مع اختتام مؤتمر «نحو بيئة خالية من العنف للأطفال العرب» ظهرت النقاشات واسعة في المملكة حول أوضاع الأحداث المحكومين في دور الأحداث والخطوات التي تقوم بها الدولة تجاه تحسين ظروف هذه الدور، بالإضافة إلى التربية التي يحصل عليها هؤلاء ونوعيتها وكفاءتها. وللإطلاع على أوضاع الأحداث في المملكة والأسباب التي دفعت هؤلاء إلى الانحراف رغم أن الكثير منهم لم يبلغ من العمر الذي يكون معه بعيدا عن صدر والدته وحنانها، أو غير محتاج له، والبيئة التي توفرها لهم الدور المعنية بهم ومدى صلاحيتها وكونها إصلاحية للأطفال، وليس أي شيء آخر. ويرى الخبراء في هذا المجال أن ظاهرة انحراف الأحداث والجرائم التي يقترفونها ملازمة لكل المجتمعات عبر التاريخ، إلا أن المطلوب من أي مجتمع العمل بجد من اجل الحد منها ومواجهتها ويعترف هؤلاء بان الأسباب الداعية لاقتراف الأحداث الجرائم متعددة ومتداخلة، فمنها الأسباب النفسية أو الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا يمكن الحديث عن سبب وحيد للانحراف. إلا أن انهم يعترفون أن المجتمع الأردني كسائر المجتمعات العربية يوجه خطر التغيرات السريعة التي نشأت عن التطورات العلمية المتسارعة بالإضافة إلى التغييرات الخاصة في المجتمع الأردني والمتعلقة بالنواحي الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سببا رئيسيا في ازدياد معدلات الانحراف في السنوات الأخيرة. ويرى الخبراء وعلماء الاجتماع أن البطالة وقلة فرص العمل دفعت إلى بروز كثيرا من الأوبئة إضافة إلى أن الحياة الاقتصادية الصعبة ساهمت في أن اغفل الأهل عن متابعة المراهقين في أسرهم. «البيان» التقت مع عدد من هؤلاء الأحداث الذين تباينوا في الأسباب التي وضعتهم في مثل هذه الأحوال، بالإضافة إلى تباينهم في طريقة قبولهم لفكرة انهم محكوم عليهم، وانهم ما عادوا أحرارا ليلعبوا في الشارع ويحاكوا أترابهم من الأطفال. الحدث (ع.ب) يبلغ من العمر 14 عاما قال انه من أسرة مؤلفة من عشرة أفرد، وانه الأصغر بين اخوته، وان والده يعمل عاملا في إحد المصانع. وحول قراءته لما جرى له حتى وصل إلى دار الأحداث قال لم اكن احب المدرسة لهذا رأى أبي أن يخرجني منها علني أتعلم مهنة تفيدني في المستقبل كما يقول، وبالفعل عملت في إحدى ورشات الميكانيك حتى انتهى بي المطاف إلى هذا المركز. ولدى سؤاله عن السبب الرئيسي لوضعه في دار الأحداث قال ربما تكون صحبة رفاق السوء. ويسترسل في القول: لقد وفرت الظروف عندما عملت في إحدى ورشات الميكانيك أن أغيب عن البيت بصورة لا يسأل معها أبي أين اكون، خصوصا وإنني لم اكن أغيب عن العمل بل كنت مواظبا عليه بصورة تامة، إلا أنني كنت في الحقيقة اخرج مع بعض الأصحاب سواء في فترات الغداء أو بعد انتهاء الدوام. وحول ما فعله مع هؤلاء نفى الحدث (ع) أن يكون قد اشترك معهم في أي شيء مما يقوموا فيه إلا انهم كانوا يقومون بالكثير من الأعمال غير الشرعية ومنها سرقة بعض المحلات التجارية، وفي آخر مرة قاموا فيها بالسرقة ولم اكن معهم على حد قوله استطاع صاحب المحل أن يراهم وان يتعرف عليهم وعندما تم القبض عليهم من قبل رجال الشرطة ولدى التحقيق معهم اعترف أحدهم بمشاركتي لهم في السرقة وحاولت توضيح الأمر والقسم لهم أنني لم اكن معهم إلا انهم لم يصدقوني حتى حكموا علي بالحجز في المركز. ورغم نبرة الحزن التي تطل من بين كلامه إلا انه ابتسم حين قال لم يتبق لي الكثير، والذي استفدته هنا هو انه علي أن اكون حذرا مرة أخرى في اختيار أصدقائي حتى لا يتم توريطي مرة أخرى في أمر لم اقترفه. إلا أن الأمر مع الحدث (إ.ح) الذي يبلغ من العمر (16) عاما يختلف سواء في عمره أو في القضية التي احتجز بسببها حيث انه اعترف بفعلته إلا انه يؤكد في المقابل أن وجوده في الأحداث علمه الكثير وانه يحرص على عدم اقتراف أي ذنب من شأنه أن يعيده إلى (هنا). يقول: أنا امضي هنا حكما لمدة سنة عقوبة بقضية «هتك عرض» ولدى سؤالنا هل هو بريء أم لا قال: في الحقيقة أنا مذنب لقد فعلتها وأنا نادم على ذلك اشد الندم. القصة تبدأ عندما لفتت انتباهه فتاة جيرانه التي تكبره بما يقارب العشر سنوات والتي على ما يبدو كانت على شيء من الجمال. يقول (إ) انه ذات يوم، وهو يعلم أنه لا أحد في بيت جيرانه سواها حيث يخرج الكل إلى أعمالهم وتبقى هي وحيدة في البيت إلى أن يعودوا انتابته أفكار شيطانية لا يعرف مصدرها خصوصا وان الفتاة لم تبادله أي شعور، ولم تقترف أمامه أي ذنب كي يفعل ما فعله ولكن الأمر بحسب تفسيره لحظة شيطانية ها هو يعاقب عليها وهو مرتاح لذلك ونادم. ويتابع انه في لحظة ركضت إلى بيتها ودفعت الباب ودخلت عليها وحاولت أن اغتصبها ولكنها دافعت عن شرفها بشجاعة ومنعته من الاقتراب منها، وهي تصرخ مما أدى إلى قدوم الجيران فحاولت الهروب من نافذة البيت الذي هو في الطابق الثاني فكسرت ساقي ومن ثم تم القبض علي من قبل رجال الشرطة بعد أن تقدمت بالشكوى ضدي. ولا يخفي (إ) حقده على ما اقترف من حماقة ولحظة نجح هو في وصفها (شيطانية) ولكن ليس لأنها كذلك سوف لن يعاقب عليها، حيث انه ما زال يقضى حكما بالسجن لمدة عام انقضى بعض منه. إلا أن العقوبة الأشد من وجهة نظره هي عدم تمكنه من رؤية والده الذي توفي وهو في الإصلاحية، أو حتى حضور جنازته، حيث منعته الإدارة من حضور الجنازة خوفا علي. ولا يحاول (إ) أن يخفي ندمه بل يقول استحق اكثر من ذلك لقد فعلت أمرا لا يمكن تخيله اشعر بالندم وأتمنى أن أستطيع أن اكفر عنها بأي شكل كان خاصة وان ما قمت به قد سبب إحراجا لي ولأسرتي بالإضافة إلى أن ما فعلته أمر لم تستطع أسرتي أن تنساه «والحق معهم» على حد قوله. إلا أن حكاية (س.م) الذي يبلغ من العمر 17 عاما هي الأقسى بين جميع الحكايا التي سمعناها في المركز حين أن التهمة التي وجهت إليه هي محاولة التزوير في أوراق رسمية فالحدث (س.م ) من جنسية بلد عربي مجاور، ولأن والدته الأردنية الجنسية قدمت إلى الأردن بعد انفصالها عن والده حاول اللحاق بها واتبع جميع الأساليب والسبل دون جدوى وأخيرا نجح وجاء إلى الأردن إلا أن العقبة هنا كيف يمكن له البقاء في المملكة وهو ليس أردنيا وهذا الأمر جعله يقدم طلبا إلى الجهات الرسمية في الأردن للحصول على الجنسية خصوصا وان والدته أردنية وهو وحيد ليس لديه من أهل سوى والدته بعد سفر والده إلى بلد غربي، إلا أن جميع محاولاته باءت بالفشل، وفي لحظة يأس كما يقول تعرف على إحدى النساء التي أرادت أن تساعده بعد سماعها لقصته فعرضت عليه أن يحصل على أوراق أنها والدته خصوصا وان لديها ابن يقارب عمره ولم يتم إسقاطه من دفتر العائلة، وكادت المحاولة أن تنجح إلا انه أخيرا تم القبض عليه بجرم تزوير أوراق رسمية. أطفال يمتهنون التسول وعلى صعيد متصل اعترفت تمام الغول وزيرة التنمية الاجتماعية أن مشكلة أطفال الشوارع في الأردن بدأت بالنمو نتيجة للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها الأردن، إلا أنها لم تحدد أعدادا معينة لهؤلاء الأطفال. وقالت الغول في تصريحات صحفية أن هذه المشكلة تترافق مع ظاهرة أخرى تتمثل في أن المجتمع الأردني مجتمع فتي إذ أن الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة يشكلون 60% من السكان الذين يقدرون إجمالا بـ 5 ملايين نسمة. إلا أن الأخطر في تصريحات الغول إن هناك عددا من شبكات تسول الأطفال في العاصمة عمان تدار بالهواتف الخليوية لتجنب مداهمات الشرطة. مشيرة إلى أن عددا من الأطفال المتسولين أصبحوا أعضاء في شبكات للتسول يديرها أشخاص بالهواتف الخليوية ويراقبون الأطفال ويحذرونهم (عبر الهاتف) من اقتراب مفتشي الوزارة أو رجال الشرطة من مواقعهم ليهربوا. وبينت وزيرة التنمية الاجتماعية أن وزارتها تقوم الآن بجمع الأطفال الذين يمارسون التسول كمهنة لهم حيث تقوم بدراسة اجتماعية دقيقة لهم لإعادتهم للمدرسة والحصول على ضمانات من آبائهم بعدم إرسالهم للتسول مرة أخرى . يشار إلى أن تقديرات غير رسمية لأوضاع المواطنين الاقتصادية أن ربع الأردنيين يعيشون تحت خط الفقر.