تعد قضية التسلح أحد ابرز القضايا التي تستحوذ على اهتمامات الدول الخليجية وذلك انطلاقا من وجود تهديدات اقليمية للامن الخليجي، وفي هذا الاطار توقع المحلل العسكري البريطاني بول بينفر المتحدث باسم نشرة «جينز» الدفاعية البريطانية زيادة الانفاق العسكري لدول الخليج العربية بما يصل إلى اثنين في المئة سنوياً خلال السنوات المقبلة. وقال بينفر ان سوق السلاح في الخليج لاتزال موجودة وهي تشكل 17% من حجم السوق العالمية، الجدير بالذكر ان المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن اشار في تقديراته إلى ان الدول الخليجية تنفق حالياً 60 مليار دولار سنوياً على جوانب الامن والدفاع.ومما لاشك فيه ان الانفاق العسكري الضخم لدول الخليج انعكس على حجم قواتها حيث زادت اعداد جيوشها قرابة الضعفين في التسعينيات. لقد كان معرض «ايدكس» الذي اقيم في أبوظبي في شهر مارس الماضي نافذة مهمة لعرض وتسويق السلاح في العالم، وكانت الدول دائمة العضوية في مجلس الامن هي الاوسع حضوراً والاكثف مشاركة يدفعها امل الفوز بعقود تسليح لجني ثمار الطفرة النفطية المنتظرة بعد قرار منظمة اوبك تخفيض انتاج النفط. وكان التركيز المعلن خلال المعرض هو البيع لدول الخليج بحكم انها القادرة على الدفع نقدا أو بنظام «الأدفست» الذي يعتمد على الصفقات المتبادلة. وكان المعرض فرصة لاثارة تساؤلات عديدة تتعلق بسياسة التسلح الخليجي والانفاق الدفاعي ومصادر التهديد الامني. وفي هذا الصدد ركزت البحوث والمناقشات التي اثارها الخبراء الغربيون على العراق وايران كمصدرين اساسيين للتهديد لدول الخليج العربية، وقد علق احد المراقبين على ذلك بقوله ان الخبراء الغربيين اتوا خصيصا لتسويق هذا المفهوم، مشيرا إلى استبعادهم اسرائيل من دائرة التهديد لدول الخليج. وهنا ومن خلال نظرة عامة وعابرة لاحظ المراقبون ان شركات السلاح تبيع للعرب بمواصفات اقل من التي تحصل عليها اسرائيل حتى لا يتحقق التوازن وتظل كفة اسرائيل هي الراجحة. ويتضح مما سبق أن مصادر التهديد تم اختزالها في القوتين الاقليميتين اللتين شكلتا على الدوام ما يمكن اعتباره ـ وعلى حد وصف البعض ـ بمثابة «قلق تاريخي» للدول الخليجية العربية وللقوى العالمية الداعمة لها، وعلى الرغم من ان ثمة تغيرات وتحولات اساسية طرأت على الوضعين العراقي والايراني خلال السنوات الماضية ومن ثم على وضع كل من طهران وبغداد في معادلة الامن والدفاع في الخليج، الا ان تقييماتهم تظل تتفق في سياقها العام على اعتبار الدولتين مصدري التهديد الاستراتيجي الاساسي للمنطقة. ففيما يتعلق بالعراق، فانه ينظر اليه باعتباره مصدر تهديد لدول الجوار الخليجي، وذلك مع اعتراف مؤيدي هذا الاتجاه بأن القوة العسكرية لم تعد تشكل الان وبسبب ما حل بها من خسائر خلال حرب الخليج مصدر تهديد حقيقي، ويعلل هؤلاء ذلك بأنه منذ انسحاب قوات اليونيسكو عام 1998 ظلت هناك فجوة كبيرة في تقدير حجم قدرات اسلحة الدمار الشامل في العراق، كما انه لن يكون من الصعب على العراق إعادة بناء قواته العسكرية فور رفع العقوبات عنه. وفيما يتعلق بإيران، ومع الأخذ في الاعتبار الانفراج الذي شهدته العلاقات الإيرانية ببعض دول مجلس التعاون الخليجي، فإن التهديد الإيراني لا يزال قائماً فهناك احتمال قوي أن تقوم وبمساعدة خارجية أو بقدراتها الذاتية في مجال الصواريخ الباليستية بهجوم نووي على أي مكان بالمنطقة خلال السنوات العشر المقبلة. زيادة الانفاق وقد توقع المحلل العسكري البريطاني بول بينفر المتحدث باسم نشرة «جينز» الدفاعية البريطانية زيادة الإنفاق العسكري لدول الخليج العربية بما يصل إلى اثنين في المئة سنوياً خلال السنوات المقبلة.وقال بينفر ان سوق السلاح في الخليج لا تزال موجودة، وهي تشكل 17% من حجم السوق العالمية. وعلى الرغم من أن هذه السوق كانت تشكل في التسعينيات نحو 43% وانخفضت إلى نحو 17% الآن إلا أنها ستبدأ في الزيادة بنسبة 2% سنوياً خلال السنوات القليلة المقبلة. الجدير بالذكر أن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن أشار في تقديراته إلى أن الدول الخليجية تنفق حالياً 60 مليار دولار سنوياً على جوانب الدفاع والأمن، والتي زاد مجموع مشترياتها التسليحية خلال السنوات العشر الماضية ووفقاً لتقديرات المعهد- نحو 200 مليار دولار. وعلى الرغم من التقلبات في أسعار النفط، فإن دول الخليج لا تقترب من مخصصات القطاع الدفاعي والأمني، ويشير خبير عسكري كبير إلى أنه على الرغم من التقلبات الحادة التي شهدتها أسعار النفط في الأعوام الماضية ظلت دول الخليج تنفق حوالي 30 مليار دولار سنوياً، حتى عندما وصل سعر برميل النفط إلى 12 دولارا عام 1998، وبشكل عام فإن أي انخفاض في إيرادات هذه الدول يؤثر في المشروعات غير العسكرية، حيث تعطى الدول الخليجية الأولوية القصوى للموضوعات الأمنية. ولعل خبراء شركات السلاح يدركون هذا الهاجس ويلحون عليه، بل ويخترعون أعداء الأمر الذي يدفع دول الخليج إلى إنفاق ما يقرب من 10% من دخلها القومي على الدفاع. ولقد انعكس الإنفاق العسكري الضخم لدول الخليج على حجم قواتها ، حيث زادت أعداد جيوشها قرابة الضعفين في التسعينيات ورفعته من 174 ألفاً إلى حوالي300 ألف جندي، وهو ما يعادل 42% من قوات إيران ونصف عدد قوات العراق النظامية. وتمتلك الدول الخليجية 684 مقاتلة بينما تمتلك إيران291 مقاتلة والعراق 130 كذلك تمتلك دول الخليج دبابات تعادل مالدى إيران ونصف ما لدى العراق. التعاون العسكري على الرغم من أن الخبراء يرون أن التكامل الذي سيحدث مستقبلاً بين القوات المسلحة لدول مجلس التعاون الخليجي بموجب اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة أواخر العام الماضي في البحرين سيزيد على الأرجح من صفقات السلاح خاصة في مجال التكامل على مستوى القيادة والتحكم . إلا أن التعاون الخليجي في المجال العسكري والتسليحي بات ينظر إليه باعتباره أحد وسائل معالجة الخلل في سياسات الدول الخليجية المتعلقة بالدفاع والتسلح. وثمة تطورات إيجابية يمكن الإشارة إليها على صعيد التعاون والتنسيق العسكري الدفاعي بين دول مجلس التعاون الخليجي يأتي في مقدمتها توقيع قادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في ديسمبر 2000 في قمة المنامة على اتفاقية الدفاع المشترك السابق الإشارة إليها، والتي تقضي بتعزيز التعاون الدفاعي الجماعي بين دول المجلس، كذلك هناك إعلان المنامة الذي صدر عن القمة والذي أكد على «ترسيخ مبدأ الأمن المشترك والتنسيق في القضايا الأمنية والدفاعية حماية لأمنها القومي والإقليمي، وحفاظاً على استقلال دولها وسياساتها ووحدة أراضيها في إطار مبادئ اتفاقية الدفاع المشترك بين دول المجلس والالتزام بها».وقد حظي التعاون والتنسيق العسكري بين دول مجلس التعاون باهتمام كبير من قادة دول المجلس ، حيث عقد وزراء الدفاع ورؤساء الأركان خلال السنوات الأخيرة اجتماعات مكثفة لتعزيز قدرات جيوش دول المجلس وتعميق وتفعيل العمل العسكري المشترك بما يكفل لها حقها في الدفاع عن نفسها وحماية مقدراتها ومكتسباتها الوطنية. ومن هذه الاجتماعات: ـ انعقاد الدورة الثامنة عشرة لوزراء الدفاع بدول مجلس التعاون في نوفمبر 1999في دبي، وقد أقر في هذه الدورة العديد من التوصيات المهمة التي تهدف إلى تعميق وتدعيم مسيرة مجلس التعاون على طريق التكامل الدفاعي من بينها إقامة شبكة إنذار مبكر ونظام اتصالات موحدة بين جيوش دول المجلس وتطوير وتعزيز قوة درع الجزيرة من حيث الحجم والفعالية. ـ انعقاد الدورة العشرين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون في الرياض في نوفمبر 1999، والتي تم فيها اعتماد القرارات المتعلقة بتطوير ومتابعة شئون التعاون العسكري المرتبطة بقوة درع الجزيرة ومشروع حزام التعاون الأمني ومشروع الاتصالات المؤمنة ومشروع شبكات التغطية الرادارية والإنذار المبكر بين دول المجلس. ـ الاجتماع التاسع عشر لوزراء الدفاع في الرياض في أكتوبر 2000 ، وتم فيه بحث تنفيذ قرارات قادة دول المجلس خاصة فيما يتعلق بالمرحلة النهائية لمشروع الاتصالات المؤمنة ومشروع حزام التعاون الأمني ومشروع شبكات التغطية الرادارية والإنذار المبكر بين دول المجلس.وبعيداً عن الاجتماعات وعلى مستوى الواقع العملي، أنجزت دول مجلس التعاون على صعيد التعاون والتنسيق العسكري خطوات متقدمة من خلال تنفيذ التدريب والمناورات العسكرية المشتركة لبناء القوة الذاتية ورفع كفاءة وقدرات جيوشها من بينها تمرين «صقر الجزيرة (2)/ 2001 ، والمناورات البحرية المشتركة التي أقيمت في الدوحة /1999، وتمرين» تعاون (3)/2000، والتمرين الجوي صقر الجزيرة99، بالإضافة إلى تمارين قوات درع الجزيرة. كذلك بدأ العمل بالفعل في منشآت قوة درع الجزيرة العسكرية حيث تم وضع حجر الأساس لمشروع منشآت القوة في يناير 2001، وتبلغ تكلفة هذا المشروع 900 مليون ريال سعودي، وينفذ خلال ثلاث سنوات على مساحة 6 ملايين و500 ألف متر مربع ويحتوي على 261 منشأة عسكرية خرسانية وحديدية.كذلك تم افتتاح وتشغيل المرحلة الأولى لمشروع «منظومة حزام التعاون». تعزيز القدرات الخليجية بعد إثارة العديد من القضايا الخلافية فيما يتعلق بالإنفاق العسكري في دول الخليج العربية ومصادر التهديد المختلفة لأمن الخليج والتعاون العسكري الخليجي كأحد البدائل المطروحة لتعزيز هذا الأمن ينبغي الإشارة إلى جملة من الملاحظات الختامية: ـ أن دول الخليج مطالبة بتطوير فكرة عدم انفصال أمن الخليج عن الصراع العربي الإسرائيلي، وذلك في مواجهة محاولات تحييد الجانب الإسرائيلي من قضية الصراع في المنطقة. فلابد أن يترافق التسليح مع انتهاج سياسات التطمين والدبلوماسية البناءة كوسائل لتحقيق السلام في المنطقة. ـ أن تعزيز التعاون المشترك يتطلب: بناء القدرات الدفاعية الذاتية وهو أمر حيوي يصب في مصلحة الاستراتيجية الدفاعية الموحدة ، كذلك لابد من تقارب مصادر منظومات التسلح والتدريب في دول المنطقة حيث سيسهل هذا التقارب عملية التوافق في التدريب المشترك للعمليات والاندماج في الفكر القتالي للمؤسسات العسكرية في الدول الأعضاء.ويرى المراقبون أن الانتقال إلى مستوى الدفاع الجماعي يتطلب عددا من الاشتراطات أهمها إيجاد وصياغة سياسة دفاعية مشتركة لدول المجلس وامتلاك أسلحة ردع كافية لإحداث التوازن المطلوب للقوة في المنطقة وتوحيد العقيدة العسكرية بالإضافة إلى تفعيل دور قوات درع الجزيرة وإشراكها في تمارين مشتركة في جميع دول المجلس وتأسيس قاعدة للصناعات العسكرية. ـ ان أحد نقاط الضعف الشديدة التي طالما ميزت جوانب العمل الدفاعي الخليجي المشترك، هي المحدوديات الشديدة التي تعانيها دول المجلس ـ باستثناء المملكة العربية السعودية ـ في مجال توافر العنصر البشري المؤهل والقادر على تشكيل قوات عسكرية تتمتع بالصدقية والاحتراف والجاهزية القتالية المطلوبة، وبالتالي فمهما بلغت الرغبة السياسية والاستراتيجية الموجودة لدى هذه الدول، ومهما وصلت إليه درجة استعدادها لصرف المبالغ المالية الطائلة على شراء الأسلحة والمعدات الحديثة والمتقدمة فإن الحقيقة تظل أن هذه الدول تبقى غير قادرة بالمعنى الفعلي للكلمة على إدامة هذه الأسلحة والمعدات وتشغيلها في إطار هيكلية عسكرية متكاملة وفاعلة، بالاعتماد فقط على مواردها البشرية الذاتية. ـ ان مفهوم الأمن التي تعتمد عليه دول الخليج هو مفهوم هش، ولا يمكن الاعتماد عليه دائماً، وذلك لأن أمن هذه الدول وفقاً لهذا المفهوم يبقى رهينة لظروف سياسية وعسكرية لا تملك هي ـ أي دول الخليج ـ السيطرة عليها، أو التحكم في معطياتها. ـ وأخيراً تظل نقطة متعلقة بضرورة تنويع مصادر التسلح الخليجي في ضوء حقيقة مؤداها ان المظلة العسكرية الأمريكية تبقى هي الجهة الفعلية الحامية، على رغم توقيع اتفاقات دفاع وتعاون مشترك مع لندن وباريس وموسكو وبكين. وفي إطار رغبة الدول المصدرة للسلاح في منافسة الاحتكار الأمريكي للسلاح في المنطقة أشار تقرير نشرته دورية (المراقب العسكري) أن روسيا أخذت في مشاركتها في معرض ايدكس، 2001 بعين الاعتبار مطالب واحتياجات دول الخليج من الأسلحة والتقنيات الحربية، وافتتحت في جناحها قسماً خاصاً بالسلاح البحري شمل السفن والفرقاطات والصواريخ المضادة للأهداف البحرية وأنواع أخرى تزود بها السفن الحربية إضافة إلى مختلف أنواع الغواصات والقاطرات صغيرة الحجم. مما يعني أنه وإذا كانت الدول المصدرة للسلاح ترغب في كسر ما أسميناه بالاحتكار الأمريكي فإن الدول الخليجية مدعوة هي الأخرى لتنويع مصادر تسليحها، والاعتماد على أكثر من مصدر في هذا الصدد.