اعتاد الإسرائيليون النظر للعرب من خلال فوهة بندقية حتى عندما يعينون من يتولى مناصب تتعلق بالعلاقات الاقتصادية او الدبلوماسية فإنهم كثيرا ما يلجأون لشخصيات ذات تاريخ عسكري أو أمني مشبوه ، من احدث النماذج التي كشفتها تقارير صحفية رجل المخابرات الإسرائيلية الذي كان قاسما مشتركا في جميع الاتصالات والمفاوضات السرية مع الفلسطينيين بقرارات مباشرة من رؤساء الوزراء الاربعة الذين تولوا المنصب مؤخرا في إسرائيل هذا بالاضافة لانشطته التجارية المتشعبة في الاراضي الفلسطينية وهي المهام الحساسة التي تولاها على الرغم من تورطه في قتل اسرى فلسطينيين ورفض الشخصيات العامة لفكرة انتخابه للكنيست بكل ما فيه من اعضاء متطرفين وسفاحين!! علاقات متشعبة وفقا لتقرير نشرته صحيفة «هآرتس» فإن «يوسي جوسر» الإسرائيلي المقرب من عرفات حاليا هو نفسه ضابط الاستخبارات الداخلية الذي حقق مع مئات الفلسطينيين وانتزع منهم بالتعذيب اعترافات تدينهم بعضها كما في حالة فلسطيني يدعى «عزت» ثبت إكراههم عليها فتم الافراج عنهم بعد سنوات في السجن. الضحية الفلسطينية تعجب من تشعب علاقات «يوسي» وتقربه من ياسر عرفات على الرغم من كونه العدو الأول للفلسطينيين والكابوس المرعب على مدى سنوات طويلة وعن هذا يقول «عزت» :الموضوع يثير العديد من علامات الاستفهام ،فهو لم يتعامل بشكل قانوني او إنساني مع المئات الذين عذبهم من الفلسطينيين. التقرير نسب لمسئولين فلسطينيين تعبيرهم عن دهشتهم من التناقض الصارخ بين العلاقات الوطيدة التي تميز صلة «يوسي» بياسر عرفات وبين مخاوف الفلسطينيين الذين عذبهم منه حتى الآن وهو الامر الذي دفع هؤلاء المسئولين للتقليل من قوة الصلة بين عرفات ويوسي وفي هذا الإطار نفسه لا يتم التقاط صور مشتركة لضابط المخابرات السابق مع عرفات ولا يتم نشر خبر اللقاء في الصحف ناهيك عن عدم حضوره الاحتفالات الرسمية. «الين هارت» الصحفي الذي كتب السيرة الذاتية لعرفات بموافقته وعن لسانه في عام 88 لم يذكر أي شيء عن «يوسي جوسر» حتى الطبعة المنقحة الجديدة الصادرة عام 95 لم تتضمن أي ذكر له. «يوسي» من جانبه لا يتحدث عن علاقته بعرفات وباستثناء حوار نادر له لمجلة إسرائيلية صغيرة قال فيه انه لا يهتم باعتراف «ابو عمار» بعلاقتهما ،في حين كانت اجابات عدد من المسئولين الفلسطينيين عن طبيعة العلاقة متحفظة للغاية فقالت «حنان عشراوي» :انا لا اتحدث عن اشخاص أتحدث فقط عن موضوعات.وقال «نبيل أبو ردينة» (المتحدث باسم عرفات ومدير مكتبه) :العلاقة بين عرفات و«يوسي جوسر» أمر شخصي ولا اريد ان اتحدث عنه،خاصة وان لنا علاقات مع إسرائيليين كثيريين يأتون الينا مثل اعضاء الكنيست فعلاقتنا لا تقتصر على «يوسي جوسر» . زياد ابو زياد (عضو المجلس التشريعي) فجر مفاجأة باعترافه بأن هناك رجال مخابرات اسرائيليين كثيرين يقيمون علاقات قوية مع السلطة الفلسطينية ،ونحن لا نسيء معاملة أي شخص ترسله لنا الحكومة الإسرائيلية كمبعوث خاص ،فلو تعاملنا معهم بحساسية لما تحدثنا مع الإسرائيليين على الاطلاق. في الاطار نفسه قال «صائب عريقات» كبير المفاوضين الفلسطينيين ردا على السؤال عن طبيعة العلاقة بين رجل مخابرات سابق وبين عرفات: بدأت الاتصالات معه منذ خمس سنوات بعد أن ارسله رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل اسحق رابين. ومن جانبها كتبت ليئا ارملة رابين- في كتاب لها ان زوجها اخبرها بان «يوسي جوسر» هو القناة الخلفية له مع عرفات وانه لا يحتاج لقنوات اتصال اخرى في وجوده،خاصه وانه كان يلتقي عرفات في عامي 94 و 95 بمعدل مرة اسبوعيا بهدف استمرار الثقة والاتصالات بين الجانبين . وعن طبيعة العلاقة بين الجانبين قال «كارمي جيلون» رئيس الاستخبارات الاسبق في كتاب له : لم يكن يعرف احد أي شيء عن لقاءات «يوسي جوسر» بعرفات باستثنائي انا ورابين وبعد فترة علم بها مستشار رابين العسكري «داني ياتوم» الذي اصبح فيما بعد رئيسا للموساد . وكان «يوسي جوسر» يترأس آنذاك شركة خاصة وسرعان ما تم تعيينه مستشارا لرئيس الوزراء لشئون الاسرى والمفقودين وهو ما اتاح له ستارا رسميا للتمويه على لقاءاته الكثيرة مع رابين، اللقاءات مع عرفات كانت تتم بعد ترك السيارة على الجانب الإسرائيلي وعبور المنفذ على الاقدام حيث كان ينتظر محمد دحلان رئيس المخابرات الفلسطينية في غزة لكي يقله لعرفات وفي بعض الاحيان كان يشارك في اللقاءات مدير المخابرات الداخلية الإسرائيلية ايضا الذي وفقا له كانت تتم اللقاءات في منزل عرفات وكان يحضرها عدد من المسئولين الامنيين الفلسطينيين ،إلا ان الرسائل التي كانت يحملها «يوسي جوسر» من رابين لعرفات وبالعكس كان يتم تسليمها وتسلمها من والى عرفات في غرفة نومه ! بداية الاتصالات أما عن بداية العلاقة بين ضابط المخابرات وياسر عرفات فيرويها يهودي امريكي مسئول عن انشطة معهد واشنطن للسلام والتنمية الاقتصادية في الشرق الاوسط ويدعى «ستيف كوهين» (شارك في حرب اكتوبر على جبهة سيناء ) فيقول في مكالمة هاتفية من منزله بنيو جيرسي:أنا شخصيا بدأت بعد حرب اكتوبر اسعى لعقد علاقات مع العرب ونسجت علاقات مع المصريين الذين اعدوا لزيارة السادات للقدس وفي منتصف الثمانينيات طرحت فكرة إجراء حوار فلسطيني إسرائيلي وفوجئت بقائد الاستخبارات الداخلية الإسرائيلية (الشاباك) يرشح «يوسي جوسر» للمهمة وقد فوجئت لأنني اعرف انه شارك في التعتيم على قتل رجال الاستخبارات لاسرى فلسطينيين بعد استسلامهم وادعاء انهم اصيبوا في اشتباك مسلح رغم تصوير وسائل الاعلام لهم وهم يسيرون على اقدامهم بلا اصابات بعد استسلامهم (في ابريل 1984). في عام 1985 التقى «يوسي جوسر» و «شلوموه جازيت» مدير المخابرات الحربية الإسرائيلية ب«سعيد كمال» سفير منظمة التحرير في مصر وعدد من الدول الاوروبية و«هاني الحسن» قيادي فتح ووفقا لستيف كوهين ترك «يوسي» انطباعا جيدا لدى الفلسطينيين. اللقاءات تم رصدها ايضا في كتاب للصحفي الفرنسي «شارل اندرلين» اشار فيه الى ان الضابط الاسرائيلي قدم نفسه على انه مسئول امني إسرائيلي لكنه اكتفى بذكر اسم حركي له وكان «جو» اللقاءات اثمر طبقا للمصدر نفسه عن ثقة يوسي في امكانية التوصل لاتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية. يوسي استقال من منصبه عام 1987 بعد افتضاح دوره في قتل الاسرى الفلسطينيين ،لكن هذا لم يمنع لقاءه بعرفات في تونس بوساطة من ستيف كوهين وقد دار الحوار بالعربية وبدا ان عرفات قد وثق في الضابط الاسرائيلي بدرجة كبيرة. الغريب ان الضابط الملوث استمر في مهمته الحساسة بجوار رؤساء وزراء إسرائيل بصرف النظر عن انتمائهم الحزبي مع تجاهل دوره في قتل الاسرى والذي قال عنه محلل سياسي عندما فكر «يوسي» في ترشيح نفسه لعضوية الكنيست عبر الانتخابات الداخلية لحزب العمل لكي تشمله قائمة الحزب : اختيار «يوسي جوسر» لعضوية الكنيست عن حزب العمل سيكون نقطة سوداء في تاريخ الحزب وانا ادعو الناخبين لعدم منحه اصواتهم لأنه لا يصلح من الناحية الاخلاقية لعضوية الكنيست. وهو الموقف الذي تكرر عندما اراد رابين ان يعوضه بتعيينه امينا عاما لوزارة الاسكان حيث اصدرت المحكمة العليا في اسرائيل قرارا يحظر تعيينه وكان من حيثياته ما يلي : كيف يمكن لمجرم كذب على المحكمة وحاول تبرئة متهمين والتغطية عليهم ان يتحمل مسئولية وزارة حكومية؟! تاريخ مشبوه في المقابل ذكرت مصادر اسرائيلية ان سرتمسك الجانبين بوساطة «يوسي جوسر» رغم تاريخه ومحاولة الكثيرين احتلال مكانه تكمن في انه يجيد العربية ،ولا يترك الرسالة على المنضدة وينصرف مثلما كان يفعل الاخرون حيث كان يتبادل اطراف الحديث مع عرفات بصفته حمل السلاح مثله لفترة طويلة. وإذا كان نتانياهو قد استعان ب«يوسي جوسر» عدة مرات لاستيضاح مواقف معينة من عرفات والبحث عن جنود اسرائيليين مفقودين في الاراضي الفلسطينية فقد كان باراك من اكثر رؤساء الوزراء الذين استعانوا بخدمات يوسي حيث نظم الاخير في منزله لقاء لعرفات مع باراك كما حضر الاجتماع الذي تم مع عرفات في منزل باراك .المثير للدهشة ايضا ان الضابط الغامض ذا التاريخ المشبوه حضر مفاوضات الوضع النهائي على أنه عضو بالوفد الامريكي خوفا من ملاحقة الصحفيين له (!) وكان هو الذي فتح ملف التفاوض حول القدس بين الجانبين. أما بالنسبة لرئيس الوزراء الحالي اريل شارون فقد تعرف عليه عندما كان الاخير قائدا للمنطقة العسكرية الجنوبية حيث كانت مجلة «تايم» قد هاجمت شارون بضراوة فقرر رفع دعوى قضائية ضدها وهنا امر يوسي وكان مديرا لادارة امريكا الشمالية في الاستخبارات الداخلية الاسرائيلية بتوفير حماية لصيقة لشارون (!!) وفي المقابل عندما اصبح شارون وزيرا للصناعة والتجارة عين يوسي الذي استقال من الاستخبارات مديرا لمعهد تابع للوزارة . بعد انتخاب شارون رئيسا للوزراء استعان به مجددا منذ نحو شهر وارسله لعرفات ليخبره انه اذا لم تتوقف (اعمال العنف) فان الجيش الاسرائيلي سيدخل الاراضي الفلسطينية ومنذ نحو اسبوعين التقى به ثانية بصحبة «عمري» ابن شارون. وفيما يتعلق بعلاقاته الاقتصادية الوطيدة بالفلسطينيين فانها تتركز مع محمد رشيد مستشار عرفات.رشيد رفض التعليق على الانباء التي تؤكد انه شريك الضابط الاسرائيلي في مشاريع كثيرة. واثمرت الوساطة عن صفقة اسمنت كبيرة يمد فيها مصنع اسرائيلي اراضي السلطة الفلسطينية بالاسمنت بالاضافة للمشاركة في كازينو اريحا وارساء حمايته على شركة حراسة وتأمين اسرائيلية خاصة بضباط سابقين بالاستخبارات الاسرائيلية. الغريب ان الاعتراض على انشطة «يوسي جوسر» جاء من الجانب الاسرائيلي حيث اعترض المستشار القانوني للحكومة على الدور المزدوج ليوسي في الوساطة السياسية وعقد الصفقات التجارية.والاغرب انه رغم رفع دعوى قضائية لوقف انشطته السرية مع الفلسطينيين فان شارون يصر على الاستعانة بخدماته ووساطته.