تحولت قضية المجتمع المدني في سوريا الى مسألة محورية في حركة الحياة السياسية والاجتماعية وذلك مع ازدياد عدد المنتديات التي يجري الاعلان عن تأسيسها من جهة واتساع دائرة الحوار والمواجهة بين تيارين متقاربين حول ظاهرة المجتمع، المدني من جهة اخرى. ويتركز النقاش بصورة اساسية حول علاقة المجتمع المدني بالدولة، وسط تزايد المخاوف من ان تكون التيارات والطروحات الداعية الى تسريع خطوات المجتمع المدني في سوريا، هي جزء من حملة ضغوط ومواقف ترمي الى اضعاف البلاد من الداخل وجعلها غير قادرة على ان تحقق الخطوات المدروسة، في اطار عملية التحول والانتقال الى المجتمع المدني. وتعد هذه المنتديات ارهاصات لتكتلات سياسية، وبتدقيق النظر في هذه الظاهرة تظهر اطياف التكوينات السياسية كالليبراليين واليساريين والعلمانيين والاسلاميين اضافة الى الملتقيات الكردية حيث تم الاعلان عن تأسيس «منتدى بدرخان» الثقافي في القامشلي شمال شرق سوريا. «البيان»: التقت عددا من مسئولي هذه المنتديات ودخلت مقارهم للتعرف على ما تطرحه من مطالب ومفاهيم للمرحلة المقبلة. اول لقاء لنا كان مع خليل معتوق مسئول المنتدى الثقافي لحقوق الانسان الذي قال: في الآونة الاخيرة كثر الكلام عن موضوعات الديمقراطية ومقوماتها وعن الطائفية ومساوئها وعن مشاريع قوانين اقتصادية وسياسية. وايمانا منا .. بان الانسان حر بطبيعته وان البشر متساوون بالحقوق وهذا مستمد من قيمنا الحضارية والوطنية التي ساهمت بثقافة وتقاليد كان لها وجهها الانساني الذي يعلي شأن وكرامة الانسان. وقناعة منا بان الحقوق الانسانية وحدة لا تتجزأ كمفهوم عالمي كما حددت بالاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهود والمواثيق الدولية الملحقة به. وتأكيدا لما ورد في دستورنا السوري الذي يجب ان تحظى قواعده بالاحترام وان تكون حاكمة (نصوصه) لجميع التشريعات الوطنية ووقف اية تجاوزات او استثناءات عليه وعلى القوانين وفي هذا المنحى فقد اتخذت الدولة مؤخرا تدابير هامة وايجابية على هذا الصعيد ومنها الافراج عن ستمئة معتقل سياسي. من الجدير بالذكر انه لاول مرة منذ عقود يصرح رسميا بان الافراج تم عن سجناء سياسيين ومن تنظيمات سياسية مختلفة وان ذلك يحمل في ثناياه مغزى قد يصل الى الاعتراف بالآخر كوجود سياسي ترافق ذلك بقرار اغلاق سجن المزة سيء الصيت بما يمثله كرمز لارهاب السلطة وقمعها للرأي الآخر، وقرار القيادة القطرية بالموافقة على فتح مقرات رسمية وعلنية لاحزاب الجبهة الوطنية التقدمية واجراء تعديل على قانون المطبوعات والموافقة على اصدار صحف لاحزاب الجبهة. وقد سبقت هذه التدابير حالة من النشاط السياسي العام في البلاد واتسم بقدر من الحرية فقد بزغت منتديات عديدة بعضها بدأ قبل هذه المرحلة، وكتبت مقالات عديدة في الصحافة المحلية والعربية كانت تعتبر خطوطا غير مسموح بالوصول لها. إعادة الاعتبار واستكمالا للخطوات المهمة المذكورة نأمل بالافراج عن جميع معتقلي الرأي والضمير واحالة من قام باعمال ارهابية الى محاكم عادلة تتوافر فيها ضمانات الدفاع. كما نأمل باعادة الاعتبار لجميع الذين افرج عنهم من معتقلي الرأي والضمير ودفع التعويضات المناسبة لهم واعادتهم للعمل وتأمين العمل لمن ليس له عمل سابق. ونأمل ايضا باصدار قانون الجمعيات والاحزاب ليتسنى لنا الحصول على ترخيص قانوني لهذا المنتدى للعمل بشكل علني وقانوني افضل. وهذا يستدعي اولا رفع حالة الطواريء والغاء الاحكام العرفية. ومن هذا المنطق ارتأينا نحن مجموعة من الاصدقاء والمهتمين بهذا الشأن تأسيس المنتدى الثقافي لحقوق الانسان بصفته هيئة سورية غير حكومية متخصص في مجال حقوق الانسان. مستقل ليس له علاقة تنظيمية باي حزب سياسي او منظمة اجتماعية تعمل بنفس المجال داخل البلاد او خارجها ونؤكد بان تقوم العلاقات على اساس التعاون المتكافيء بما يخدم اهداف المنتدى ويعزز حقوق الانسان ويطور سبل التعاون مع كافة مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بقضايا حقوق الانسان على تنوعها سعيا الى بلورة حركة فاعلة لحقوق الانسان. ونحن في المنتدى الثقافي لحقوق الانسان في سوريا لا نؤيد او نعارض اية حكومة في بلادنا ولا نؤيد او نعارض آراء السجناء الذين نسعى من جانبنا لحماية حقوقهم والدفاع عنهم، في نفس الوقت الذي نسعى فيه لنشر ثقافة الدفاع عن الحقوق الانسانية المنتهكة وبناء تقاليد احترام حقوق الانسان من قبل الجميع حكومة ومعارضة بغض النظر عن الايديولوجية والآراء السياسية. ولتحقيق اهدافه يسعى المنتدى الى نشر ثقافة حقوق الناس وحمايتها وتعزيزها وتأكيدها بنصوص القانون وتسخيره لهذه الغاية نصا وتطبيقا ومن اهم اهداف المنتدى: ـ اولا: المساهمة في تطوير ثقافة حقوق الانسان في سوريا وبناء تقاليد ومؤسسات للدفاع عنها. ـ ثانيا: العناية بكل ما فيه تأصيل للفكر الانساني والبحث في اصوله بما يخدم الارتقاء المستمر في تشريعات وقانون حقوق الانسان وتضمينها في دستورنا الوطني والقوانين الداخلية. ـ ثالثا: زيادة المعرفة والوعي بحقوق الانسان وضمانتها في القوانين الوطنية والدولية والتعريف بالوسائل والاجراءات الادارية والقضائية لحمايتها. ـ رابعا: تعزيز وتطوير دور المحامين والحقوقيين في مجال الدفاع عن حقوق الانسان وتطور البرامج الدراسية خاصة في كلية الحقوق بما يخدم نشر ثقافة حقوق الانسان والدفاع عنها. ـ خامسا: تمكين المواطن من معرفة حقوقه والمطالبة بها والدفاع عنها وتوفير المساعدة القانونية الى طالبيها من المحتاجين والفقراء والمستضعفين في المجتمع كالاطفال والنساء وكبار السن وذوي الحاجات الخاصة. وانطلاقا من ان الوقاية خير من العلاج فاننا نرى بان تعلم وتعليم حقوق الانسان احدى الركائز الهامة من اجل بناء ثقافة حقوق الانسان حتى تغدو جزءا من ثقافتنا واعرافنا تساهم في صد الانتهاكات ورفع التجاوزات الواقعة عليها. وسنحاول في المنتدى الثقافي لحقوق الانسان تحقيق اهدافنا عبر مختلف الوسائل ومنها: ـ أـ تنظيم الندوات والمؤتمرات والاجتماعات الوطنية والعربية والدولية حول مختلف المواضيع ذات العلاقة. ـ ب ـ تنظيم دورات وحلقات دراسية وتدريبية حول مختلف المواضيع النظرية والتطبيقية ذات العلاقة بالقانون وحمايته وسيادته وبالتعاون مع المنظمات غير الحكومية وخاصة للمدربين والعاملين في هذا المجال (محامين، باحثين ميدانيين، نشطاء حقوق انسان). ـ ج ـ انشاء مركز دراسات متخصص في حقوق الانسان وتوفير بنك معلومات وقاعدة بيانات واجراء الدراسات وحلقات البحث حول هذه المسائل بغرض نشر الوعي والاحترام لحقوق الانسان. ـ د ـ نشر المحاضرات والحوارات التي ينظمها المنتدى والتحضير لاصدار مجلة خاصة باسم المنتدى عندما يسمح القانون بذلك والسعي لوجود نظائر لهذا المنتدى في سائر المحافظات ومن ثم سنسعى لانشاء منظمة وطنية مستقلة للدفاع عن حقوق الانسان في سوريا. وقد قدم في المنتدى الثقافي لحقوق الانسان ثلاث محاضرات كانت الاولى للباحث جاد الكريم الجباعي حول «مقدمات اولية للحوار في قضية حقوق الانسان» والثانية قدمها المحامي حسن رفاعة وكانت حول «الاعلان العالمي لحقوق الانسان» والمحاضرة الثالثة قدمها الدكتور جورج جبور بعنوان «الميثاق العربي لحقوق الانسان» والمحاضرة الرابعة للباحث الديني الشيخ جودت سعيد حول «الاسلام وحقوق الانسان». وتشرف على اعمال المنتدى وادارته لجنة تنسيق وتؤكد دائما على احترام التعددية الفكرية واعمال مبدأ الديمقراطية والشفافية والمكاشفة في نشاطه. ونحن بصدد انجاز صياغة لائحة داخلية ناظمة لعمل المنتدى وتحديد مهام لجنته والالتزام بذلك في الممارسة. وحول موضوع تمويل المنتدى نؤكد على اهمية الحفاظ على التمويل الذاتي من الاعضاء والاصدقاء وعلى اهمية ابتكار وسائل محلية للتمويل بشكل طوعي. ظاهرة وضاءة الدكتور حسان عباس مسئول منتدى الحوار الثقافي قال: المجتمع المدني ضرورة حيوية للشعب الطامح الى تحقيق الديمقراطية، والمجتمع السوري تواق لتجاوز الركود الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي قادته عقود من سلطة الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع وادت في نهاية الامر الى تعطيل الامكانات الحيوية الخلاقة التي يزخر بها المجتمع السوري، وهذا التوقف بالذات هو ما يفسر تلك الظاهرة الوضاءة الممتدة على امتداد البلاد والمتمثلة بتكاثر المنتديات والتجمعات واللجان ذات الصفة المدنية. وعبر هذه الظاهرة يبدأ المجتمع السوري بجسر الهوة القائمة بين اشكال تنظيمه الحالي وتكوينه الثقافي السياسي، فاشكال التنظيم الحالية لا تعبر في الحقيقة الا عن عنصر مكون واحد هام بذاته لكنه لا يمثل باية حال التعددية والاختلاف المميزين للمجتمع. فسوريا بلد تمازج ثقافات وابداعات متعددة منها الاصيل ومنها الوافد، وهي البلد العربي الذي شهد واحدة من اكثر التجارب العربية في تطبيق الديمقراطية نضوجا وفعالية، وهي مهد عدد من التجارب السياسية الاساسية في العالم العربي، وهو البلد العربي الذي عرف ويعرف اغنى حالات التعايش والتسامح والتوحد الوطني بين مكونات تعددية، هذا كله يجعل الاحادية في تنظيم وقيادة المجتمع السوري، وان طالت، حالة عرضية وغريبة عن حقيقته. هذا الحراك المدني المنطلق من قمقمه، لا يعني في حال من الاحوال الدعوة الى ضرب الاشكال القائمة من التنظيمات المجتمعية والمدنية، كالنقابات او المؤسسات الثقافية المتعددة ومنها ما ساهم في اثراء الثقافة الوطنية ومنحها مكانة عالمية لا تنكر، كالمؤسسة العامة للسينما مثلا، غير ان احتكار هذه التنظيمات لحركية المجتمع من جهة، وتحولها الى آليات ضبط على ساعة الحزب الواحد والايديولوجيا الواحدة هو ما يحتاج الى تغيير اكيد. وهذا التغيير يكون باعادة النظر في الية عمل هذه التنظيمات من جهة وبالسماح بتشكيل مؤسسات وهيئات مدنية موازية ومستقلة ومنافسة من جهة اخرى. ومن اللافت للنظر ان جزءا من هذا الحراك الاجتماعي الجديد يؤطر نفسه سياسيا مباشرة اما عبر طرحه لمشروع التحول الى تنظيم سياسي، ومنها من اشهر تحوله فعلا، او عبر انبثاقه مباشرة من رحم تنظيمات سياسية قائمة. وهذه القضية يمكن النظر اليها من جانبين الاول: لا يمكن بتاتا الشك في مشروعية هذا التأطير السياسي فالاحزاب السياسية، مادامت خارج السلطة، جزء لا يتجزأ من المجتمع المدني، وكل فصل قطعي للمدني عن السياسي هو في شكل من اشكال تستر على عملية ابعاد المجتمع عن السياسة، ان ابتسار الحراك المدني الى حالة مطالبية يقود الى القبول باحتكار السلطة السياسية من قبل حزب او فرد، والى اختزال للمواطنين الى حالة الرعية العاجزة والجاهلة والقانعة بقدرها ودونيتها. لكن، وهنا الجانب الثاني، عدم رؤية السياسي في العمل المدني الا من خلال تسييسه وتأطيره في تنظيمات سياسية مباشرة يقود بدوره الى تقزيم الفضاء المدني الرحب واللامتناهي في امكانياته واهدافه وتوجهاته، وبالتالي تحجيم الحيز الاجتماعي على مقاس الحيز السياسي المنظم الذي يعكس مصالح مجموعات محدودة لا يمكن ان تستوعب باية حال حاجات ومطالب وتطلعات كل افراد المجتمع. ان المجتمع المدني سياسي بالقوة وبالفعل، سياسي بالقوة اولا لانه يعبر عن تنوع واختلاف وتعددية قائمة اصلا في تكوين المجتمع. وسياسي بالفعل لان سيرورة بنائه هي سيرورة صراعية هدفها الاول والاخير تحقيق الديمقراطية. لكن هذا لا يعني بالضرورة ان العمل السياسي المنظم هو الشكل اللازم الكافي لتمظهر فعاليته السياسية، فالنشاطات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بكافة انماطها افعال سياسية حتى لو لم ترد ذلك. في اطار مساهمتي في التحرك المدني الناهض في سوريا يمكنني الحديث عن تجربتين، من بين تجارب عدة اشارك فيها. التجربة الاولى هي منتدى الجمعة الثقافي الذي اسسته بمبادرة فردية عام 1993 في اطار النشاطات الثقافية للمعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق. استطعت حتى اليوم تنظيم ما يقرب من مئتي سهرة ثقافية في اطار هذا المنتدى الذي اردت من انشائه تحقيق هدفين: 1ـ تعريف الاكاديميين والباحثين الاجانب الموجودين في دمشق بالثقافة السورية بارفع نتاجاتها، وفي شتى الميادين. 2ـ خلق حوار بين هؤلاء ونظرائهم السوريين، وكذلك بينهم وبين المبدعين السوريين. وفي هذا الاطار قمنا باستضافة عدد كبير جدا من الشعراء والروائيين والقصاصين واقمنا معارض لعدد من الفنانين ولانماط من الفنون الحرفية، ونظمنا سهرات موسيقية عربية لفرق من الهواة والمحترفين، وعروضا سينمائية لغالبية المخرجين السينمائيين. كما قمنا ببعض النشاطات المتميزة الاخرى كتنظيم تظاهرة كبيرة لاحياء ذكرى سعد الله ونوس في السنوية الثانية لوفاته، واخراج مسرحية شارك فيها باحثون وطلاب من تسع جنسيات مختلفة وتقديم عرض كوريغرافي هو الاول من نوعه في سوريا، اضافة الى مشاغل سنوية لتعليم الخط العربي والموسيقى والرقص. يمكنني القول بتواضع ان هذا المنتدى يحقق غايته الاساسية بخلق حوار منفتح بين مثقفين غربيين وسوريين، وباضاءة اعمال المبدعين السوريين بقراءة من خارج سياقنا الحضاري الذي تنتج في احضانه تلك الاعمال، وكذلك بتعريف فعاليات جامعية وثقافية اوروبية على غنى وتنوع وعمق الثقافة السورية. التجربة الثانية هي منتدى الحوار الثقافي الذي تأسس في مارس 1999 باتفاق ومشاركة مجموعة من الاصدقاء (السيدة نوال يازجي، السيدة صباح حلاق، المخرج ريمون بطري وأنا) وهو منتدى مفتوح يضم مجموعة من العاملين في الميدانين الثقافي والاعلامي، المثابرين على اعماله، يلتئم شمل المنتدى في يوم الثلاثاء الاول من كل شهر، واحيانا نجتمع في جلسات استثنائية للاستفادة من فرص وجود مثقفين عرب كبار في سوريا للالتقاء بهم، لكن المشكلة الكبرى هي في ايجاد مكان يستوعب العدد الكبير من المشاركين في كل مرة فنحن حتى الآن لا يمكننا عقد لقاءاتنا في اماكن عامة والبيت الذي يضمنا يضيق غالبا بعدد الحاضرين. شعار المنتدى ويضيف د. حسان عباس: شعار المنتدى منذ تأسيسه هو الحوار واحترام الرأي والرأي الآخر. أما الموضوعات الاساسية التي يتم تدارسها والحوار فيها مع اهل الاختصاص فهي الثقافة الوطنية السورية بتجلياتها المعاصرة لذلك طرحنا محورا مركزيا اشتغلنا عليه على ما يقرب السنة وهو: ملامح الحياة الثقافية في سوريا. وقد ناقشنا في هذا الاطار الرواية والقصة والمسرح والسينما والموسيقى والصحافة والفن التشكيلي والدراما التلفزيونية، وستصدر اعمال المنتدى في هذا المحور في وقت قريب. ثم بدأنا بعد التطورات الاخيرة في سوريا ببحث موضوع الاصلاح فتدارسنا الاصلاح السياسي ثم الاقتصادي ثم الاجتماعي، هذا اضافة لتنظيمنا ومشاركتنا في حملات ثقافية جماعية كالتضامن مع (ممدوح عزام، حيدر حيدر، انتفاضة الاقصى) وغيرها. لا يمكن القول ان هذا المنتدى بلغ غايته والا لاننفي سبب وجوده، فهو يصبو الى الهدف العام الذي يتطلع اليه كل المجتمع اليوم ألا وهو تحقيق المشروع الديمقراطي، وفي الطريق الى تحقيق هذا المشروع سيبقى المنتدى يشتغل في المجال الثقافي ولن يتحول الى حزب سياسي. المنتدى الحضاري هناك ايضا المنتدى الحضاري الذي اسسه ويديره الدكتور عمر ابو زلام، وقد سبق للدكتور ابو زلام في السبعينيات انشاء مركز الدراسات الحضارية الذي انجز عدة دراسات. وفي اواخر الثمانينيات حاول نقل المركز الى قبرص وتأسيس جامعة فيها فرفضت سلطات قبرص الجنوبية الترخيص بجامعة، فلجأ ومجموعة من المستثمرين الى قبرص الشمالية فتعذر على سلطاتها الترخيص لعلاقاتها بتركيا. فعاد الدكتور ابو زلام الى دمشق وحصل على ترخيص لمركز دراسات حضارية وتقدم بطلب ترخيص بجامعة اهلية للغاية نفسها فتعذر ايضا الترخيص للقانون الذي يحصر التربية والتعليم في السلطات الرسمية والحزبية. اختار الدكتور ابو زلام تأسيس المنتدى الحضاري ليخاطب صناع القرار وصناع العقول بالدراسات والمحاضرات والحوارات لتوحيد المفاهيم المصيرية وتأهيب الجيل الجديد للمشاركة في تحصين الامة ضد المشاريع التطويعية والتهويدية وتفنيد المقولات والمعتقدات اليهودية. ويتأهب د. ابو زلام لاصدار مجلة نصف شهرية باسم «سومر» سينشر فيها العديد من الابحاث التي تضمنتها اكثر من 225 حلقة فكرية عقدها المنتدى الحضاري وشارك فيها مايزيد على 500 باحث وعالم تناولت جميع مناحي الحياة حاضرا وماضيا ومستقبلا. حق القول افتتح رياض سيف عضو مجلس الشعب السوري منتدى اطلق عليه اسم «منتدى الحوار الوطني»، وقد بدأ المنتدى اولى حلقاته بمحاضرة قدمها الدكتور شلبي الشامي بعنوان «حق القول» قسمها الى عدة بنود بدأها بأن: «لا حرية بدون حرية التعبير عن الرأي وحرية النشر» حيث يقاس نضج المجتمعات الديمقراطية بمقدار احترام رأي الآخرين، فلا يمكن فصل الحرية في العالم عن حرية الافراد بالتعبير عن رأيهم، ولا يزال في الوقت الراهن الكثير من الصحفيين والكتاب والناشرين في السجون لانهم يصرون على ممارسة حقهم بكتابة آرائهم. ورأى المحاضر ضرورة التذكير بعدد من المفاهيم المتعلقة بحرية النشر والتعبير عن الرأي على كافة المستويات حيث نبدأ بحق الافراد بالحرية والتعبير عن الرأي ولا ينتهي بالانتقال الحر للمعلومات عبر شبكة الانترنت فقط انها الحق الذي يميز الانسان عن الحيوان، تناول البند الثاني قدرة النقد وحرية القول، اذ يتم اغتيال الاحرف التي تشكل المكونات الاساسية لحرية النشر والمبررات الرئيسية للاضطهاد والقمع واهية، ومع ذلك تبقى الكلمة اكثر الافعال نبلا في قضية الحرية والتي تنقل الحرية عبر الكلمات للعالم اجمع، وبدون حرية القول لا يتغير شيء في العالم، وبدون حرية التعبير لا يحدث التغير الاجتماعي، فالنقد للحالة الراهنة كالسفينة التي تنقلنا لمسافة محددة بين انفسنا وارضية الحالة الراهنة وحرية التعبير عن النقد تمثل صيغة الرأي العام، وممارسة حرية النقد هي اعلى درجات المشاركة في مجتمع حر. لهذا فاضطهاد اقلام الرجال (والنساء) هو العنصر المركزي دوما للقمع .. لذلك فالكتابة هي اكثر اعمال الحرية نبلا وتبقى الكلمة حاملا للحرية، هذا لا يعني طبعا ان اية كلمة اوكل ما يكتب سيطلق طاقة التحرر بين الناس، فالكلمة لها جانب شيطاني قد يستغله المستبد ايضا. يضيف. د. الشامي بان الكتابة تحتاج لحرية القول ويحتاج المؤلفون لحقوق الانسان ليتمكنوا من كتابة الحقائق، كذلك يمثل الاضطهاد للكتاب ظلما واضطهادا مهيمنا في المجتمعات التي تضطرهم لانه يرمز لاضطهاد الحرية وبالتالي يظهر ان النظام العصبي المركزي (العقل) للمجتمع الحر والرأي العام قد منع من التطور. ثم انتقل المحاضر للحديث عن حرية النشر كحق انساني كما هي حرية القول حق انساني، فحرية النشر اساس البنية الاخلاقية والسياسية والحقوق المدنية تبعا لشرعة الامم المتحدة والتي تشرح انه يفترض بحكومات العالم ان تدافع وترفع من المستوى الانساني على كافة مستويات الامم في العالم وان لا تدافع فقط عن طبقة او مجموعة عرقية او طائفية او اقليمية. وان حرية النشر كشرط اساسي للتنمية والتطور، فحرية النشر ليست عائقا لكنها شرطا لحكومة جيدة راشدة ولتنمية مستدامة . وهذا مايعبر عنه بقوة باعلان 3 مايو سنة 1991 من قبل الناشرين والمحررين والصحفيين الافارقة في اليونسكو حيث اوقعوا مشكلة الفساد والهدر وعدم المحاسبة وانهيار الديمقراطية في افريقا على عاتق غياب حرية النشر .. وذلك مصداقا لدراسات البنك الدولي التي اكدت ايضا وجهة نظر الافارقة بانه كلما ارتفع مستوى النشر في الامم النامية كلما ازداد التحكم بالفساد. فحرية النشر ليست قولا شاعريا وليست قضية هامشية واضافية للحياة، فهي نواة التنمية العادلة بل جوهرها بشكل مطلق. يتابع د. الشامي كلامه عن حرية النشر كأساس للتعددية والاستقرار، اذ تكثر التفسيرات لهذا الحق الاساسي، فهناك طيف واسع من القناعات السياسية حوله ولكنها تشترك في عمومية واحدة هي حق الصحفيين بنشر آرائهم ورؤياهم بدون اعاقة ولكن أين؟ هذا ما ينص عليه ميثاق منظمة الامن والتعاون الاوروبي كذلك الاوامر الناظمة لحرية النشر العلني وليس السري لبعض الانظمة الملكية قد استبانت بان حرية النشر لآراء الافراد هو جزء من حزمة الحقوق المدنية والفردية وان التضامن مع الكتاب العصاة تحت حكم المستبدين الطغاة هو مقدمة الحقوق المدنية والفردية وحرية التعبير عن آراء الآخرين. لكن لا تزال الكثير من الانظمة في مختلف انحاء العالم تختلف في تفسير حرية التعبير والنشر معلنين ان حرية الصحافة في اوروبا الغربية قد تجاوزت المعقول والمقبول ولذلك يجب تقييد هذه الحرية لصالح الوطن، اي لصالح المستبد وبدرجات مختلفة. ويعرف الاوروبيون من تجاربهم التي سبقت الآخرين ان حرية التعبير تعني حماية الصحفيين والكتاب و كأفراد من الاعتقال والتعذيب والتشريد وحماية شركات الصحافة والصحف والمذياع والتلفزة من الاغلاق تحت تأثير شروط الاستبداد، وعموما تعتمد حياة الديمقراطية على المحاورات العامة وتعدد وجهات النظر وتباين الآراء السياسية حول مسألة ما، والتي تعكسها النخبة المثقفة من خلال المقالات المنشورة بحرية او الخطب المذاعة بحرية تعبير بناء ، في محطات بث واحدة او اكثر، بينما قد تتواجد رقابة السلطة من خلال تمركز دور النشر والتوزيع حول السلطة ومن خلال وقف بيع وتداول بعض الصحف فجأة، او منع نشر الاعلانات او منع الدعم المالي لبعض الصحف المعينة . ومن جهة اخرى وبالتساوي والتوازي فعلى الصحافة ان تمارس مسئولياتها من خلال الصراع الطويل لتحقيق حرية النشر، بينما يتذرع عادة رجال السلطة بحجة مسئولية الصحافة لتفادي نقد انفسهم واستبدادهم، تابع د. الشامي قائلا: الحرية السياسية بدون حرية التحاور بني افراد النخب المثقفة حرية سياسية لا يمكن تصديقها او تخيلها، كما ان الكثير من اللجان الدولية بدون سلطة حاليا ولكن لها سلطة في شرائعنا المعاصرة فمثلا كانت تطلق تهمة الخيانة العظمى على من لا يمتثل للانظمة الشمولية او الاستبدادية ويطلق عليهم حاليا من لجان مراقبة حقوق الانسان بسجناء الضمير دلالة على ادانة السجان والمستبد وذلك لان الانظمة الشمولية تستعمل دوما تهمة موجهة غير انسانية كالخيانة لمن يعارض النظام وهذا سلاح لاسكات الصحفيين. ختم د. الشامي محاضرته بان الرقابة على النخبة اصعب من تطوير روح الانفتاح والمشاركة لدى النخبة، وقمع الانتقال الحر للمعلومات هو قطع لثمرة قبل نضجها او قطع زهر الورد قبل تفتحه، والذين يحاولون قمعه فسيعانون من نتائج خوفهم وبؤسهم. فالاتصال داخل المجتمع وعبر المجتمعات بالانترنت من المصادر المتاحة الواجب استعمالها والاستفادة منها يوجب ان يشجعها الساسة، والحكومات التي تستعمل الانترنت لها حظ اوفر بالمشاركة في فوائد الاقتصاد المبني على المعلوماتية العالمية (مجتمع المعرفة) مقارنة بالحكومات التي تخاف من الانتقال الحر للمعلومات والتي سيزداد تخلفها مع الزمن كما يحدث في الانظمة السبعة المتبقية على قيد الحياة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. منتدى الاتاسي وفي منتدى «الحوار الديمقراطي» قالت سراب الاتاسي يوم الافتتاح: اليوم ومع ولادة «منتدى جمال اتاسي للحوار الوطني» ارى امامي تكريما آخر بليغا ومؤثرا لوفائه، على ان يكون حيا ومنفتحا بصيغته العلنية ومضمونه الفكري والثقافي وتوجهه الشعبي. لقد عشق جمال الاتاسي الحرية واعطاها الصدارة والمقام الاول ولكنه حرم منها .. ولو كان قد قدر له ان يرى في حياته منبرا علنا كهذا المنتدى الذي نشهد ولادته اليوم، لما اختار له اسما غير هذا: منتدى الحوار الديمقراطي، ولكان قد توجه منه اولا الى الشباب من امتنا، جيل المستقبل للمساهمة في اعاءة بناء العقول والقلوب عن قاعدة وطنية قومية مرسخة في الاحساس بالانتماء الى الامة. كأن توجه الى الشباب لدعوتهم ايضا للاهتمام بالشأن العام، واخذ دورهم في الاوطان لاستنهاضها ومساعدتها على الخروج من السنوات العجاف من كل قطبي ونيابة عن الدكتور جمال شكرا للاخوة الذين دعموا فكرة تأسيس هذا المنتدى والذين اختاروا ان يضيفوا اليه اسم جمال الاتاسي لانهم وجدوا فيه وجها عروبيا قوميا صافيا، انسانا جسد بشجاعة كل قيمه ومبادئه في حياته وسلوكه، مناضلا تجاوز كل المجموعات التي كان منها ليصبح نموذجا لكل من يلتزم بثوابت امتنا العربية. كما انني ارى في اقتران وتلازم اسم جمال الاتاسي بمقولة «الحوار الديمقراطي» تقديرا وعرفانا للاهتمام الكبير الذي اولاه لمسألة الحوار كمقدمة اساسية للعمل ولقضية الديمقراطية التي جعل منها الغاية والسبيل لكونها حركة نضج وتقدم في الوعي البشري وفي تشكل المجتمعات الانسانية.