قال الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل إن خريطة حقائق القوة تغيرت بالنسبة للعالم العربي بعدما كانت المنطقة العربية تساهم في رسم خرائط القوى في مناطق أخرى. وانتقد المبادرة المصرية الأردنية باعتبارها تعبير خاطئ وسياسة قاصرة لأنها اعتبرت استئناف المفاوضات هدفا في حد ذاته وليس وسيلة، وقال إن الإسلام السياسي ليس له مستقبل، وتوقع انفصال الجنوب السوداني عن شماله ملقيا اللوم على جميع الحكومات السودانية منذ الاستقلال. وأكد على ضرورة الوجود السوري في لبنان في الفترة الحالية باعتباره ضرورة استراتيجية للجانبين. وفي الحوار الذي أجرته محطة «بي. بي. سي» مع الكاتب الكبير، قال: إن بوش ومن حوله، «رامسفيلد وتشيني بالذات وكولن باول إلى حد ما» يعتبرون أن رئاسة كلينتون كانت مرحلة انتقال بين سقوط الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بالعالم، وأن رئاسة بوش هي بداية الانفراد الحقيقي بالقوة في العالم. ورأى أن الولايات المتحدة تعمل حاليا على «جس» المواقع في هذا العالم لمعرفة ايها رخو وأيها رصين لأنها تعتقد أن الأرض كلها خريطتها التي ورثتها ويجب أن تتحرك فيها دون أي عوائق. وقال هيكل أن كل منطقة في العالم لها ثلاث خرائط اولها خريطة التضاريس والثانية خريطة الحدود السياسية، والثالثة خريطة حقائق القوة. مضيفا ان خريطة حقائق القوة العربية أعيد رسمها، بعد أن كانت المنطقة العربية قبلا طرفا فاعلا في العالم وصانعا لخرائط مناطق أخرى مثل أفريقيا، ورأى أن خريطة حقائق القوة العربية تغيرت ولم تعد كما كانت عليه. وأشار الى ان من بين مظاهر تغير حقائق القوة ما تردد عن سحب الولايات الأمريكية لعدد من قواتها المشاركة بحفظ السلام في سيناء. مذكرا بأن حرب 1967 قامت لأن مصر طلبت سحب قوات الطواريء فوجدت اسرائيل ان الخطوط بينها وبين مصر مفتوحة وستؤدي إلى خطر عسكري حقيقي وبالتالي قامت بحركة إجهاض ووجهت ضربتها العسكرية. وابرز على المفارقة بين موقف أمريكا التي رأت في 67 أن سحب قوات دولية يمثل بشكل أو بآخر نذير حرب تبحث الآن سحب قواتها، الأمر الذي يعني أن أمريكا مطمئنة على سلامة الأوضاع، وعدم وجود خطر. ووصف الكاتب المصري المبادرة المصرية الأردنية بأنها سياسة قاصرة، موضحا أن كل سياسة تعبير عن موازين قوة، ومشيرا الى ان هذه المبادرة دليل على ان من قدموها لا يعلمون ما يريدون لأنها تعتبر التفاوض في حد ذاته غاية وليس وسيلة لتحقيق هدف. وانهم يسعون للحفاظ على المظاهر التي تشير الى وجود علمانية مستمرة، بينما اسرائيل لا تتكلم عن المفاوضات ولكن تتكلم عن الهدف من هذه المفاوضات. ويرى هيكل اننا لابد ان نحدد اولا ما نريد ثم نرتقي بوسائلنا الى مستوى ما نريد ونعيد النظر في اسلوب التفاوض. مشيرا الى انه اذا كانت المرجعية التي اختارها المفاوضون هي أوسلو رغم اعتراضه شخصيا على أوسلو كمرجعية، فلا بد من اعلان ان الأراضي التي تم الاستيلاء عليها بالقوة لا يجب أن تستمر مرهونة بالقوة وأننا سنتفاوض لتحقيق هذا الهدف وليس من أجل التفاوض في حد ذاته. واضاف ان الولايات المتحدة مطمئنة الى أنها تملك أوراق اللعب، وعندما قيل لأول مرة أن 99 في المئة من أوراق اللعبة بيد أمريكا لم يكن ذلك وقتها صحيحا ولكننا صدقنا المقولة بتكرارها ونفذناها. ومن ثم فأمريكا لن تنفض يدها أبدا من المنطقة ولكنها تعلم أنها تستطيع أن تحصل على ما تريد دون أن تدفع شيئا يذكر، ومن ثم فهي ليست على استعداد لأن تدفع ثمنا أكثر مما هو ضروري. واعتبر الوجود السوري في لبنان ضرورة استراتيجية لصالح البلدين، مشيرا الى أننا لا يجب أن نتجاهل أن جميع العناصر والقوى التي تسببت في الحرب الأهلية اللبنانية مازالت موجودة وكامنة، وأن هناك مصلحة لبنانية في الا يختبر الجيش اللبناني في حفظ الامن الداخلي في المرحلة الحالية. ولكنه أبدى تحفظه على وسائل الوجود السوري قائلا «لا بد أن نسلم بأن بعض الوجود السوري في لبنان غليظ ويده أثقل مما ينبغي» مشيرا الى وجود تجاوزات ومنها أن سوريا تمارس وجودها في لبنان عن طريق المخابرات وكان من الافضل ان تمارس وجودها عن طريق الحوار السياسي. وفيما يتعلق بالسودان قال الكاتب الكبير إن الانجليز كانوا يعملون بقصد فصل شمال السودان عن جنوبه وان هناك سببين يعززان ذلك أولهما جغرافي ويتعلق بأن جنوب السودان ينجذب باستمرار تاريخيا إلى شرق أفريقيا، والسبب الثاني ان جنوب السودان لا يتكلم العربية وانما لغات محلية ولا يدين بالإسلام. ورأى هيكل أنه كان يتعين على الحكومات السودانية بعد الاستقلال أن تعي هذه الحقيقة وتتخذ من السياسات ما يقضي على ما فعله الاستعمار وما «يلاشي» حقيقة انجذاب جنوب السودان على شرق افريقيا. واشار الى ان جميع حكومات السودان منذ 1956 تعاملت مع الجنوب باعتباره حق لها واكتفت بهذا الاعتقاد دون أن تبذل الجهود التي تؤكد هذا الحق. وتوقع ـ آسفا ـ ان جنوب السودان يتجه في هذه اللحظة باتجاه الانفصال. مستدركا أن العامل الوحيد الذي ربما يغري الجنوب في الاستمرار ضمن دولة السودان هو اكتشاف البترول مشيرا الى انها كارثة أن يكون هذا وحده الرابط بين شمال السودان وجنوبه. وميز هيكل بين روح الإسلام كدين وبين الاسلام السياسي مشيرا الى ان الإسلام السياسي ليس له مستقبل ودلل على ذلك بما يحدث في ايران من نمو التيار الاصلاحي على حساب تيار المحافظين.