يواجه لبنان تحديات داخلية وخارجية صعبة للغاية وذلك على الرغم من أن الحرب الأهلية قد توقفت فعلياً منذ أواخر الثمانينيات، ولكن تفاعلات الحرب في المجتمع اللبناني قد ظلت مستمرة وقائمة، الأمر الذي انعكس بصورة عدم، استقرار على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فاللبنانيون على اختلاف طوائفهم ومشاربهم لا يزالون حتى الآن يتجادلون ويخوضون سجالاً سياسياً واسعاً حول عدم تطبيق كامل بنود اتفاقية الطائف التي أوقفت الحرب الأهلية وأدخلت لبنان في مرحلة السلم الأهلي. وفي الوقت الذي يركز فيه الجانب المسيحي ـ الماروني على ضرورة اعادة انتشار القوات السورية تمهيداً لانسحابها من لبنان، وذلك تنفيذاً لأحد البنود البارزة والواردة في اتفاق الطائف، فإن الطرف الإسلامي يؤكد أن هناك حاجة ماسة إلى تطبيق كل بنود اتفاق الطائف، لا أن يتم اختيار بند بعينه والمطالبة بتنفيذه، على أساس أن الاتفاق هو وحدة سياسية متكاملة ولابد من التعامل معه على هذا الأساس. وجاءت الذكرى السادسة والعشرون لبدء الحرب الأهلية في لبنان، والأجواء السياسية السائدة على الساحة اللبنانية مشحونة بالانقسام والتوتر، حتى أن الكثير من اللبنانيين أجرى مقارنة بين الأجواء التي سبقت نشوب الحرب الأهلية في العام 1975 وبين الأجواء الراهنة التي يعيشها لبنان والناجمة أساساً عن تزايد الأصوات المطالبة بانسحاب القوات السورية. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري طمأن اللبنانيين بأن الأوضاع العامة في البلاد تسير نحو التحسن في كل المجالات، إلا أن العدوان السافر والمفاجيء الذي شنته إسرائيل مؤخراً على موقع تابع للقوات السورية في لبنان قد أثار الكثير من المخاوف والهواجس لدى مختلف الأوساط اللبنانية، ودفعها إلى التساؤل عمّا إذا كانت صفحة الحرب الأهلية قد طويت بالفعل، وعمّا إذا كان الخطر الإسرائيلي على لبنان قد زال في أعقاب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب والبقاع الغربي العام الماضي تحت ضربات المقاومة؟ تأثيرات قوية وفي معرض الإجابة عن هذا التساؤل المشروع، فإن الأنظار تتجه بالفعل إلى تلك التأثيرات القوية والمباشرة التي أحدثتها الحرب الأهلية على المجتمع اللبناني وعلى لبنان كدولة، إذ أنه مع استمرار الجدل حول بنود اتفاق الطائف، فإن هناك الكثير من الأوساط التي تعرب عن مخاوفها من أن تؤدي التطورات الإقليمية الجارية في الشرق الأوسط إلى جعل لبنان من جديد ساحة للصراعات والمواجهات العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية. وقد عزز هذه المخاوف العدوان الإسرائيلي الذي استهدف مؤخراً أحد مواقع القوات السورية في لبنان. فهذا العدوان اعتبرته مختلف الأوساط اللبنانية بأنه مؤشر واضح وقوي على أن إسرائيل لا تزال تمارس سياسة التهديد والعدوان ضد الشعب اللبناني، وبالتالي فإن هذا الوضع من شأنه أن يزيد من صعوبات معالجة الأزمة الداخلية على الصعيدين السياسي والاقتصادي. فحتى الآن لم يتمكن اللبنانيون من إلغاء وتجاوز الطائفية السياسية على الرغم من هذه السنوات الطويلة التي مرت حتى الآن على توقف الحرب الأهلية، ولا تزال الانقسامات الطائفية والمذهبية تعصف بلبنان، وهي إحدى نتائج وإفرازات الحرب الأهلية، كما أن الوضع الاقتصادي المتردي الذي يمر به لبنان الآن، يعد هو الآخر المعبر الواضح والدقيق عن استمرار تفاعلات الحرب الأهلية التي ألحقت الكثير من الدمار والخراب بالمنشآت الاقتصادية العامة والخاصة على السواء. وإلى جانب ذلك، فإن غياب السلام العادل والشامل عن منطقة الشرق الأوسط، يجعل لبنان واللبنانيين في حالة قلق دائم، لأن هناك شعوراً عاماً لدى الشعب اللبناني مفاده أنه طالما استمرت الحروب والصراعات بين العرب وإسرائيل، فإن لبنان، وهو الحلقة الأضعف، سيظل مرشحاً لأن يدفع ثمن مثل هذه الصراعات، سواء في عدم تحقيق الوفاق الوطني والاستقرار الداخلي المنشود أو في بقاء الوضع الاقتصادي في دائرة الأزمة. وتجري في لبنان الآن محاولات حثيثة وجادة من أجل الخروج من هذه الحالة. ولكن الأمر يصطدم دوماً بالسياسة الإسرائيلية التي تمارس الآن أقصى درجات التصعيد، الأمر الذي يجعل الساحة اللبنانية مفتوحة على كل الاحتمالات الخطرة. ويشير العديد من رجال السياسة والاقتصاد في لبنان إلى أن غياب السلام العادل والشامل عن منطقة الشرق الأوسط يشكل بالفعل التحدي الأبرز الذي يواجه لبنان خلال هذه المرحلة. وعندما يؤكد رئيس الوزراء اللبناني ـ رفيق الحريري ـ بأن لبنان يريد السلام ويعمل لأجله ولكنه لا يراهن عليه، فإن الأمر يبدو نوعاً من الهروب إلى الأمام، لأنه يثبت عملياً وواقعياً أن لبنان لن يكون قادراً على استعادة دوره المالي والاقتصادي في المنطقة. ما دامت هذه الأخيرة تعاني من الحروب والصراعات، وتفتقر إلى السلام العادل والشامل. تلازم المسارين وهذا يقود بالتالي إلى تأكيد أهمية استقرار التلازم بين المسارين اللبناني والسوري، لأن لبنان لا يستطيع أن يدير ظهره لسوريا، كما أن دمشق غير قادرة على تجاهل الوضع اللبناني، وهي التي تمتلك نحو 35 ألف جندي في لبنان. وعندما يؤكد اللبنانيون أن الوقت لم يحن بعد لانسحاب القوات السورية، فإنهم بذلك يعيدون صياغة معادلة الوضع الداخلي من خلال المعادلة الإقليمية نفسها. ذلك أن إسرائيل تريد أن تفصل لبنان وتعزله عن سوريا بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة، لأنها ترى أن الهزيمة النكراء التي لحقت بها في جنوب لبنان العام الماضي كانت من جراء التلازم الفعلي القائم بين المسارين السوري واللبناني، ونجاح سوريا في احتضان المقاومة اللبنانية كمشروع وطني وقومي لتحرير الأرض المحتلة. وعندما يتحدث الإسرائيليون الآن عن تغيير قواعد اللعبة في لبنان، فهذا معناه العودة إلى سياسة التدخل والتهديد السابقة التي مارسوها طيلة الـ 25 سنة الماضية. وهذا من شأنه أن يبقي الوضع اللبناني الداخلي مفتوحاً من الناحيتين السياسية والأمنية، الأمر الذي يمكن أن يقود إلى تفاعلات دراماتيكية خلال المرحلة المقبلة. ذلك أن الاستثمارات الإقليمية والدولية الضخمة لن تأتي إلى لبنان، إذا ما استمر الحال على ما هو عليه الآن، بدليل أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة قد عجزت عن عقد مؤتمر دولي للدول المانحة، من أجل تقديم المساعدات المالية والاقتصادية المطلوبة لإعادة إعمار لبنان، ولا سيما إعادة إعمار منطقة الجنوب المدمرة. وعلى الرغم من أن الأوهام لا تساور اللبنانيين في هذا السياق، إلا أن المحاولات المكثفة التي تقوم بها حكومة رفيق الحريري لاستعادة دور لبنان الاقتصادي والمالي على الصعيد العربي، وقد تخطت بعض العقبات، لكنها لم تستطع أن تجذب الرساميل العربية وعلى نطاق واسع إلى ممارسة نشاطها الواسع في لبنان وبالشكل المطلوب. الأمن والاستقرار وثمة من يؤكد أن لبنان يحتاج أكثر ما يحتاج خلال هذه المرحلة إلى تثبيت معادلة الأمن والاستقرار الداخلي، لأنه في ظل تعرض الوضع الداخلي لسلسلة من الهزات والانكسارات، وهو من نتاج الحرب الأهلية، فإن الساحة اللبنانية ستظل عرضة للكثير من الانقسامات والتفاعلات التي قد تصل إلى حد المواجهة العسكرية والدموية من جديد. ومن المؤكد أن اضطراب الوضع الإقليمي ودخول إسرائيل بهذا الشكل الاستفزازي على خط الأزمة اللبنانية الداخلية، يحمل في طياته الكثير من الأخطار والتهديدات المحدقة بلبنان. وإذا كان لبنان غير قادر على تحمل تبعات هذه المرحلة، فإن من الطبيعي أن يبحث اللبنانيون عن مخرج سريع من هذه الأزمة الداخلية، ويدركوا أن التطورات قد تتصاعد بحدة أكثر، لا سيما مع وصول شارون إلى رئاسة الحكومة في إسرائيل. ذلك أن اللبنانيين، يحملون في ذاكرتهم الكثير من الصور السوداء عن الحقبة الشارونية التي جلبت لهم الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية العام 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا، ومن هنا فإن حالة القلق المسيطرة على اللبنانيين الآن تبدو مشروعة في كل المستويات، لأن هؤلاء يدركون جيداً أن شارون قد جاء إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية ليقود حمامات دم جديدة في المنطقة، وربما كان لبنان هو الساحة الأكثر استعداداً لأن تشهد تطورات في غاية الخطورة والصعوبة. وإذا كان لبنان قد استطاع بالفعل أن يطوي صفحة الحرب الأهلية، وأن يتجاوز الكثير من النتائج والتفاعلات التي أفرزتها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن غياب السلام العادل والشامل عن المنطقة، لا يزال يشكل التحدي الأكبر الذي يواجه اللبنانيين، وبالتالي فإن الانقسام السياسي والطائفي الجديد الذي يشهده لبنان خلال هذه المرحلة، قد يفرز في نهاية المطاف وضعاً ربما سيكون مماثلاً للوضع الذي أدى إلى نشوب الحرب الأهلية. وما لم يتمكن الحكم اللبناني من الحصول على الضمانات الإقليمية والدولية الكافية، فإن أوضاعه الداخلية ستظل معرضة للكثير من عوامل الضغط والانهيار. وقد يصل الأمر إلى حد ما هو أبعد من الصورة الحالية، وفي كل يوم، تؤكد إسرائيل أن مطامعها في لبنان كأرض ومياه، لم تنته، بل أنها في تصاعد مستمر، مما يطرح أمام اللبنانيين مجموعة من الاستحقاقات الداخلية والخارجية التي تحتاج إلى المزيد من الدعم العربي أولاً والتضامن الدولي ثانياً. كما أن رفض إسرائيل الانسحاب من مزارع شبعا يعتبر بمثابة القنبلة الموقوتة المزروعة داخل لبنان والتي تبدو قابلة للانفجار في أية لحظة. وهذا معناه أن الحرب الأهلية في لبنان قد انتهت من الناحية العسكرية والأمنية، ولكنها لا تزال قائمة من الناحيتين السياسية والاجتماعية، ولابد من خطوات لحسم هذه المعادلة. ـ صحفي سوري