يواجه لبنان أكثر من أزمة مستحكمة، سواء في مجال اقتصادياته، أم وحدته الوطنية، أم توجهاته القومية، ثم في بناء قدرته الدفاعية بعد أن استباح الطيران الإسرائيلي سماوات لبنان، واعتاد قصف أهدافه الحيوية، مدنية وعسكرية، في جنوب البلاد أو في عمقها بغير تمييز. وأوجه الأزمة الاقتصادية متعددة، فقد بلغ حجم الموازنة اللبنانية لعام 2001 حوالى 6.6 مليارات دولار بنسبة عجز 50.9%، وبذلك تزايد العجز عما كان عليه في العام الماضى الذي وصل فيه إلى 35.8%. وارتفع الدين العام اللبناني إلى أكثر من 25 مليار دولار مع بداية العام الحالى بعد أن بلغت قروض عام 2000 وحده زهاء 3.5 مليارات دولار، ووصل عجز الميزان التجارى في ذلك العام إلى 6.4 مليارات دولار، وتراجعت إيرادات السياحة، بينما اقتصر احتياطى لبنان من النقد الأجنبى على 6.7 مليارات دولار. وهناك بطء شديد في أعمال مؤتمر الدول المانحة لإعادة إعمار لبنان، وتراجع خطير في قيمة المساعدات الاقتصادية، إذ لا تتجاوز المعونات الفرنسية في العام الحالى 83 مليون دولار بينما تقتصر المنحة الأوروبية لتحديث الصناعة على 11 مليون يورو فقط، ولاتزال اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا) التابعة للأمم المتحدة تفكر وتتردد وتفكر في حجم مساعداتها الممكنة في مجال التنمية الريفية المحلية وبخاصة في الجنوب اللبناني، أما الولايات المتحدة فتربط مساعداتها لإعمار الجنوب اللبناني بوقف المقاومة الوطنية فيه وبخاصة نشاط حزب الله في مزارع شبعا. وتبقى جامعة الدول العربية، التي خصصت مليار دولار منذ سنوات طويلة لاعادة إعمار لبنان، وبخاصة جنوبه والتي تقاعست في تنفيذ قرارها، ولاتزال تبحث عن موارد مالية لدعم إنتفاضة الأقصى. الاستقرار السياسي ويواجه لبنان كذلك أزمة استقرار سياسي حادة على الرغم من النتائج الطيبة للإنتخابات اللبنانية التي جرت في سبتمبر من العام الماضى، وكانت الإنتخابات الثالثة منذ عقد إتفاق الطائف والبداية العلمية للمصالحة الوطنية في لبنان الذي مزقته الحرب الأهلية منذ عام 1975. وقد بدا خلال الانتخابات أن سوريا لم تتدخل في مسارها، وأنها تتجه إلى مراجعة علاقاتها الاستراتيجية والسياسية مع لبنان، وتستعد في توقيت مناسب لاعادة انتشار القوات السورية في لبنان. ومع ذلك فخلال الحملة الانتخابية نادى وليد جنبلاط، على الرغم من مصالحته مع سوريا، بوقف الوصاية السورية على لبنان، وإقامة علاقات ثنائية وطيدة بين البلدين على أساس التكافؤ والمصالح المتبادلة، وفي ذات الوقت دعا بطريرك الموارنة نصر الله صفير الى سرعة اعادة انتشار القوات السورية في لبنان وأعتبر أن دور سوريا لم يعد جوهريا في الاستقرار الداخلى فيه!! ولكن رفيق الحريرى أكد الأهمية الأمنية والسياسية والعسكرية للوجود السوري لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية لأمن لبنان، وبخاصة من جانب إسرائيل أو لتجديد محنة الحرب الأهلية في لبنان. والحريرى محق في موقفه فلاشك أن الشهرين الماضيين من عامنا الحالى يشهدان أن تآمرا تشترك فيه أطراف خارجية في مقدمتها جهاز الموساد الإسرائيلي وبعض المنظمات الصهيونية الأمريكية، وداخلية ومنها بعض الموارنة، لضرب الاستقرار الداخلى من خلال تأجيج أزمة الوجود السوري في لبنان مع أن القوات السورية قد دخلت إليه بمطلب من حكومته، وبتكليف عربى ، وتأييد دولى واضح، وكان لها دور عظيم في الحفاظ على وحدة أراضيه ومنع تقسيمه إلى ثمانى دويلات طائفية طبقا لمخطط الموساد الذي وضعه عام 1980 قبل الغزو الإسرائيلي للبنان بعامين كاملين بالتعاون مع الطائفة المسيحية الصهيونية (الأدفنتست) في الولايات المتحدة الأمريكية. الوجود السوري كان الرئيس اللبناني اميل لحود واضحا وقاطعا في إعلانه أن بلاده وسوريا قد رفضتا منذ شهرين اثنين عرضا اسرائيليا نقلته إدارة جورج بوش، بمقايضة الوجود السوري العسكرى الدائم في لبنان بتوفير حماية دائمة من جانب دمشق وبيروت لأمن شمال إسرائيل. وأشار لحود الى اتفاق سوري لبناني أبرم في يناير 2001 ينص على عدم السماح لإسرائيل بالانفراد بأى من البلدين، والتزامهما معا دعم المقاومة الوطنية في جنوب لبنان والجولان. وفي الوقت ذاته أبدى بشار الأسد مرونة ملائمة إزاء مسألة اعادة انتشار القوات السورية في لبنان في الوقت المناسب، وعلى أساس تنسيق متفق عليه بين حكومتى البلدين، وأكد الأسد ارتباط الأمن القومى للبلدين، بل وضرورة إنهاء مسألة تقسيم الصراع العربى الإسرائيلي ومفاوضات التسوية الى مسارات ثنائية تفلح إسرائيل دائما في المناورة بينها، وأشار كذلك إلى خطورة تشجيع بعض القوى اللبنانية الرافضة لاستمرار تمركز القوات السورية في لبنان، وللتعاون السياسي بين دمشق وبيروت في ظروف تصاعد التوتر المسلح على حدود البلدين مع إسرائيل، وتوقع المزيد من تدهور الموقف الاستراتيجى الإقليمى وأزمات في الشهور القليلة المقبلة، . سواء في فلسطين أو الشام أو حتى في مسار العلاقات المصرية الإسرائيلية. وبمجرد تشكيل حكومة الإرهابى العتيد شارون التي يسيطر عليها الحاخامات والجنرالات، توقعنا أن تتحرك في عقله المريض عقدة فشله في لبنان عام 1982، وأن يناوئ بسرعة دمشق وبيروت. وقد بادر شارون بالفعل بإبلاغ إدارة جورج بوش بأن إسرائيل لن تتفاوض مع سوريا قبل الخريف المقبل، ولن تسعى إلى معاهدة سلام ثنائية مع لبنان قبل إنهاء أو تقليص الوجود العسكرى السوري في شمال لبنان وسهل البقاع الغربى، ونزع سلاح حزب الله. ويتحرك شارون على الأرض، وأمر بنصب صواريخ طوافه (كروز) موجهة إلى أهداف سورية في لبنان وشمال الجولان، واقتطع جيبا جديدا من أراضى لبنان جنوب الخط الأزرق تصل مساحته إلى ثلاثة هكتارات.وبدأ شارون الصيد في الماء العكر بالدعوة إلى توطين أو تهجير (350) ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان مع إعطائهم أولوية التهجير أو التعويض قبل غيرهم من لاجئى 1948 أو نازحى عام 1967، مع أن الأردن ترفض إعطاء أسبقية العودة أو التهجير أو التعويض لأولئك اللاجئين في الجنوب اللبناني فهم أقلية محدودة إذا قورنوا باللاجئين الفلسطينيين في شرق الأردن. وبدأ شارون في 11 مارس الماضى تنفيذ خطة المئة يوم لخنق الإنتفاضة الفلسطينية متزامنة مع الحركة المحسوبة على الجبهة الشمالية لإسرائيل التي تعيد مصداقية الردع التي اهتزت بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. وقرر شارون أيضا أن يستغل شبح الطائفية لإشعال الفرقة الداخلية في لبنان باستغلال الخلاف حول الوجود السوري في أراضيه، وبشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، ذلك لأن تفكيك الكتلة الحيوية المتماسكة في لبنان هو هدف استراتيجى إسرائيلي ثابت منذ منتصف عقد السبعينيات، كما أن فصل المسارين السوري واللبناني يضعف من وزنها التفاوضى، ويجرد سوريا من بعض أدوات الضغط الاستراتيجى على دولة صهيون. ورجحنا أن تتحول إسرائيل بضرباتها الجوية والصاروخية من قصف الأهداف الحيوية اللبنانية إلى ضرب الوحدات السورية في عمق لبنان لتثبت عجز هذه الوحدات عن التصدى للقوات الإسرائيلية أو حماية سماء وأراضى لبنان. وهكذا كانت الاغارة الجوية على وحدة الرادار السورية في ضهر البيدر، وعلى إحدى كتائب الدفاع الجوى في المديرج في سهل البقاع اللبناني، نوعا من استعراض القوة شرق العاصمة اللبنانية.ويلفت النظر هنا أن المدفعية السورية المضادة للطائرات هى التي تعاملت وحدها مع العدو المغير بينما لم تشتبك معه كتائب الصواريخ السورية حتى خلال تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق مركز قيادة القوات السورية في شتورة، وهو أمر نتمنى ألا يتكرر حتى لا تهتز الثقة في كفاءة وجدوى القوات السورية في لبنان، أو يعود من جديد الظل الكئيب للضربة العنيفة التي تلقاها الدفاع الجوى السوري في عملية «سلام الجليل» عام 1982 . الاحتمالات المرجحة مع أن رفيق الحريرى يؤيد من حيث المبدأ استمرار المقاومة اللبنانية حتى تحرير مزارع شبعا، وجيوب الحدود المحتلة جنوبى الخط الأزرق، إلا أنه يرى التركيز حاليا على تعزيز الوحدة الوطنية، وإسهام لبنان بقدر إمكانياته في الدعم العربى للإنتفاضة، ولا يؤيد قيام تنسيق عسكرى وشيك بين حزب الله، والقوات السورية، والفلسطينية، باعتبار أن لبنان يعانى من أزمة اقتصادية كبرى، كما لايملك بعد دفاعا جويا عن أراضيه وأهدافه الحيوية، إلى جانب ضرورة منع شارون من المناورة بين المسارات السورية واللبنانية والفلسطينية لخدمة مصالح إسرائيل. أما وزير دفاع لبنان، فهو يحذر من حرب خاطفة تشنها إسرائيل ضد جنوب لبنان وسهل البقاع تغطي بطء قمع إنتقاضة الأقصى، وتثبت العجز العربى عن دعم القدرات الدفاعية المحدودة للدولة اللبنانية، وتشكك في جدوى التعاون السوري اللبناني. وطالب الرئيس اللبناني نظيره السوري ببذل جهوده الممكنة لاقامة تنسيق سياسي وأمنى وثيق بين دول الطوق العربية لتعديل خلل ميزان القوى الاستراتيجى لصالح إسرائيل في المواجهة مع سوريا ولبنان، وهو الأمر الذي يتطلب موافقة مصر أولا، ثم إتمام جهود المصالحة السورية الفلسطينية التي بدأت في عمان في مارس الماضى. ولا نتوقع استجابة سوريا للمطلب الأمريكى، الذي نقله باول للأسد باعادة إنتشار القوات السورية في لبنان تمهيدا لانسحابها منه، مثلما لا نرجح رداً سورياً مباشراً في القريب العاجل على إسرائيل، كما لا ننتظر بدء المقاومة المسلحة في الجولان الهادئ منذ 1967، لكننا نرجح استئناف نشاط حزب الله في شبعا، وربما محاولة دفع جماعات فلسطينية عبر الجولان إلى الجليل الأعلى، ومن المنتظر أن تكرر إسرائيل قصف بعض الأهداف السورية في لبنان لتعميق الخلافات حول تطبيق إتفاق الطائف المبرم عام 1990، وبخاصة إذا بدأت عمليات جهاد وحماس ضد المستوطنات الإسرائيلية، ذلك لأن شارون يصر على تحييد سوريا ولبنان خلال قمعه لإنتفاضة الأقصى التي يتعامل معها وكأنها قضية إسرائيلية داخلية!! وفي كل الحالات، لن يستقر لبنان داخليا، أو يصمد للعدوان الصهيونى بغير تحقيق الوفاق الوطنى وتوطيده، وتأكيد إنتماء لبنان لأمته العربية، وتفعيل الحركة العربية الصادقة، وبصورة عملية، لدعم لبنان اقتصاديا وأمنيا وسياسيا دون الاكتفاء ببيانات الشجب والإدانه والتعاطف الوجدانى من جانب بعض أعضاء جامعة الدول العربية الذين يريدون لها أن تظل مجرد منتدى فكرى للحوار والمناظرات. ـ الأستاذ الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا