لم تكن الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت في ابريل 1975 الحرب الأولى التي يعاني منها لبنان، فالحروب الأهلية اللبنانية جنت الويلات وحصدت الآلاف من الأرواح. ولكن في الحرب الأخيرة بدأت ترتسم أيديولوجيات لم تكن متواجدة قبل ذلك، فالصراع الطائفي اللبناني، تداخل مع الصراع الفكري هذه المرة، ونتيجة ذلك فقد أفرز هذ الصراع قوى سياسية جديدة لم تكن لتوجد أصلاً لولا الحرب الأهلية المؤلمة، وبذلك أصبحت الساحة الوطنية ملاعب مليئة بالتناقضات في مجمل ظروفها السياسية التي أدت إلى إشعال ذلك الاقتتال الطائفي والأيديولوجي، وصارت صورة الوطن تتعلق برمز الأرزة وعدد فروعها ولكنها غالباً ما كانت مروية بدماء أبناء لبنان. ومع انتهاء الحرب الأهلية واتفاق الطائف بدأت الموازين السياسية تتغير وبدأت الحياة تعود إلى عروق المواطن اللبناني الذي كره سنوات الحرب وكره نفسه أحياناً وهي المعرضة لخطر دائم، ولكن هذا الانتهاء من الحرب ارتبط بنوع آخر مختلف تماماً عن الحرب الطائفية وهو احتلال الجنوب اللبناني وسيطرة القوات الإسرائيلية عليه، مما وضع الجميع في حالة سؤال دائم عن واقع الاحتلال واحتمال بقائه في الجنوب المحتل، وعندها بدأ الشعور العام يأخذ منحى جديداً في الفكر والممارسة وصار السجال السياسي مرتهناً بواقع الاحتلال من خلال سلم الأولويات ومن خلال المحاولة الدائمة لكل الفئات بعدم إثارة الهدوء النسبي الذي سيطر على لبنان بشكل عام إلا من جهة الجنوب، وبدأ لبنان يعيد مؤسساته ويشرعن قانونه وينظر بشكل مباشر إلى العدو وهو إسرائيل دون سجال واضح في المسائل الأخرى كي لا تتهم بعض الفئات بالهروب من المواجهة الرئيسية مع العدو. نمطية الديمقراطية وما كادت القوات الإسرائيلية تندحر تحت ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية حتى بدأت الحملة الانتخابية للبرلمان اللبناني، وترسخت صورة هذه الحملة مع بداية سبتمبر 2000 بحالة الإنهاك التي أصابت المواطن نتيجة حمى الانتخابات المحمومة والتي أعادت بشكل ما أسلوباً من أساليب الصراع السياسي، فظهرت إشكالية الخطاب الطائفي مرة أخرى وبدأت أساليب المصطلح الحربي تطغى على الساحة الانتخابية اللبنانية، وهنا ورغم التهدئة التي حصلت بعد الانتخابات بدأت تنكشف على الساحة المرهقة إخفاقات جديدة تتركز بنمطية الديمقراطية التي تسيطر بشكل متميز على المجتمع، وتميز هذه الديمقراطية بالأساس هو تميز نسبي عن الديمقراطيات العربية، ولكنه في الواقع هو نمط قائم على الطائفية التي ما تكاد تختفي عن الخطاب السياسي أو لنقل تتستر عليه إلا وتعود من جديد ضاربة عرض الحائط بالمجتمع المدني الذي لم يستطع حتى الآن قبول صورة الآخر بشكلها الآني. بل لعل هذه الصراعات المخبأة بستار الديمقراطية كان يراد منها عند بعض الفئات اللبنانية أن تتأصل طائفياً وليس مدنياً كما كانت تدعي. وهذا بالطبع لا يمكن وصفه الآن بالحالة الطارئة بل هو في الواقع يظهر زمنياً بين فترة وأخرى ومن قبل بعض الفئات اللبنانية التي لم تعد ترضى بوجودها الحالي ضمن التركيبة الطائفية المعترف بها رسمياً منذ العشرينيات من القرن الماضي والمؤصلة إلى الآن في توزيع الأدوار المؤسساتية، وبذلك ارتسمت خطوط صورة قديمة ولكنها الآن مرتهنة بدور واضح للمرجعية الدينية في لبنان وبدعوات كنسية أشد وضوحاً من أية دعوات دينية أخرى، بل لعلها أشد تأثيراً من التداخلات الأيديولوجية المتشعبة بوضوح، وظهرت هذه المرة لتشكل سجالاً حول الوجود السوري في لبنان. إن تشكيل مجموعة من الصور يمكن أن يؤلف مشهداً عاماً للحالة اللبنانية لن نبدأها إلا من الصورة الأولى للحرب الأهلية وانخراط جميع الأطراف فيها بما فيها فصائل الثورة الفلسطينية التي كانت متواجدة آنذاك، ومن ثم حصار بيروت عام 1982 والاحتلال الإسرائيلي للبنان وخروج المقاومة الفلسطينية واستمرار الحرب الأهلية واتفاق الطائف وتحرير الجنوب وانتخابات ما بعد التحرير (البرلمانية) والآن السجال القائم حول الوجود السوري في لبنان. وبهذه المشهدية تبدو حبكة الاستقرار مأزومة ومرتهنة بنمط التفكير الطائفي والسعي لتوازنات أراها غريبة جداً، فالمقاومة الوطنية اللبنانية ولنقل (الاسلامية) استطاعت عبر ضرباتها الموجعة لإسرائيل تحرير الجنوب اللبناني من براثن العدو الرئيسي ليس للبنان وحده بل للأمة العربية، وهذا التحرير أعطى دفعاً قوياً عربياً ولبنانياً للطوائف الإسلامية في لبنان، ويظهر أن البطريركية المارونية وجدت نفسها في فراغ جماهيري أمام المد الشعبي الذي اكتسبه حزب الله فوجدت وسيلة لإثبات الوجود وإعادة فاعليتها على الساحة اللبنانية بإثارة موضوع التواجد السوري في لبنان ومحاولة بذلك أن تنطلق من البطريركية المارونية ذات القوة الواضحة بين المسيحيين. ولكن ذلك لم يكسبها التأييد الشعبي بل برزت على آلساحة ردات فعل حقيقية شهدها لبنان بالتجمع الذي أقامته البطريركية المارونية لاستقبال نصر الله صفير في نهاية مارس وما حصل في هذا التجمع، وما حمل من معان قابله تجمع شعبي في عاشوراء وتصريحات الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مع تصريحات مفتي الجمهورية محمود رشيد قباني الداعية إلى ضرورة الوجود السوري وحاجة لبنان إليه، وأدرك نصر الله صفير أنه ليس الوحيد على الساحة اللبنانية لا دينيا ولا سياسياً فخفف من حدة تصريحاته وعاد مرة أخرى ليدعو إلى الحوار بل لمح إلى زيارة دمشق أثناء استقبال البابا فيها. محاولات التهدئة وهذه النقطة بالذات لم ترض طرفاً آخر يجب أن يكون بعيداً عن الطرفية وهو إسرائيل التي تدخلت في لبنان سابقاً من خلال احتلالها للجنوب ومن خلال ما يسمى بجيش لبنان الجنوبي الذي انحل بعد التحرير، وإسرائيل لا يمكن لها أن ترضى بحملة التهدئة التي قادتها أطراف معتدلة، إضافة إلى المؤسسات الحكومية التي اعتبرت نفسها مسئولة عن الوجود السوري ومسئولة أيضاً عن حملة التهدئة بين الأطراف جميعها، وظهر ذلك من خلال تأكيدات الرئيس اللبناني اميل لحود وبقوله ودعوته: «لنبذ التفرقة والتشنج وإلى مزيد من التضامن والتآخي لدعم الوحدة الوطنية والتعاون لمعالجة المشكلة الاقتصادية والاجتماعية». إذن ظهور مشهد جديد على الساحة اللبنانية يدعو إلى الحوار لا يمكن أن تستوعبه إسرائيل وهي التي سعت إلى انفجارات طائفية سياسية كثيرة في لبنان وأرضاها بداية المشهد المتأزم لبنانياً، ولم تجد أمامها سوى فتح جبهة جديدة لعلها تعيد إشعال الأزمة فكانت ضرباتها على الرادار السوري في لبنان وتحديداً في منطقة ضهر البيدر. ولعل دلالة المكان الجغرافي لها شأن أيضاً، فضهر البيدر هي النقطة التي ينص اتفاق الطائف على تمركز القوات السورية فيها. وإذ تفتح إسرائيل جبهاتها على لبنان وسوريا وفلسطين فإنها تسعى جاهدة لإيجاد صيغة جديدة تحاول من خلالها إشعال سجال جديد، ليس بين سوريا ولبنان وبين الفئات اللبنانية المختلفة بل بين اللبنانيين أنفسهم المختلفين على تواجد الفلسطينيين في لبنان وبعض الدعوات التي ترى في تواجدهم خطراً حقيقياً على لبنان بل قنبلة موقوتة كما عبرت عنها بعض الفئات. وحكومة شارون اعتقدت بل جزمت بأن إشعال النار على الجبهات المختلفة سيؤدي إلى اختلاف الآراء كحد أدنى، خاصة أنها اعتبرت الضربة على الرادار السوري رسالة لسوريا كي تكف عن دعم حزب الله كما أوضح وزيرها شيمون بيريز حين قال عن الاعتداء الإسرائيلي: «هو رسالة موجهة إلى السوريين في لبنان الذين منعوا انتشار الجيش اللبناني على الحدود»، واعتبرها شارون رسالة واضحة على عملية حزب الله الأخيرة في مزارع شبعا. التأجيج الاسرائيلي ولكن هذا لا يعني أن إسرائيل أرادت ذلك فقط من خلال هذه الضربة، بل انها سعت حقيقة لتأجيج الاختلاف كما يرى محللوها العسكريين ومنهم إليكسي فيشمان الذي قال في صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية متحدثاً عن هذه الضربة: «هو توسيع الشرخ القائم في المجتمع اللبناني بخصوص استمرار الوجود السوري في لبنان»، وهذا الرأي كان حقيقة ما يحمله شارون من تصعيده المواقف وعلى كل الجبهات. إن الموقف الإسرائيلي بات واضحاً وجلياً بل لعله الأوضح من كل المواقف، فإسرائيل لا تعتدي على القوات السورية بل تعتدي على العرب جميعهم، والتصعيد الذي يمكن أن يتأزم في لبنان لا يضر سوريا ولبنان فقط بل إنه سيودي إلى الضرر على كل العرب، وغرق لبنان بمسائل داخلية في هذا الوقت بالذات يعني وبشكل غير مباشر انصباب جزء من الاهتمام العربي في مسألة الصراع الداخلي اللبناني مع أن الصراع الحقيقي ضد إسرائيل ما زال قائماً سواء في الأراضي الفلسطينية أو حتى اللبنانية، والمشكلة التي لا يمكن أن يتجاهلها أحد هي مشكلة الوجود الإسرائيلي وجرائمه ضد الشعوب العربية. وفي هذا طلب مباشر لكل العرب بالوقوف ضد إسرائيل بكل الوسائل المتاحة، وطلب ملح لكل القوى اللبنانية أن تتوقف عن سجالها الدائر الذي يمكن أن يدفع لبنان إلى الانقسام الوطني والتجزئة والتخوف بعودة الحرب الأهلية، رغم أن المؤشرات والواقعية السياسية لا تشير الآن إلى احتمال نشوبها كون معظم الأطراف تعرف عواقبها وتعرف حتمية خسارتها. إن الحوار الوطني اللبناني والمصارحة والواقعية وإعطاء المؤسسات اللبنانية الحكومية دورها الحقيقي هو من أولويات الهم الوطني. فلبنان يمتلك مؤسساته وحكومته ومجلس نوابه وهو في غنى عن مناقشة مواضيعه من خلال أشكال الانتماءات الطائفية، ناهيك عن الأزمة الاقتصادية التي تعترف بها جميع الأطراف وهي هم ليس بالقليل خاصة إذا علمنا أن الأزمة الاقتصادية هي الدافع الأول والأخير للهجرة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان والذي هو بأمس الحاجة إلى أبنائه. ـ كاتب فلسطيني