيد مطالب الفرقاء اللبنانيين المطالبين بذلك حفاظا على استقرار الأوضاع فى لبنان وحتى يتم تسوية الملفات اللبنانية والسورية فى عملية السلام. ولكن مع رفض الولايات المتحدة والدول الأوروبية ارسال أى قوات تحت غطاء الأمم المتحدة الى منطقة الشرق الأوسط، وهى السياسات المعلنة لادارة الرئيس بوش، تبقى هناك احتمالات كثيرة لمطالبة واشنطن الدول العربية لارسال قوات من لديها لتأمين استقرار الأوضاع فى لبنان. ـ خبير استراتيجي مصري