يحسب عاليا في رصيد سيد أحمد الحسين نائب الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي كونه ظل داخل السودان طوال الأعوام الاحد عشر الماضية متحديا النظام رغم انه كان ولا يزال أشد معارضي النظام ضراوة، كما اشتهر بآرائه الجريئة الصريحة. وقد وصل سيد أحمد الحسين إلى القاهرة للعلاج فهو ليس منضويا تحت لواء التجمع الديمقراطي المعارض ولديه تحفظات وآراء حوله كما انه على خلاف مع زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي ورئيس التجمع الوطني الديمقراطي محمد عثمان الميرغني. في الحوار التالي يتناول الحسين العديد من قضايا الساحة السودانية الساخنة. ـ بنظرة خبيرة ومعايشة للأحداث في داخل السودان كيف يمكنك ان تقيم الأوضاع السياسية والاقتصادية الآن؟ ـ باعتبار وجودي داخل السودان طيلة الاحد عشر عاما العجاف، لم أخرج منه إلا لضرورة العلاج وكان ذلك مرتين فقط. نظام الجبهة القومية الإسلامية خلال هذه المدة أفنى كل البنيات التحتية سواء كانت زراعية أو صناعية أو تجارية أو بنكية أو اجتماعية أو تعليمية أو صحية كلها انتهت بصورة تامة. انهار انتاج محصول القطن من مليوني بالة للصادر إلى أقل من 150 ألف بالة في العام 99ـ 2000م وقد كان السودان بصدد استيراد قطن لسد احتياجات المصانع المحلية، أما بالنسبة للحبوب الزيتية كالفول السوداني فقد انهار الصادر من 600 ألف طن إلى أقل من 15 ألف طن. وكان أثره المباشر على نقص زيوت الطعام التي اضطرت الدولة لاستيرادها من دول جنوب شرق آسيا لسد الاستهلاك المحلي للمواطنين، ويقاس على ذلك السمسم الذي كنا أكبر المصدرين له في الأسواق العالمية فمن 160 ألف طن صادر سنوي انخفض في سنوات نظام الانقاذ إلى 30 ألف طن وكذلك الزيوت الأخرى والمحاصيل. من الناحية التجارية لا يوجد تاجر أو شركة سودانية إلا وأعلنت إفلاسها لسبب بسيط، وهو عندما أتت الجبهة الإسلامية إلى السلطة، على خلاف الانقلابات السابقة ـ عبود أو نميري ـ حولت دولاب الدولة من دولاب قومي إلى دولاب حزبي، حتى الجيش أصبح ميليشيات، والأمن نتيجة لهذا الأمر أصبح جهاز الدولة يستخدم للحزب. في الماضي كان المال العام في السودان تحكمه قوانين مالية نابعة من الدستور، وأي صرف من هذا المال العام يتم بموجب مخصصات في ميزانية الدولة، ويمنع ان تصرف مخصصات بند معين في بند آخر، وحتى الوزير نفسه لا يستطيع ذلك، وعقوبة التصرف في بنود ميزانية الدولة في غير أوجهها عقوبة سجن تصل إلى عشر سنوات، الآن نجد ان مخصصات بنود ميزانية الدولة تذهب إلى منصرفات خاصة بحزب الجبهة وتحول إلى الصرف على الدفاع الشعبي وكل ذلك يتم دون اثباته بطريقة محاسبية سليمة، وكل هذا يشمله تقرير المراجع العام. بناء على هذا: الفقر، العطالة، تكسير البنيات التحتية والإفلاس والسجون كلها أرضية أو عوامل خلقت نوعاً من السخط في الشارع السوداني بطريقة غير محدودة للدرجة التي لا يستطيع رجال الأمن أنفسهم فهم الحاصل لأن السخط الشديد أصابهم هم أيضا، فلا أعتقد ان هذه الحالة، وهذا السخط يمكن ان تجعل الشعب السوداني يقبل أي نوع من المصالحة، ولن تعود عليه المصالحة بأي فائدة، خاصة المصالحات التي أتت سواء من الأشقاء أو من غيرهم، لأنها لا تضع في اعتبارها الشعب السوداني، ومن يأتي ويتصالح مع هذا النظام في ظل هذه الأوضاع المتردية التي ذكرتها، ويكون معه حكومة؟ وهذا النظام لن يسمح له بتفكيك دولاب الدولة الذي تحول من قومي إلى حزبي. حديث الوفاق والذين يتحدثون عن الوفاق والحل السياسي لا توجد لديهم الآن أي أداة ضغط ضد النظام بحيث يستسلم وتتفكك دولته الموجودة، ولذلك فإن تم وفاق أو حل بأي شكل من الأشكال ستكون النتيجة الوحيدة في حالة عداء مع الشعب السوداني، لمشاركته للنظام في أوضاع سيئة لم يخلقها هو بل خلقها النظام، وأنا على يقين أنه إذا تمت مثل هذه المصالحات ستقوم انتفاضة وتنهي الوضع الموجود، لأن الأزمة الموجودة في السودان لا يمكن ان تعالج إلا بطرد هذه الجبهة من الحكومة وإعادة الثقة للعالم من داخل السودان.. وإذا تمت مصالحة الآن فلايمكن في ظرف سنة أو اثنتين ان ينفتح العالم على السودان، طالما كانت اتهاماته للسودان بالأصولية والإرهاب فلا يمكن ان يثق فيه بين عشية وضحاها لذلك، في تقديرنا ان هذه المصالحات لن تتقدم إلى الأمام ولن تفيد أو تصلح السودان بشيء ولابد من ان يقوم الشعب السوداني بانتفاضة أو عصيان مدني أو أي شكل من أشكال النضال. ـ هل العمل المعارض داخل السودان منظم؟ وهل يغيب التجمع الوطني الديمقراطي في الداخل؟ ـ بالنسبة للعمل المعارض داخل السودان كانت القبضة الحديدية للنظام والتعذيب الشرس للشعب منذ البداية وحتى 95 ـ 96، وأناشخصيا قضيت حوالي 90% من العشر سنوات الماضية داخل بيوت الأشباح وسبب حضوري المباشر هنا هو العلاج من التعذيب الذي لاقيته في زنزانة متر * مترين لا منفذ لها ومعلق من يدي من الساعة الثانية ظهرا وحتى الثامنة صباحاً في يوليو، ومثلي كثيرون، تلك القبضة الحديدية لم تسمح اطلاقا للشارع أو الأحياء من جهة بالمعارضة. انحسر العمل المعارض فقط داخل الجامعات، التجمع في الداخل لا علاقة له بمسألة العمل داخل الجامعات، حيث أصبح كل حزب يرعى طلابه والعمل في الجامعات لم يبدأ في 95 وإنما في وقت مبكر عن هذا، وهذا يرجع لاعتقاد الجبهة القومية الاسلامية بإنها صاحبة الموقف داخل الجامعات وسمحت بمسألة الأركان والاتحادات...إلخ. وهنا نظمت الأحزاب طلابها وعملهم داخل الجامعات، ولكن بالرغم من تعدد الأحزاب والتنظيمات إلا ان كل المعارضين لنظام الجبهة الإسلامية كانوا كتلة واحدة، واستطاع هؤلاء الشباب ان يناضلوا وبقوة خلال السنوات العشر، وبمواجهة مباشرة ومقابلة العنف بالعنف،و لم تكن الجبهة الإسلامية تكتفي بطلابها وإنما تأتي برجال الأمن ليناصروا طلابها ضد طلابنا المعارضين والذين بالرغم من هذا هزموها. ـ هل معنى حديثك ان الحل يجب ان يأتي من داخل السودان؟ ـ إذا رجعنا للتاريخ، وقرأنا الماضي ووضعناه نصب أعيننا للاستفادة منه لفهمنا، عبود عندما أتى كان كل العالم معه، وقد وفر له العالم الغربي خدمات ورفاهية وبالرغم من هذا عبود سقط، ومن الداخل ..نميري حكم 16 سنة إلا انه سقط أيضا من الداخل بالرغم من الدعم الخارجي لحكومته والسند الغربي والعربي. وحقيقة أنا لا أبخس عمل اخواني في التجمع الوطني الديمقراطي في الخارج، ولكنهم أيضا إذا اعتبروا التجربتين السابقتين وأعطوا عناية 75% من اهتمامهم للداخل لكسبوا المأخذ الوحيد على اخواننا في التجمع، انهم أهملوا الداخل كلية، واعتمدوا اعتمادا كليا على الحل الخارجي. ـ لماذا لم تشارك في التجمع من الداخل حتى تحدث الفائدة التي ذكرتها من الداخل؟ ـ هل تعتقدي ان اشتراكنا في التجمع في الداخل كان سينجز شيئا، لم تكن لدينا أي وسيلة للاتصال بالخارج، في رأيي ان ناس التجمع في الخارج كانوا يقدرون الأمر، أنا أتحدث عن 90% من المعارضين في الداخل، كنا في بيوت الأشباح والعمل كان مركزاً على الشباب، فكان من الأفضل ان يقدر التجمع ذلك وحقيقة، وللتاريخ التجمع لم يعمل شيئا لا في الأحياء أو داخل الجامعات، واعتقد ان العمل السياسي الصحيح ان يعنى أي حزب من الأحزاب السياسية بقاعدته في الداخل، وتلك القاعدة تكون طريقة عملها السياسي مع بعضها البعض، كما يحدث الآن في الجامعات، ولا نفرق فيما بيننا، وإنما نتعامل بأن النظام عدو وكلنا ضده، وحقيقة كنا ننظم أنفسنا، ولكن التجمع في الخارج اختار من يتعامل معهم. وأريد ان أؤكد شيئا مهما ان النظام تقهقر من الغطرسة التي كان فيها،ومن يتحدث عن مندوحة جاءت لأن البشير أزاح الترابي وخلافه، فهذا شخص واهم وغارق في الأحلام، النظام عجز وضعف وكل صباح جديد هو سيتراجع للوراء في كل المجالات. ـ ما سبب ذلك؟ ـ السبب ان النظام اعتمد على نفسه وهو في الأساس نظام غير سياسي يجهل طريقة الحكم وقد اعتمد على كوادره الذين تنقصهم الخبرة. ـ ماذا عن استخراج البترول .. ألا يطيل ذلك عمر النظام؟ ـ ان لم يضعفه لن يفيده.. وهناك حقيقة لابد من تداركها وهي ان الاتفاقيات المبرمة مع الشركات المنقبة عن البترول بنودها غير معروفة، وما هو نصيب حكومة السودان، وما هو عدد سنوات الاستفادة أو نسب تلك الشركات المنقبة، وأين يذهب عائده؟ هل للتنمية أم للسلاح؟ وحديث الشركات الأمريكية والكندية الأخير يكشف عن الغاز وخبايا في مسألة استثمار البترول. لا لن يفيدهم استخراج البترول ولن يطيل في عمر نظامهم، فالحال في السودان بالنسبة للمواطن العادي لم يتغير أو يتحسن، وإنما ازداد سوءًا والحرب تستهلك كل الموارد المادي منها والبشري ويمكن تشبيه حال حكمهم بالمركب المثقوب التي تغرق كل لحظة إلى ان يتم الغرق الكامل. رمضان وهامش الحريات ـ كيف إذن يكون الحديث عن هامش الحريات والانفراجات بعد قرار الرابع من رمضان؟ ـ هذا وهم، بفضل الكفاح الداخلي، أصاب العجز النظام، وقد خدع من خدع حينما ظنوا ان البشير قام بانقلاب عسكري، ومن هم موجودون على سدة الحكم هم الأكثر تشددا وهم الذين ارتكبوا كل الجرائم في حق الشعب السوداني وفي سوء علاقته مع جيرانه، لا توجد أي مندوحة، وإنما عجز النظام وهرم، ومن يقل غير ذلك فهو شخص واهم يريد ان يبرر لنفسه أشياء يريد عملها سواء كان مصالحة أو مبادرة. فمازالت القوانين والأجهزة القمعية موجودة، تستخدمها الحكومة بكثرة بعد تلك القرارات إذن أين التغيير، لاتوجد أي اشارات توحي بأن هذا النظام يمكن ان يخلع قميصه ويترك أسلوبه ويتعامل بجدية مع معارضيه، وبالرغم من هذا سيذهب كما ذهبت ديكتاتوريات سابقة نتيجة للتدهور الذي ذكرته لك، وكل صباح جديد هو مزيد من التدهور لذلك النظام، ويكفي ان أقول لك ان هذا العام والعام المقبل والذي يليه لن يتمكن المواطن السوداني العادي غير المنتمي للجبهة الإسلامية من تعليم أبنائه في أي مرحلة من المراحل، لأنه لن يجد عملا يسد به حاجياته، وهذا يقودنا إلى السؤال: لماذا لم يجعل استخراج البترول كل هذه الأشياء بالمجان، ولماذا لم ينعكس في التنمية بشكل مباشر وتطوير المجتمع؟ لقد كان التعليم والصحة وجميع الخدمات تقدم بالمجان دون بترول. ـ الحديث عن المصالحات والمبادرات .. كيف تراه؟ ـ هذا الحديث جعل النظام تنمر ويقدم الناس للمحاكمات، فعلى مدى العشر سنوات لمعارضتنا في الداخل واجهارنا بإزالته لم يستطع ان يقدمنا لأي محاكمة وفي رأيي ان من ضرر المصالحات تقديم الناس للمحاكمات ولكن تنمره هذا لا يجبرنا على التراجع من مواقفنا ولا يخيفنا. ـ خروج الترابي من النظام جمعه مع الصفوف المعارضة الأخرى.. هلى تعتقد ان هذه المعارضة وبالذات التجمع الوطني يمكن ان يقبل الترابي وحزبه بداخلها؟ ـ أنا أعتقد ان الترابي رجل مثقف، نذر حياته ولوقت طويل بألا يكون هو الرجل الأوحد في السودان كسياسي، وكان الأقرب له أيام الحرب الباردة هو الدين،وزاد ذلك دعم العالم الغربي الأمريكي والأوروبي للاخوان المسلمين. دعم كبير جدا ليس حبا في الإسلام وإنما ترياقاً للشيوعية، الحرب الباردة كانت في أوجها، والسودان فيه أقوى حزب شيوعي خارج الكتلة السوفييتية وخارج أوروبا وهذا الحزب الشيوعي القوي ساهم في الاستقلال. هذا الحزب الشيوعي جعل العالم الغربي يغدق على الاخوان المسلمين منذ أن كانوا طلابا في الجامعات، وصل إلى مرحلة ان فتح لهم بنك فيصل الإسلامي داخل الجامعات، كل هذا لمناهضة النظم الديمقراطية في السودان التي تسمح للحزب الشيوعي الذي كان يعمل تحت الأرض ان يعمل خارجها، وهو ـ الحزب الشيوعي ـ تحت الأرض ساهم مسامة فاعلة في الاستقلال.. والعالم الغربي أيام ستالين ومن بعده قام بالانقلاب في دول كبيرة خوفاً على مصالحه في أفريقيا والمنطقة، والسودان يجاور منظومة دول لدى ذلك العالم الغربي فيها مصالح، لذلك مسألة عدم الاستقرار في السودان الديمقراطي لا تعزى اطلاقا إلى ضعف القيادات السياسية، ولا ضعف الأحزاب السياسية كما يتوهم البعض، إلى ان نصب النميري نفسه خليفة للمسلمين!! نميري رجل لا يملك بعد نظر. ألقى القبض على القيادات الشيوعية كلها وقام بقتلها، وعندما فعل ذلك توقف العالم الغربي عن الدعم، لكن لو كان النميري بعيد النظر كان يمكن ان يخفيهم في كل مكان وكل يوم، واستنجد بذلك العالم الغربي حتى يدعمه. تصبح إذن مسألة ضياع الديمقراطية في السودان هي الحرب الباردة وموقف الغرب منها، هذا الحديث كان مقدمة للإجابة على سؤالك عن الترابي، لأن الترابي كان يقود كل ذلك ومن معه من الجماعة، ولسوء حظنا كديمقراطية ولسوء حظ الجبهة الإسلامية أيضا ان انقلاب الجبهة حدث قبل سقوط حائط برلين بستة أشهر، لذلك وفي الأساس لم يرحب العالم بديمقراطية 85 كثيرا، وكان يشجع الإخوان المسلمين، وعندما سقط حائط برلين لم يكن الترابي وقتها بعيد النظر، وأراد هو والجبهة الإسلامية الاحتفاظ بنفس درجة العلاقة مع العالم الغربي، ويثبتوا له انهم ما زالوا صمام الأمان، لكن فات عليهم ان حكاية الحرب الباردة انتهت والعالم الغربي لم يكن يهاب الشيوعية.. أصبح صديق الأمس عدو اليوم.. الترابي قام بانقلاب وحاول ان يثبت ان لديه سند آخر، وعقد المؤتمر الشعبي العربي وكل تلك الدعاية وظل يتخبط على مدى عشر سنوات ليجد لانقلابه مخرجا، والترابي هنا عندما وجد نفسه عشر سنوات لم يستطع فيها عمل شيء ووضح له تماما ان بن لادن وأمثاله لن يجعلوه يتقدم، فكر في نوع من الانفراج، وحاول كثيرا جداً مع جماعته لعمل هذه الانفراجة على أساس أن يسلكوا سكة الديمقراطية، خاصة وأن العالم أصبح ضدهم بشكل غير عادي، هنا جماعته لم توافقه وخاصة المتشددين الموجودين الآن في الحكم والذين صنعوا كل الكوارث التي أصابت السودان. وعمل الترابي بمؤتمر الوطني وحاول أن يأتي فيه بقيادات أخرى غير الذين عملوا كل الأعمال الكريهة، أمثال عثمان عبداللطيف من حزب الأمة وغيرهم من الجماعة المتشددين الذين لم يقبلوا هذا، فقد فهموا انه يحاول ازاحتهم عن طريق التعديلات الدستورية، فقاموا بمباغتته وألغوا الجمعية وعملوا بعض الأعمال البسيطة مثل اطلاق سراح المعتقلين المحاكمين وفك المصادرات، الناس اعتقدت ان هذا انقلاب قام به البشير، فقامت دول الجوار على الفور بتطبيع علاقاتها مع النظام. الترابي استمر في منهجه الجديد، لأن الأمر وضح له تماما بأن الحالة القديمة التي كان عليها في الماضي ودعم العالم الغربي لم يصبح كما كان، وهو هنا بعيد النظر وهو رجل مثقف وطوال حياته في العمل العام كان منتصرا في الحركة الإسلامية، ورأى نفسه على انه لا محمد عثمان الميرغني ولا الصادق المهدي هما الجديران بالسلطة، وإنما شخصه، فكر في ذلك وأنا على يقين انه لم يتفق اطلاقا مع جون قرنق إلا بضوء أخضر من أمريكا، وبالتأكيد أمريكا مع العالم الغربي لديهم مصلحة حقيقية في ان يكون شخص مثل الترابي قريب منهم ليكون دليلهم على أشخاص مثل بن لادن ومشاكل الحركات الإسلامية، وأيضا هو «زولهم» المعروف لديهم من زمان. فالترابي الآن يسعى لأن يكون زعيم السودان السياسي، والطريق ممهد له، ولذلك اتخذ الموقف الحالي واعتقد ان على الجميع فهم هذا الموقف، فلا مصالحة ستفيد أو تنفع، وإنما سينتصر الترابي عليهم، ونحن كأحزاب سياسية إذا لم نصبح أحزاباً ديمقراطية بالمعنى الحقيقي أو مؤسسات حقيقية فهذه الزعامات الموجودة لا تستطيع التقدم خطوة للأمام. السودان ما بعد 89 ليس هو السودان ما قبل 89 الخارطة الشعبية والواقع السوداني اختلف تماما، وسيكون للشباب والطلاب والفئات العمرية الثلاثينية والأربعينية هم سودان المستقبل، رضي الآخرون أم لم يرضوا، والترابي بمسعاه هذا إذا لم تفتح الأحزاب عيونها وعملت ديمقراطية حقيقية داخلها يستطيع ان يتفوق عليها. ـ هل يمكن ان تبرم هذه الأحزاب اتفاقا مع الترابي كما فعلت الحركة الشعبية؟ ـ هذا ليس بالضرورة.. الترابي غير محتاج لهذه الأحزاب، لكنه يحتاج للحركة، حيث تمثل له مدخلاً مقبولاً للغرب، لكنه إذا اتفق مع هذه الأحزاب سيتهم بأنه تراجع عن مواقفه التصحيحية الجديدة. ـ لكن الحركة الشعبية نفسها لم تجد قبولا في الشارع السوداني إلا بعد تحالفها مع هذه الأحزاب والتنظيمات التي يعرفها السودانيون بالفعل. ـ الحركة الشعبية في رأيي هي مع السودان ككل، وهي تناضل أيضا الآن لأن هنالك مظالم، وهذه كلها مسائل ستحل في داخل السودان إن شاء الله، ولكن عند حديثنا عن الترابي فمدخله هذا مدخل ذكاء، فماذا سيكسب لو تحالف مع الأحزاب الأخرى؟ الهدف هو التحالف مع الجهة الاساسية التي توصله إلى أمريكا وتطبع علاقاته بها كما كان في الماضي أيام قوته وهذا هو الشيء المهم بالنسبة له، أما تحالفه مع بقية الأحزاب فهذا شيء غير مهم له. ـ بالنسبة لكم في الحزب الاتحادي الديمقراطي هل تقبلون ان يكون الترابي حليفكم؟ ـ اليوم الترابي ضد هذا النظام أهلا وسهلا، إذا كنت تصارع عدوا مثل هذا النظام ووجدت شخصاً آخر يصارع نفس العدو فهل تلفظه؟ العكس تماما.. هذا سند للمعارضة طالما انه مختصم مع هذا النظام ويضعف هذا النظام أكثر من المعارضة ككل لأنه على الأقل الترابي هو الذي كون هذا النظام الموجود الآن في الخرطوم، وهذا النظام وهذه الحكومة حتى هذه اللحظة لا تستطيع ان تقول 100% ان جماهير الجبهة الإسلامية يتبعون لها، فالحكومة نفسها في حالة شك. يصبح خلاف الترابي مع هذا النظام في مصلحة المعارضة، فما الضرر الذي يعود إلينا؟ ـ ماذا عن الحزب الاتحادي الديمقراطي؟ هل يعيش فعلا أزمة داخلية؟ ـ أولا الحزب الاتحادي الديمقراطي هو أكبر حزب جماهيري وهذا الحزب يكبر ويتماسك ويكون أكبر من هذا إذا أشيعت فيه الديمقراطية الحقيقية، وبعد من الهيمنة الفردية أيا كانت، وهذا ما نعمله من أجله، نحن لن نسمح في الحزب بأي هيمنة، لا يوجد فرد داخل الحزب مأجور، أو يأخذ ماهية من شخص أو ينتظر حاجة من شخص، فهي حركة جماهيرية عريضة ليست معتمدة في معيشتها على شخص وتاريخها ناصع، ولذلك نحن مع ديمقراطية الحزب الاتحادي الديمقراطي ونناضل من أجل حرية الشعب السوداني، لذا فأداة التحرير التي يدعو لها الحزب ويناضل بها إذا لم تكن هي نفسها ديمقراطية، ونحن لا نقبل الهيمنة، وسنعمل على ازالة أي عقبة في الحزب الاتحادي الديمقراطي تحول دونه ودون الديمقراطية. ومن يحاول ان يهيمن عليها سنهزمهم وسنقف حجر عثرة أمام من تسول له نفسه بالهيمنة بدءًا من السيد محمد عثمان وانتهاءً بأي واحد فينا. مع الميرغني ـ لقاؤكم ومحمد عثمان الميرغني في أسمرة كان الإعلان بعدها ان كل الخلافات والأمور العالقة قد أزيلت.. فما الذي جد؟ ـ تلك المقابلة نفسها تمت بعد 11 عاماً من القطيعة النهائية بيننا، كنا نحن في الداخل ومعظم تلك الفترة قضيتها كما سبق وقلت لك في بيوت الأشباح، ولم تكن هناك أي صلة بيني وبينهم، تنظيمية أو غيرها، لكن نحن كنا نعمل في الداخل، وجاءت المبادرة من عندهم ومشينا فيها، و.. يعني حتى الآن أعتبر انه كان هناك أخطاء من جانبهم جعلت هذه المقابلة لا تخطو للأمام، لكن هي لا تزال موجودة إلى حد ما ونحن نعتمد 100% على شرعيتنا في 89 وهي الشرعية الوحيدة لا نزيدها ولا ننقصها إلى ان تنفرج الأمور ويقوم المؤتمر. ولا نقبل بأي مؤتمر في الخارج إلا لناس الخارج فقط، أي مؤتمر للحزب يجب ان يكون في داخل السودان لأن الشعب السوداني هناك 1% أو أقل في الخارج، نرفض رفضا باتاً أي خلط ما بين الداخل والخارج في المؤتمرات. ناس الخارج يعملوا مؤتمراتهم، ويوحدوا أنفسهم ونصبح عندهم قيادة نحن في الداخل نمثل الأغلبية ولن يلزمنا أي قرار من مؤتمر في الخارج، لن نسمح بأن نكون طرفاً في أي مؤتمر يعقد في الخارج، ونعقد المؤتمر في الداخل حسب الظروف الموجودة.. الآن لا يسمح لنا الدعوة من خلال ميكروفون لكن لدينا من ينادي بصوته ويصعدوا ونعمل منهم مؤتمراتنا نضيفها إلى قيادتنا الموجودة، نفعل العمل إلى ان يصبح الصبح ونعمل مؤتمرنا العام سواء كان مصغرا أو مكبراً. ـ الظرف الآن لا يسمح بعقد المؤتمر داخل السودان باعتبار ان هناك قيادات لا يمكنها الدخول. ـ إذن تنظم نفسها في الخارج، الهدف واحد وهو قبول مبدأ الديمقراطية والعمل في الحزب يمكنهم ان يجتمعوا لوحدهم دون أي تأثير عليهم ويكونوا الحزب ويصعدوا قيادتهم ويعملوا في رباط مع الداخل إذا ما سمحت لهم الظروف، لكن العمل الحقيقي هو في الداخل.