تنفرد لبنان بوضع سياسى خاص فى العالم العربى، وهو يتأسس على وضع سكانى أكثر فرادة وخصوصية، فالولاءات المذهبية والطائفية حاضرة فى الواقع السياسى، بل حاكمة، وخلال تاريخها الحديث مرت لبنان بأكثر من تجربة مريرة عندما حاولت طائفة بعينها الاستئثار بالقرار السياسى، أو تغليب انتماء واحد من انتماءات لبنان المتعددة على ما سواها. ولبنان الصغيرة مساحة وسكانا تتمتع بتأثير كبير على الساحة العربية لا يتناسب مع مساحتها الصغيرة، ولا مع ملايينها الأربعة. وقد كان هذا التأثير دائما مرهونا بوجود حالة من الوفاق الداخلى بين الشركاء (الفرقاء) يجعلهم مجتمعين دولة قادرة على التأثير، وبحكم التنوع الطائفى المذهبى المتأصل فى المجتمع اللبنانى سعى كل فريق، تقريبا، إلى أن يتقوى بالخارج، فصار للفاتيكان وفرنسا والولايات المتحدة، وأطراف عربية عديدة دور ملموس فى الواقع السياسى اللبنانى. بين الطائفي والحضاري رغم تعدد طوائف المجتمع اللبنانى فإنه يمثل استقطابا أساسيا يتجاذب لبنان منذ عقود، هو استقطاب حضارى تتأرجح فيه لبنان بين أن تكون جزءاً من محيطها الحضارى العربى الإسلامى فعلا وانفعالا، وبين أن تلتحق بالغرب. وقد دارت الحرب الأهلية اللبنانية بشكل أساسى حول هذا المحور، فالرغبة فى الارتباط بالغرب جرت بعض فصائل الطائفة المارونية إلى تل أبيب، وتركت جراحا عميقة فى الجسد اللبنانى لم يكن أعمقها الاقتتال اللبنانى ـ اللبنانى، بل كان الدور الكتائبى فى مذابح صبرا وشاتيلا التى كانت قمة التنصل من الهوية والتنكر للذات ولم يكن استعداد آل الجميل لتوقيع اتفاق تسوية منفردة مع الكيان الصهيونى إلا نتيجة طبيعية لهذا النهج الذى أراد لبنان طائفة قاهرة تستأسد على الطوائف الأخرى وتقهرها، وتستقوى عليها بالغرب. وقد فرضت الهوية العربية على لبنان أعباء لاشك فى أنها أعباء كبيرة قد تتجاوز قدرتها، ولكنها تتجاوز صلابتها، فعندما قرر العرب أن تعمل المقاومة الفلسطينية انطلاقا من الأرض اللبنانية كانوا يحملون لبنان من تبعات المقاومة أكثر مما تستطيع احتماله، وهو ما جعل خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان احدى المعارك الرئيسة فى الحرب الأهلية اللبنانية. صحيح أن إخراجها لم يكن موضع إجماع من القوى المتصارعة، لكنه فى النهاية بات محتما وبخاصة بعد أن دخلت قوات العدو الصهيونى فى بيروت (1982) فى سابقة لم يشهدها الصراع العربى الصهيونى من بدايته إلى الآن. فعندما تجرأ الكيان الصهيونى على ذلك لم تجد بيروت رد فعل عربيا يشعرون معه أن الدور الذى اضطلعوا به كضريبة لانتماء بلدهم إلى أمة تعيش حالة مواجهة وترى لبنان مساحة مواجهة ذات مواصفات خاصة، موضع تقدير حقيقي. بل تركت بيروت وحيدة لتواجه آلة الحرب الصهيونية. ومن هنا فإن من رأوا أن على لبنان أن يتخلص من «عبء الهوية» أخطأوا، لكن خطأهم كان نتيجة خطيئة عربية أكبر، فمن وضعوا المقاومة الفلسطينية فى لبنان نسوا فى غمرة الخلافات العربية التى أعقبت كامب ديفيد أن الواقع الجديد يفرض إعادة ترتيب الأوضاع لكن الواقع الذى لا ينتظر أحدا غير الأوضاع دون استئذان، فكان الثمن فادحا. الوجه الآخر للعملة بظهور حزب الله واضطلاعه بالدور الأكبر فى مقاومة الكيان الصهيونى ظهرت صيغة جديدة لدور لبنان فى الصراع العربى الصهيونى، فالمقاومة لبنانية، ومبررات وجودها احتلال الكيان الصهيونى جزءا من التراب اللبنانى. وهكذا أصبح بقاء حزب الله قوة مسلحة جزءا من حالة شرطية، وبانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبنانى جردت العقلية الطائفية حزب الله من دوره النضالى، ونظرت إليه كميليشيا مسلحة فى مجتمع طائفي، كانت كل طوائفه حتى وقت قريب تمتلك حق إنشاء ميلشيا مسلحة بمنطق الأمر الواقع، ولذا فإن الحديث عن خروج القوات السورية من لبنان بدأ خافتا مع الانسحاب الإسرائيلى وارتفع شيئا فشيئا حتى تبلور كموقف واضح، بعد أن فقد الوجود السورى، نظريا، مبرر استمراره، كما يتردد. وهذه المطالبة يخطط لها أن تكون مقدمة لاعادة صياغة وضع حزب الله فى المجتمع اللبنانى، فيتحول إلى حزب مدنى وينزع عن نفسه الصفة العسكرية. بل إن بعض المراقبين يذهب إلى أن الولايات المتحدة لا تفضل انسحاب القوات السورية من لبنان فى الوقت الحاضر حتى تقوم بنفسها بنزع سلاح حزب الله، بعد أن يسترد لبنان سيادته على كامل ترابه فالمقاومة الفلسطينية التى أخرجت من لبنان كانت تعمل في إطار صراع عربى صهيونى أما المقاومة اللبنانية، شاء قادتها أم أبوا، فكانت جزءاً من عملية تسوية تستهدف تغييب مفهوم الصراع، وهذا السقف السياسى لا يملك حزب الله أن يتجاوزه وإن كان أقل مما يطمح إليه. وبالتالى فإن السقف السياسى الذى يعمل فى ظله حزب الله مختلف عن السقف السياسى الذى كانت تعمل فى ظله المقاومة الفلسطينية، فهو لا يتم بقرار مستقل عن القرار اللبنانى، كما كان الحال مع المقاومة الفلسطينية. ورغم أن الانسحاب الإسرائيلى بدا كما لو كان قد أفقد الوجود السورى مبرر استمراره، فإن مزارع شبعا التى احتفظ بها الكيان الصهيونى أبقت حق المقاومة مشروعا. ولم يضيع حزب الله الفرصة واستمر فى عملياته ضد قوات الكيان الصهيونى. دبلوماسية القصف مع تطور الأوضاع داخل الأراضى المحتلة، وبخاصة استمرار انتفاضة الأقصى، فرض هاجس الأمن نفسه على الكيان الصهيونى فكان انتخاب أرييل شارون. وبمجيئه تم تغليب منطق التخويف على منطق المساومة والمماطلة الذى ساد طوال حكم باراك، وظن شارون أنه قادر على أن يكسب بالردع ما لم يكسبه غيره بالمراوغة التى لم تخل من عنف. وكان قصف موقع القوات السورية فى لبنان رسالة إلى أطراف عديدة مفادها أن سوريا ولبنان مسئولان عن نشاط حزب الله، وأنهما سيدفعان معا ثمن عملياته. والأرجح أن شارون لم يتصور أثر هذا الخيار على التوازنات السياسية الداخلية فى لبنان. فالمطالبة برحيل القوات السورية مؤسسة على أن الخطر العسكرى الصهيونى على لبنان قد زال، وأن التراب اللبنانى تحرر، وبالتالى فليس على لبنان واجب إزاء القضية الفلسطينية، أكثر من أى قطر عربى آخر، الدعم السياسى وشيء من الدعم المادى.وفى إطار حقيقة أن مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية وقعت اتفاقات تسوية منفردة مع الكيان الصهيونى، فمن حق لبنان أن يفعل وليس عليه أن يدفع ثمن تحرير الجولان، فهى أرض سورية وعلى سوريا أن تعمل لتحريرها. وكما هو متوقع تغيرت لهجة خطاب المطالبين بالانسحاب السورى عقب الضربة الإسرائيلية الأخيرة، لأنها ذكرت لبنان بأيام قاسية عانت فيها من الآلة العسكرية الصهيونية كما ذكرتها بأن المدافع لم تسكت وأن التسوية لم تزل بعيدة، وعليه فإن المظلة العسكرية السورية لم تفقد بعد مبررات وجودها وربما لو توقع شارون هذا الأثر الذى أحدثته الطائرات الأربع التى أصابت الموقع العسكرى، لكان فكر كثيرا قبل إصدار الأوامر بخروجها. فكل الأطراف اللبنانية المعارضة لخروج سوريا وضمنها حزب الله نظمت مظاهرة مؤيدة للوجود السورى ضمت 300 ألف متظاهر، ولم تحدث الأثر الذى أحدثته 4 طائرات. إلغاء الطائفية أم الطوائف؟ رغم تمتع لبنان بنسبة تعليم عالية بالقياس إلى معظم الدول العربية،وكونها أحد أهم مراكز الانتاج الثقافى العربى، فإنها لم تزل قائمة فى تنظيمها الاجتماعى والسياسى على الطوائف، وهذه الوضعية التى لازمتها رغم إحرازها هذا القدر الضخم من التمدن تعني أن زوالها ليس مرهونا بتغيير ثقافى. وربما كانت الطائفية كروح تحكم عمليات الاجتماع السياسى أكثر خطورة على لبنان من وجود الطوائف نفسها، وقد أدت الطائفية إلى محن لم يبرأ منها لبنان بعد تماما، غير أن الطوائف كان لوجودها دور ملموس فى عبور الأزمة سريعا، وما حدث فى الطائف أن الطائفية تحولت إلى اتفاق (تعاقد) يمنع تحولها إلى صراع، وهى بالتالى لم تختف، وربما كان تصور اختفائها بهذه السرعة ضربا من الخيال. غير أن ثمة حلاً وسطاً بين الاستسلام للواقع والقفز عليه بشكل غير منطقى، فلم يتضمن اتفاق الطائف، الذى مازال أساس التعايش القائم فى لبنان حتى الآن، تصورا يتسم بالواقعية للخروج من الطائفية، وبالتالى فإن الصراع الطائفى، على مستوى البنية مازال قائما، كل ما فى الأمر أنه تم وضعه فى إطار حدد أن يكون سلميا، منخفض المستوى وأرجأ حسم كل ما كان ينبغى حسمه. ولاشك فى أن الصراع العربى الصهيونى لعب دورا فى تفجير الصراع اللبنانى اللبنانى، وها هو الآن يلعب دورا آخر فى تأجيل علاج جذوره. وما تأجل فسوف يحل عاجلا أو آجلا طالما جذوره باقية، وفى مقدمته سؤال الهوية الذى مازال يؤرق لبنان. ـ كاتب مصري