على مدى ثلاثة ايام اصبحت مدينة كيبيك الكندية قاعدة سياسية آهلة بالنشطاء والمستشارين والخبراء ومراسلي الصحف والتلفزيون حيث تتداخل الانجليزية بالبرتغالية والاسبانية بالفرنسية، وتحت سقف واحد قادة دول شمال القارة الامريكية وجنوبها ال34، يتقدمهم الرئيس الامريكي جورج بوش للمشاركة في قمة الامريكتين، وهي المرة الثالثة التي يلتقون فيها جميعا في ظرف أقل من عشر سنوات. واذا كان الزعيم الكوبي فيدل كاسترو هو الغائب الوحيد عن القاعة التي شيدت وسط الجزء القديم من المدينة وفي القلب من آثار القرن الثامن عشر، فان شبحه ماثلا لدى الالاف من المتظاهرين الساخطين على العولمة و «العم سام» الذين احتلوا اماكنهم وراء السور الاسمنتي او «الجدار» كما بات يطلق عليه، ربما لما له من رنة تذكر بجدار برلين.هذا الجدار هو احد اهم الترتيبات الامنية المكلفة في التاريخ الكندي، بالاضافة الى الرصاص البلاستيكي الذي دخل القاموس الامني لاول مرة في كندا المسالمة. وقد اقيم في محيط 3.8 كيلومترات لصد حشود منظمات العمال المزارعين والنساء والمنظمات الحقوقية والشيوعيين وانصار زابات. مخاوف مشروعة الدافع وراء الاحتجاجات، والاحرى، «العقيدة» القتالية لجيش المحتجين هو الاعتراض على اتفاقية اقامة منطقة التجارة الحرة بين الامريكيتين، والتي يراد منها وضع قواعد تجارية في كافة انحاء نصف الكرة الارضية بحلول يناير 2005 على ان يشرع بتطبيقها في ديسمبر من العام نفسه، ويخشى المعترضون ان تنطوي الاتفاقية، التي لم ينشر نصها الكامل بعد، على بنود سرية تتعارض ومقاييس حقوق الانسان او تتعدى على مجالات العمل والبيئة والصحة. ولكن الخوف الاكبر هو ان يأكل السمك الكبير السمك الصغير فتنفرد الولايات المتحدة بالمكاسب على حساب دول يسهل تمييز الاوضاع الاقتصادية الصعبة فيها والازمات الجوهرية الناتجة عن التوزيع غير المتساوي للدخل والتدهور في المؤسسات العامة كالصحة والتعليم، وقبل كل شيء، هناك التحدي الرهيب لتنوع المنطقة الذي يجمع بين الدول الافقر والاصغر وبين البعض من الاكثر سكانا وغنى وبضمنها القوى العظمى العالمية. الاتفاقية، كما تكشف الخطوط العامة، مكونة من 1200 صفحة وجاءت حصيلة تسع جولات من المفاوضات التجارية الشاقة وهي تتضمن لائحة بتخفيضات لنحو 7000 منتج بدءا بعصير البرتقال وحتى الفولاذ، ومع ذلك فهي مازالت موضع تجاذب وخلافات، وتكاد كل صفحة تتضمن كلمات محاطة بالاقواس التي تشير الى عدم الاتفاق وبين ابرز نقاط الخلاف قضايا التجارة عبر الانترنت وحقوق الملكية الفكرية والاتصالات. والحقيقة، ان الاحساس بالتهديد الوشيك يهيمن على دول كبرى في القارة مثل البرازيل التي كانت تريد الدفع بموعد تنفيذ الاتفاقية الى عام 2010 بينما كانت الولايات المتحدة وخلفها المكسيك وكندا تطالب بموعد اقصاه عام 2003، غير ان الجهود التي بذلت خلال الاجتماع الاخير في العاصمة الارجنتينية بوينس ايرس مكنت من الاتفاق على موعد وسط هو عام 2005، ومع ذلك، لا تزال هناك دول اخرى منها فنزويلا التي يقودها «يساري مشاغب» هو «هيوجو تشافيز» متردد في التنفيذ قبل الوصول الى نوع من الانسجام التجاري، ذلك ان التباطؤ الاقتصادي الامريكي غير المتوقع وانعكاساته على الاسهم المالية حطم اكثر من ثلاثة تريليونات من الثروة الورقية، وهو وان لم يصل الى كندا او المكسيك الا انه يمكن ان يخلف آثارا مدمرة على دول مثل الارجنتين التي تعاني من ازمة مالية حادة. وقد طار تشافيز الشهر الماضي الى البرازيل ليحذرها من الدفع بتاريخ تطبيق الاتفاقية الى الامام لان ذلك يعني عملية تفكيك للمنظمة. وهناك من يلقي بالشكوك على فكرة تحقيق تضامن امريكي، ويقول جوان جابريل فالدز سفير شيلي في الامم المتحدة ورئيس سابق لفريق بلده للتفاوض على التجارة الحرة ان العمل الذي قمنا به طيلة السنوات الماضية يمكن ان يتعرض للفشل ما لم يدعم سياسيا، وما يثبت مصداقية وجهة النظر هذه النزاعات التجارية بين دول القارة، فقبل أقل من شهر نشبت بين كندا والولايات المتحدة ازمة خشب البناء التي يمكن ان تتطور الى حرب تجارية تكلفتها مليارات الدولارات، ومازالت كندا والبرازيل على خلاف عميق حول الاعانات المالية لشركات تصنيع الطائرات في البلدين وحول تجارة اللحوم، كما تفجرت مؤخرا بين الولايات المتحدة والبرازيل ازمة تسعير ادوية الايدز. ومعظم النقد يوجه للولايات المتحدة التي تقوم بدور «الابرشية» بالنسبة لحلفائها في «منظمة الدول الامريكية» فهي تبدو مستعدة للتوقيع غدا على الاتفاقية حتى لو ادى الامر بتصفية الدول الاخرى، في «مطحنة اللحوم»، كما يبدو الرئيس بوش اكثر الجميع حماسا اذ لم يخف رغبته بالاستمتاع باول فرصة لاستعراض قيادته امام تجمع كبير كقمة الامريكتين، بعدما اخفقت ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون في اقتناص هذه الفرصة حين رفض الكونجرس المسودة الاولى للاتفاقية قبل ادخال الكثير من التعديلات عليها لحماية التجارة الامريكية فهناك تقريبا 130 اتفاقية تجارية حرة حول العالم الا ان الولايات المتحدة ليست طرفا الا في اتفاقيتين فقط. اما المتفائلون بالتكامل الاقتصادي والاخذ بنماذج الشراكة والمعلومات العامة فيرون ان مواصلة الحوار وتعزيز التعاون الذي بدأ في قمة ميامي الامريكية في ديسمبر 1994، من شأنه تبديد تلك المخاوف، وبالتالي وقف الصخب القائم حيالها، مثلما يمكن ان ينعش الحلم القديم بوحدة نصف الكرة الارضية، فمنذ ذلك الوقت، حصل تقدم هام، اتاح فرصا كبيرة لوضع خطط وبرامج مشتركة بين الدول الاعضاء في «منظمة الدول الامريكية» تؤكد رغبتها في علاقات راسخة ديناميكية تحقق في نهاية المطاف عملية التكامل الاقتصادي. وكمثال على ذلك ان كندا الدولة المضيفة استطاعت خلال الأعوام التي اعقبت القمة من مضاعفة حجم تجارتها ثلاث مرات مع الدول الامريكية اللاتينية والكاريبية. واظهرت القمة الثانية التي انعقدت في مثل هذا الشهر من عام 1998، بالعاصمة التشيلية سانتياجو، منافع اقتصادية حقيقية في نتاج الامريكيتين من التجارة المفتوحة، وشفافية في التنظيمات الاقتصادية، وفي السياسات الاقتصادية نفسها اساسها سوق صحيحة تستوعب نحو 800 مليون نسمة (15 في المئة من سكان العالم)، وقد انتجت اكثر من 11.4 تريليون دولار من السلع والخدمات في 1999 وحوالي 2.7 تريليون في المبادلات التجارية، بالاضافة الى جهود القطاع الخاص لتحسين قدرته التنافسية، فبالرغم من خضوع دول القارة للضغوط الاقتصادية والمالية، كما هو الشأن في مناطق اخرى من العالم التي واجهت نكسات اقتصادية جدية، ارتفع معدل النمو بشكل شامل تقريبا في الامريكتين، بل كان النمو في بعض الدول اسرع من المتوقع، وهبط مستوى التضخم، فيما توسعت فرص التبادل التجاري وازدادت الثقة بقدرة اقتصاديات ناشئة على مواجهة السوق العالمي. ويعزى السبب الرئيسي لهذا السجل الايجابي الى الشراكات الجديدة التي تشكلت وتقوت وتوسعت على المستويين الثنائي والاقليمي في نطاق اتفاقيات التجارة الحرة. وتراهن قمة كيبيك الحالية على تحقيق ازدهار حقيقي للقارة في حال انجاز المشروع المقترح باقامة منطقة تجارية حرة (FTAA) فمن شأن هذا المشروع الذي يحتل الاولوية في جدول الاعمال، تحقيق التكامل نصف الكروي باعتباره الاداة الضرورية للسياسات الوطنية الهادفة الى التغلب على المشاكل الطويلة الامد والوصول الى مستوى اعلى من التطور. وفي الحساب الاوسع، تسعى الدول الامريكية الى ان تكون عملية التكامل مستندة على احترام الهويات الثقافية مما يجعلها بمثابة ارضية مشتركة تتشابك فيها مجموعة القيم والمصالح التي تساعد في الوصول الى هذه الاهداف. وقد رأى «بيان سانتياجو» ان العولمة تعطي فرصا عظيمة لتقدم الدول الامريكية وتفتح مناطق جديدة من التعاون للمجتمع نصف الكروي، ومع اقرار البيان بتصعيد العولمة للاختلافات بين هذه الدول وربما داخل مجتمعاتها، خصوصا بالنسبة لمن هي اكثر ضعفا، الا انه اشار ايضا الى امكانية جني فوائد، فهو يجادل بأن التكامل الاقتصادي والاستثمار والتجارة الحرة، عناصر اساسية لرفع مستويات المعيشة، وتحسين شروط حياة السكان وحماية البيئة. جهود «وحدوية» مبكرة تعود جهود التكامل الاقتصادي للدول الامريكية والتعاون فيما بينها سياسيا وعسكريا وثقافيا الى وقت مبكر من القرن التاسع عشر، ففي عام 1826 جرت الدعوة الى «كونجرس بنما» بفكرة مفادها اقامة تجمع لدول نصف الكرة الارضية. وفي عام 1890، عقد في واشنطن المؤتمر الاول للولايات الامريكية، حيث تأسس «الاتحاد الدولي للجمهوريات الامريكية» وقد تم تشكيل مكتب للأمانة العامة، وآخر للشئون التجارية، ومهد هذا الاتحاد لقيام اول تنظيم مؤسساتي للدول الامريكية المستقلة آنذاك عرف باسم «الاتحاد الامريكي الدولي» الذي خرج الى حيز الوجود عام 1910، وفي 30 ابريل 1948، عند انعقاد المؤتمر التاسع للاتحاد في بوجوتا بكولومبيا، وقعت 21 دولة على دستور الاتحاد الذي بات يعرف باسم «منظمة الدول الامريكية (OAS) وعلى البيان الامريكي لحقوق الرجل وواجباته، في سياق اول «اعلان مباديء» دولي لحقوق الانسان صدر عن الدول الـ 21 المشاركة في المؤتمر، والذي أكد التزامها بهذه المباديء واحترام كل دولة لسيادة الدولة الاخرى، وقد اخذت «منظمة الدول الامريكية» بالتوسع لتضم لاحقا الدول الكاريبية، بالاضافة الى كندا. قبل قمة ميامي، عقدت «منظمة الدول الامريكية» قمتين رئاسيتين، الاولى في «بنما»، في يوليو 1956 على عهد الرئيس الامريكي «دوايت آيزنهاور»، ضمت زعماء 19 دولة امريكية، لبحث وسائل ايجاد قوة دافعة لاقتصاديات القارة وتنميتها الاجتماعية، وكان أهم نتائج تلك القمة وضع الاساس لانشاء «البنك الامريكي للتنمية»، وتاليا «اللجنة الاقتصادية لامريكا اللاتينية والكاريبي». اما القمة الثانية، التي عقدت في «بانتا ديل إست»، بالاورجواي في ابريل 1967 بمشاركة 19 زعيما وحضور نائب الرئيس الامريكي «ليندون جونسون»، بالاضافة الى ممثل عن هايتي، فقد سيطر على اشغالها هاجس تقوية التحالف بين الولايات المتحدة والدول الامريكية الاخرى، وبحثت تلك القمة مبادرة للرئيس جون كيندي تدعو لعلاقات سلمية بين دول الامريكيتين بما في ذلك الحد من التسلح، ذلك ان توقيت انعقادها جاء في ذروة الحرب الباردة، وظهور زعماء راديكاليين يهددون، من وجهة النظر الامريكية، القارة بعدم الاستقرار، وفي مقدمة هؤلاء الرئيس الكوبي فيدل كاسترو الذي استثنيت بلاده ابتداء من عام 1962 من المشاركة في نشاطات المنظمة، وبالتالي حرمت من التصويت داخلها ولكن دون ان تفقد عضويتها في المنظمة. غير ان الهدف في القمتين ظل واحدا وهو اقامة سوق مشتركة امريكية لاتينية، وقد وقعت 20 دولة بيانا بهذا المضمون على ان لاتدخلها الولايات المتحدة قبل عام 1980، ولسوء الحظ لم ينجز شيء من رؤية 1967 للتجارة الحرة لنصف الكرة الارضية، كما لم تطبق الخطة الانمائية بالكامل نظرا لانشغال القسم الجنوبي للقارة بالصراع بين المعسكرين الامريكي ـ السوفييتي وقتها، وما تمخض عنه من دورات عنف وانقلابات عسكرية ودكتاتورية. في عام 1994، حيث ازيحت تماما من امام الولايات المتحدة الخرسانة الضخمة للايديولوجيات لتحتل، اثر انهيار الاتحاد السوفييتي، موقع القوة الوحيدة في العالم، تجددت، من وجهة النظر الامريكية، الشروط الملائمة لحكومات الامريكتين كي تلتقي مرة اخرى. وهكذا جاء اقتراح الرئيس بيل كلينتون في يناير من ذلك العام بتنظيم قمة رئاسية للدول الامريكية، تناقش الامور التالية: ـ المباديء والقيم الديمقراطية، وتقوية المؤسسات. ـ الاستراتيجيات العامة في تعزيز الديمقراطية، وتوسع التجارة والتكامل المتزايد. ـ الآليات الضرورية للديمقراطية والاصلاح الاقتصادي. ـ العلاقات الجديدة للتغلب على عقبات التطور. واعقب الاقتراح قيام نائب الرئيس «ال جور» في مارس من العام نفسه بزيارة الى المكسيك، اعلن خلالها رغبة الرئيس كلينتون استضافة القمة في «ميامي» وفي ديسمبر التقى رؤساء 34 دولة من شمال القارة الامريكية وجنوبها على جدول اعمال تضمن بالاضافة الى البنود التي اقترحها كلينتون قضايا ذات علاقة باوضاع القارة مثل محاربة تهريب المخدرات، وحماية البيئة، والامور الاجتماعية: الثقافة، الصحة، التعليم، وتوفير فرص العمل. لا للدكتاتوريين كانت «قمة ميامي» الخطوة الضرورية لتفعيل «منظمة الدول الامريكية» بعد 27 عاما على آخر اجتماع لها، واحياء مجموعة الاسس التي قامت عليها، وكان طبيعيا، كونها القمة الاولى التي تعقد في اعقاب الحرب الباردة وهبوب رياح التغيير الديمقراطي على الجزء اللاتيني، ان تركز على موضوع تقوية العملية الديمقراطية، واقامة حوار سياسي كمنطلق لاستقرار اقتصادي في عموم القارة. وقد تعهد قادة الدول الاعضاء في المنظمة المضي في سياسة تحرير التجارة بتزامن مع مواصلة الاصلاحات وتحسين ظروف معيشة السكان بما يجعل من كل مجتمع عاملا مساعدا على انسياب التبادل التجاري، ولهذا السبب، تقرر ان يكون التعليم الموضوع الرئيسي الذي يحظى بالاهمية القصوى في جميع المشاورات. وقد حددت تلك القمة على نحو واضح الادوار والاولويات الجديدة التي ينبغي الاضطلاع بها من الدائرة القطبية الشمالية الى شيلي في الجنوب، والتي تمثلت بـ 23 مبادرة تعكس الاهتمامات الكبرى للدول الامريكية: (تعزيز الديمقراطية، حقوق الانسان، محاربة الفساد والمخدرات والارهاب، التجارة الحرة، الامن .. الخ)، وعلى المستوى نفسه، حددت شروط وآليات عقد الاجتماعات المنتظمة (اربعة لممثلي الدول والمنسقين كل عام واجتماع واحد لوزراء الخارجية) والقمم الدورية، ومن بين تلك الشروط ان يكون الرؤساء او رؤساء الحكومات ممن «انتخبوا ديمقراطيا» وان يلتقوا جميعا على ذات المباديء السياسية والعناصر المؤسساتية التي هي ليست سوى الايمان بـ «اقتصاد السوق الحرة»، وهي شروط المقصود منها احكام طوق العزلة الامريكية على كوبا واستبعاد رئيسها «الدكتاتور» كاسترو، رغم المحاولات التي بذلتها كندا وعدد من الدول الاعضاء في «منظمة الدول الامريكية» كالمكسيك وفنزويلا لضمه الى لائحة المشاركين. وفي هذا السياق، جاء قرار كندا بعدم توجيه الدعوة لكوبا حضور قمة كيبيك، ففي خضم التحضيرات الجارية لعقد القمة اعلن وزير الخارجية الكندي جون مانلي ان كندا لم تعد محامي كوبا ولن تسمح لها بالمشاركة في القمة مستقبلا او في «منظمة الدول الامريكية»، وكان مبرر هذا القرار ان كوبا تفتقر الى الالتزام بالمباديء الديمقراطية، رغم اعتراف مانلي بان دولا مثل هايتي وكولومبيا هي «ديمقراطيات مهزوزة ولها سجل فقير في مجال حقوق الانسان»، وانضم الى مانلي سلفه لويد اكسورثي الذي يعد المنظر الحقيقي للعلاقات الكندية ـ الكوبية في القاء اللوم على كوبا، حيث صرح: «منحناهم الفرصة لكنهم لم يفتحوا الابواب»، واضاف وزير الخارجية الكندي السابق والمعبر عن سياسة رئيس الوزراء الكندي الاسبق بيير ترودو الذي كان اول مسئول كندي كبير يزور كوبا، ان نظام كاسترو اغلق باب القمة على بلاده وعليه ان لا يلوم الا نفسه. وكان القرار الكندي مفاجئا الى حد ما، ذلك ان رئيس الحكومة جان كريتيان كان قد دعا في قمة ميامي 1994 الى وجوب مشاركة كوبا في القمة واعتبر استثناءها «نفاقا» كما شدد على حضورها في القمة الثانية التي عقدت في شيلي بعد اربعة اعوام، بل ان كريتيان ذهب بعيدا، حين قام عام 1998 بزيارة كوبا، متجاهلا المقاطعة التجارية الامريكية لها، واعرب منها عن ترحيبه بحضور كاسترو في كيبيك، كما عمل على تشجيع الحوار بين أوتاوا وهافانا، الامر الذي دفع بالعديد من الشركات الكندية الى صب ملايين الدولارات لانعاش الاقتصاد الكوبي لكن العلاقات سرعان ماتدهورت عام 1999، عندما حكمت السلطات الكوبية على اربعة منشقين بالسجن مددا طويلة بالرغم من الجهود التي بذلها كريتيان للتوسط نيابة عنهم، وعندها اعلن ان كندا ستضيف «بعض ثلوج الشمال» الى علاقاتها مع كوبا، وحين سرت البرودة في اوصال العلاقات، توقفت الزيارات الثنائية عالية المستوى. ولم تنج كندا من الاتهام بمسايرة واشنطن رغم تأكيدها بانها اتخذت قرارها بمعزل عن السياسة الامريكية، وهذا ما عبر عنه صراحة وزير الخارجية الكوبي فيليب بيريز الذي اعتبر استثناء بلاده من قمة المكسيك يثبت أن ليس أحداً في نصف الكرة الارضية يمكن ان يعمل ضد رأي الولايات المتحدة. وفي كل الاحوال، لم يكن امام كندا الذهاب بعيدا، فلا يوجد هناك مضيف يغامر برمي مفتاح الربط بين المدعوين. الموازنة بين السياسي والاجتماعي ولكن اذا كانت كندا قد اغفلت كوبا وفضلت الالتفات الى مصالحها الحيوية مع الولايات المتحدة، حيث 87% من تجارتها مع الجارة الجنوبية، فانها، وبدافع من استغلال الفرصة لوضع اثر دائم لها، عملت على تطوير جدول اعمال القمة الثالثة بما يحقق التوازن بين الجانبين السياسي والاقتصادي وبين الجانب الاجتماعي، فثمة في الورقة الكندية للقمة الثالثة مبادرات عديدة تتصل بحقوق الطفل وازالة التمييز والعنف ضد النساء، ومأسسة جهود الاغاثة الانسانية حول الكوارث الطبيعية من خلال اقامة شبكة امريكية للتوقعات الجوية، واشراك المجتمع المدني في صناعة القرار وترسيخ ثقافة العدالة والسلام. وفي صلب هذه المبادرات، قضية السكان الاصليين، وهي قضية تكاد تكون منسية وحتى مهملة امام سخونة القضايا الاخرى، فقبل فترة طويلة من وصول المستكشفين والمستوطنين الاوروبيين، كانت الامريكيتان بيتا واحدا يزخر بانواع مختلفة من الثقافات، وقد ساعد ذلك السكان الاصليين على تشكيل الارض والحياة لالاف السنين، ومع انهم يواصلون اليوم دورهم المتميز في تطور الدول التي يعيشون فيها، لكن اعدادا كبيرة منهم فقدت عناصر تكاملها مع الثقافة التقليدية في الوقت الذي تعاني فيه من صعوبة الاندماج بالمؤسسات المعاصرة، فضلا عن عدم الاعتراف بحقوقها الامر الذي جعل الانتقالات والتحولات السياسية والاقتصادية في العديد من هذه الدول تصطدم بهذا الواقع. وبالرغم من بعض التقدم لصالح السكان الاصليين في اماكن من القارة، الا ان ما حصل كان بطيئا جدا، وكانت المبادرة التي اطلقتها الامم المتحدة عام 1994حول العقد الدولي للسكان الاصليين، مبادرة بعيدة المدى لاثارة الوعي بقضاياهم في مختلف انحاء العالم، ففي فبراير 1997 تمت الموافقة على البيان الامريكي لحقوق السكان الاصليين الذي صاغته «منظمة الدول الامريكية»، واقرت فيه بتميزهم واعتبارهم مكونا اساسيا للنسيج الاجتماعي، ينبغي تحسين مستوى معيشتهم والعمل على الوصول الكافي بهم الى التعليم والرعاية الصحية والتدريب المهني. وبين اوراق العمل الاخرى، ورقة تقدم بها كل من المكسيك وكولومبيا وفنزويلا، وهي من الدول المنتجة للنفط، لانشاء صندوق اجتماعي لحماية الفقراء يخصص له 156 مليون دولار. وهي فكرة (مصممة) لاحتواء الاحتقان الاجتماعي اكثر بكثير من كونها عملية تكامل، فبينما امريكا اللاتينية تفكك حواجزها التجارية، سيكون من الصعب ترك (الفقراء) الى مصيرهم ولعل الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز ونظيريه المكسيكي والكولمبي فايسينت فوكس واندريس باسترانا، كانوا يصيخون السمع للغضب الشعبي اثناء اجتماع وزراء مالية دول شمال القارة الامريكية وجنوبها في بوينس آيرس عندما اقترحوا هذا الصندوق على القمة، فالعولمة المنتشرة وربع قرن من الحكومات الديمقراطية اخفقا في تخفيف الفاقة في امريكا اللاتينية ففي فنزويلا وحدها يعيش نصف الـ 24 مليونا من السكان دون عتبة الفقر. ولعل الاقتراح الملفت للنظر ذلك الذي تقدمت به بيرو والذي يدعو الى تشكيل لجنة رقابة دائمة على الديمقراطية، وذلك قصد ايقاف الانقلابات العسكرية والتهديدات الاخرى التي تستهدف الديمقراطية في امريكا اللاتينية، وهو الاقتراح الذي وصف بأنه محاولة لوضع اللحم على عظام القمة. ويتوخى الاقتراح وضع دستور جديد لـ «منظمة الدول الامريكية» ينظم ويعزز القرارات الحالية المدافعة عن الديمقراطية، ويلزم الاعضاء بالدفاع عن المباديء الديمقراطية الاساسية، ومقاومة اي نشاط او تطور سياسي يمكن ان يفجر علاقات التعاون في الامريكيتين. وفي حال عدم التوصل الى مثل هذا الدستور، فمن المتوقع ان يتضمن البيان السياسي للقمة اشارات صريحة للدور الدقيق الذي على المنظمة القيام به، ومن ذلك تعهد القادة بالقيام بخطوات محددة عندما تكون الديمقراطية مهددة بانقلاب او حين يقوم زعيم منتخب بتعليق الدستور للاستحواذ على سلطات فوق العادة، وهو الاجراء الذي اتخذه عام 1992 الرئيس البيروفي السابق البيرتو فوجيموري، واستولى بواسطته على سلطات فوق العادة في «انقلاب الادارة الذاتي» قبل ان يضطر قبل فترة قصيرة الى التخلي عن اكمال ولايته الرئاسية والهرب الى بلاده الاصلية، اليابان