تزايد العنف في المجتمع اليمني حتى كاد ان يصبح ظاهرة، وانتشر على نحو غير مسبوق وتعددت اسبابه الى درجة باتت معها معالجة المشكلة امرا مهما وملحا. وبدأت بالفعل دراسات على المستوى النفسي والاجتماعي والاقتصادي، والسياسي في التحولات التي حدثت في المجتمع اليمني على هذه الصعد. عن تفسير الظاهرة من الجانب النفسي يقول الدكتور عبدالمجيد الخليدي الطبيب النفسي اليمني المعروف: ان العنف ظاهرة سلوكية غير محبذة ولكنها قائمة ، وواقع معاش يزداد من يوم الى آخر ويتسع مداه ويتخذ اشكالا مختلفة والسبب ان العنف في المجتمع اليمني هو افراز لطبيعة الحياة الاجتماعية. فالسلاح منتشر في كل مكان ولدى كل الفئات ومن كل الاعمار وبمختلف انواعه، وهناك جهل وانتشار للامية وقلة وعي، وانفلات أمني وتشجيع مراكز القوى لاستخدام العنف في التعامل مع قضايا معينة او اشخاص معينين او جماعات معينة وذلك لان القانون لا يحكم المجتمع. والعنف ايضا هو ظاهرة ثقافية وفي تربيتنا الثقافية والاجتماعية تعود الناس على ان الذي لا يأخذ حقه بيده فهو انسان غير نافع ولا قيمة له والطفل يربى منذ نعومة اظافره على العدوانية ووفق مبدأ كن ذئبا قبل ان تأكلك الذئاب، تغدى بخصمك قبل ان يتعشى بك. ومن هنا تتكون وتتشكل معارفنا الثقافية تجاه العنف وانه سلوك مبرر وهو الشيء الذي يجب ان يتبع في الحياة اليومية حتى انه في بعض المناطق وفي بعض التركيبات السكانية وبالذات القبلية المسلحة والاكثر عزلة عن الحياة والحضارة والقيم الاخلاقية يقول الاب لابنه لا تأتي الي شاكيا بل احب ان اسمع من يشتكي منك او عد الي قاتلا ولا تعد الي مضروبا ومن هذا المنطلق تتكون شخصية الفرد نحو العنف وانه بالعنف وحده يكون لهذا الفرد قيمة اجتماعية. ومع عدم تطبيق القوانين والانظمة واللوائح تصبح ظاهرة العنف هي السائدة ولأن موظفي الدولة ينحدرون من الوسط القبلي او من الوسط الفلاحي المغبون فكل يستخدم السلطة لتبرير سلوكه العدواني ورغم وجود قوانين من الناحية الشكلية الا ان هذه القوانين لا تطبق ولا يقبلون بها مع الأسف اكثر الذين لايعملون بهذه القوانين هم المسئولون عن تنفيذها وتطبيقها والسبب انه يوجد نوع من الفصام بين ما يردده الناس سواء كانوا مسئولين بالدولة او القضاء والنيابة والأمن وبين ما يسلكونه فتجدهم يلوكون الكلام بأحسن طرقه اللفظية ولكنهم في سلوكهم يمارسون أشياء مشينة وغير سوية ومن هنا تأتي قضية عدم احترام المواطن لا للقانون ولا لمطبقه لان القوانين توضع بغرض المباهاة بانه لدينا قوانين احسن من غيرنا ومن اي بلد آخر من حولنا ومن جهة اخرى تستخدم هذه القوانين عندما يراد لها ان تستخدم ولاغراض معينة وهو ما يكرس قضية الازدواجية في المفاهيم وفي القيم وفي كل شيء. هيمنة الأفكار الشمولية ويرى الدكتور الخليدي ان هذه الممارسة هي محصلة لهيمنة الافكار الشمولية وافكار المجتمع الذي ينسلخ بتطوره في السلبيات ويضفي على هذه السلبيات بريقا جميلا وشكلا وهاجا ملفتا للنظر وهو في حقيقته لا يحمل اي شيء من هذا القبيل بل قد يحمل النقيض لما هو ظاهر وهذه بطبيعة الحال مشكلة نفسية ايضا لان التطور التراكمي يؤدي الى نتائج ايجابية أما التطور السريع الذي يحاول احراق المراحل دون تعميق الوعي والثقافة وقيم العلم والاخلاق يؤدي الى مثل هذه الانتكاسات ويستطرد الدكتور الخليدي كلامه موضحا ان قضية الجمع بين الشيء ونقيضه بغرض ذر الرماد في العيون امام الآخرين وان العنف موجود لدينا الا اننا حضاريين فكيف تستطيع ان تقول انك حضاري وانت تمارس العنف او الظلم والغش والقمع ومحاربة الناس بحقوقهم ونعتهم بأنهم مازالوا يحملون رواسب الماضي وانهم غير مستوعبين لظروف المرحلة .. الخ من التبريرات الديماجوجية. ويتابع الدكتور الخليدي حديثه بقوله عموما العنف ظاهرة سلبية افرزتها التطورات الاجتماعية والثقافية في البلد ومع الأسف لا ينظر الى العنف كمشكلة بل انه اذا لم يكن لديك وجاهات قبلية او اجتماعية او مراكز قوى او احد المسئولين من ضباط واصحاب مكانة هذا يمدك بجماعات تحميك وآخر باطقم عسكرية لا يمكنك ان تأخذ حقك ما يجعل العنف محصلة ورد فعل للفساد القائم في القضاء في النيابة في الامن وفي الادارة وكل هؤلاء في هذه المؤسسات يتاجرون بوظائفهم ويقبضون الاموال من هنا وهناك ومع الاسف فهم محميون والمفروض ان تكون الاجهزة الامنية بعيدة عن تسلط الاشخاص الذين يسيرونها لاغراض معينة وكذلك القضاء يجب ان يكون نزيها والادارة التي يجب ان يكون فيها ذوو الكفاءة والمقدرة والنزاهة والماضي الشريف وان يكون المسئول خال مما يعيب في تحمل المسئولية المناطة به لكن الملاحظ في كثير من الاحيان انه كلما كان المرء سيئا كلما كان في وظيفة افضل وكلما اساء كلما رقي وهذا بطبيعة الحال يؤدي الى عزوف الناس عن الفضيلة وفي الوقت ذاته يقود البعض الآخر الى مقاومة الفساد بالعنف على اعتبار انه الوسيلة المتاحة للوصول الى الحق وغير الحق. اختطاف الاجانب وعن موقع اختطاف السياح الاجانب في ظاهرة العنف يقول الطبيب النفسي عبدالمجيد الخليدي حقيقة لم يكن في التاريخ اليمني مثل هذا السلوك المعيب واليمنيون لم يلجأوا اليه في الماضي انما جاء هذا السلوك في مرحلة المماحكة السياسية وكل كان يلجأ اليه من اجل ان ينسبه للطرف الآخر وهذا اسلوب ذميم ومحط. ومع الاسف الاشخاص الذين يقومون بهذا العمل هم من مأجورين والموجهين وفي البداية اتخذ هذا الاسلوب طابعا سياسيا وفيما بعد اصبح الذين يمارسون هذا العمل يرفعون مطالب اجتماعية وتنموية او للافراج عن معتقلين وهذا مؤشر على ان هناك اشكال داخلي. وانا سألت بعض المختطفين ذات يوم الذين قدموا الى عيادتي للعلاج عن اسباب قيامهم بالاختطاف للاجانب دون المواطنين اليمنيين فقالوا اذا اختطفنا مواطنا يمنيا ستحصل بيننا وبين القبائل الاخرى مشاكل وهذا سيؤدي الى احتراب علاوة على اننا لن نحصل على حق اما عند اختطاف اجنبي فهذا يثير مشكلة بين الحكومة اليمنية والحكومات الاخرى ويدفع الحكومة اليمنية الى الاستجابة لمطالبنا ونحصل على ما نريد، فقلت لماذا تختطفون من رعايا دول بعينها، قالوا كلما كانت دولة المختطف ذات اهمية في علاقاتها باليمن كلما كانت الحلول سريعة وفعالة اما اذا اختطفنا سائحا او خبيرا من دولة فقيرة فالحكومة اليمنية لن تهتم به ولا حتى حكومته، ومن هنا يتضح ان العملية مسيسة وان من يمارسون الاختطاف يعرفون من يختطفون؟ ومتى؟ واين؟ بالاضافة الى ان هناك مافيا في البلد يشتغلون كسماسرة في قضية التوسط للافراج عن الرهائن وتدفع لهم جزية وللمختطف وهؤلاء يكسبون ملايين وتكونت منهم مجاميع. وحول اتساع نطاق ظاهرة الاختطاف يرى الدكتور الخليدي انها مازالت فردية وان كانت كثيرة لانه لا يمكن تعميمها وهي مشكلة تظهر كبيرة وغير طبيعية لكنها تظل فردية لان المرء لا يمكن ان يقول ان هناك قبيلة تتبنى عملية الاختطاف او مجموعة منظمة ذات صفة معينة وعندما نبحث سنجد ان فردا معينا او اشخاصا يقومون بهذه العملية وعموما قد تكون في تخطيطها غير فردية لكنها في تنفيذها تظل فردية. وحول تفسير تنامي العنف في الوقت الذي انتشر فيه التعليم ووسائل الاعلام يعتقد الدكتور الخليدي ان هذا موضوع آخر وليس انه كلما زاد التعليم تراجع العنف لأن المسببات الاجتماعية وعدم وجود مرجعية لحل المشاكل تجعل الناس يلجأون الى العنف للحصول على حقوقهم والواقع ان هناك اشكالا فضمن دائرة المسئولين تكونت مجاميع للاساءة للنظام نفسه وهذه المجاميع لها مصالح فلا يستطاع تحجميها والجامها ولاهي اقتنعت بما وصلت اليه وبالتالي يكون العنف ناتجا عن مثل هذه المعطيات فلو كان المسئول نزيها ويحاول حل المشاكل ويبتعد عن استخدام السلطة له ولمصالحه واسرته لقلت ظاهرة العنف خاصة اذا ما استخدمت القوانين لمصلحة المواطنين واقامة العدل فان هذه الظاهرة ستتراجع وتتقلص عما هي عليه. وعن ظاهرة العنف اللفظي السائدة داخل المجتمع اليمني يرى الخليدي ان هذه الظاهرة موجودة من زمان خاصة في القرى والارياف والمدن الهامشية انما الذي جعل هذه الظاهرة اكثر شيوعا هي الهجرة من الريف الى المدينة بكثافة والاختلاط والموروث الثقافي في مجتمع المدن ما ادى الى مزيج جديد من الالفاظ العدوانية واجمالا العنف هو انعكاس مباشر لهذه الظروف وغيرها من الظروف الاجتماعية والاقتصادية على اعتبار انها تفريغ للمعاناة من هذه الظروف. الحد من الظاهرة ويخلص الدكتور الخليدي في حديثه الى القول ان عملية الحد من هذه الظاهرة تتطلب وجود دراسات وابحاث علمية تحدد الاسباب بدقة والمعالجات الضرورية لهذه الظاهرة وان على مؤسسات المجتمع المدني ان تقوم بدورها في انجاز مثل هذه الدراسات ووضع التصورات والحلول لهذه القضايا وفي هذا السياق يعرب الخليدي عن اسفه لكون المجتمع ما زال يسير بعقلية شمولية موضحا انه لا يجري الاعتراف بشيء وكل ما نقوله عن ذلك محض لغو واستهلاك لفظي من بداية الحديث عن الفضيلة الى الحديث عن الديمقراطية وهذا يعني انه مجتمع مريض نفسيا لا يؤمن بشيء وكل ما يقال هو اظهار لما لا يبطن فيقولون نحن ديمقراطيون افضل من غيرنا ونحن حضاريون اكثر من غيرنا ، ونحن قتلة اكثر من غيرنا وظلمة اكثر من غيرنا ويستطرد موضحا هذا المجتمع يعاني من انفصام عميق والأسوأ انك تجد المسئول ليس له من هم الا جمع الاموال وتركيز اسرته واقاربه وجماعته في السلطة ونهب المال العام وظلم الآخرين واستخدام اجهزة الاعلام لتلميع صورته وصورة أهله وفي نهاية المطاف يستخدم وسائل الدولة القانونية وغير القانونية لقمع الآخرين والظهور بمظهر الكمال والمتاجرة بالثورة والديمقراطية والفضيلة والاخلاق وتهريب المليارات الى الخارج وكل هذه الامور مولدة للعنف