أزمة طرد الدبلوماسيين الروس التي أشعلتها واشنطن والرد الروسي المماثل تعيد إلى الأذهان أعوام الحرب الباردة التي على ما يبدو لم تغلق ملفاتها بعد وذلك رغم مرور عشر سنوات تقريبا على انهيار الاتحاد السوفييتي . فقد أعلنت موسكو عزمها على طرد خمسين دبلوماسياً أمريكياً رداً على قيام الولايات المتحدة ب، طرد 50 دبلوماسياً روسياً. وتؤكد المصادر الروسية أنها لن تتوانى في الرد بالمثل على الخطوات الأمريكية فيما يتعلق بطرد الدبلوماسيين . وتعتبر إجراءات الطرد المتبادل للدبلوماسيين الأخطر من نوعها منذ طرد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان ثمانين دبلوماسياً سوفييتياً في عام 1986 في عملية أطلق عليها آنذاك «عملية فيميش» . وبدأت واشنطن عمليات طرد الدبلوماسيين الروس بحجة علاقتهم بروبرت هانسن موظف مكتب التحقيقات الفيدرالي المتهم بالتجسس لصالح موسكو منذ خمسة عشر عاما. غير أن روسيا ترفض هذه الحجة وتؤكد عدم وجود أية علاقة بين هانسن والدبلوماسيين الروس العاملين في الولايات المتحدة وتدلل على ذلك بالقول :لماذا لم تعتقل أجهزة المخابرات الأمريكية أي دبلوماسي روسي من الذين أعلن عن طردهم وهو في صحبة هانسن؟ لم تأت أزمة طرد الدبلوماسيين الروس من فراغ حيث أنها تعكس بشكل واضح نوايا الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه روسيا والتي أعلن عنها أثناء الحملة الانتخابية، تلك النوايا التي اعتبرها الكرملين مجرد دعاية انتخابية بحتة سرعان ما تتلاشى بعد وصول بوش الابن إلى البيت الأبيض . ولكن الأزمة الحالية تشير بشكل أو بآخر إلى أن الرئيس الأمريكي يعتزم التمسك بوعوده الانتخابية التي أطلقها وخاصة تلك المتعلقة بالتعامل مع روسيا . ويذكر أن بوش خلال حملته الانتخابية أعلن اكثر من مرة بان على الولايات المتحدة الأمريكية إتباع خط اكثر تشددا في التعامل مع روسيا «ووضعها عند حدها». ووعد الرئيس الجمهوري بعدم تقديم المساعدات المالية والقروض لروسيا كما كان عليه الحال في عهد الرئيس الديمقراطي كلينتون. وبمجرد وصول بوش إلى السلطة أفصحت الإدارة الأميركية الجديدة بالفعل عن سلسلة من التصريحات العلنية الموجهة ضد موسكو . فقد أعلن وزير الخارجية كولن باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد عن السعي الحازم لإقامة النظام القومي للدفاع المضاد للصواريخ دون اعتبار للرفض الروسي . وبعد ذلك عمد مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية جورج تينت في تقرير لجهازه أمام مجلس الشيوخ إلى إدراج روسيا إلى جانب الصين في قائمة الدول «المعادية لأمريكا». وفي مارس الجاري وخلال زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى موسكو قامت واشنطن بخطوة أخرى اتهمت فيها روسيا بالعزم على تصدير صواريخ نووية وتكنولوجيا محظورة إلى إيران وطالبت بالحصول على إيضاحات في هذا الصدد. كما اتهم وزير الدفاع الأمريكي روسيا بالعمل على نشر أسلحة الدمار الشامل في العالم وهو ما رفضته موسكو بشدة واعتبرته بمثابة حملة منظمة لتشويه سمعتها في العالم . أبعاد سياسية يوجد إجماع بين المراقبين على أن الأزمة الحالية بين روسيا والولايات المتحدة تتخطى إطار الجاسوسية وتحمل أبعادا سياسية واضحة . فواشنطن غير راضية عن النهج السياسي الخارجي للرئيس بوتين بسبب استقلاليته الملحوظة . ومن المعروف أن سيد الكرملين الجديد وصل إلى السلطة في روسيا متبنيا سياسة استعادة روسيا لمكانتها في العالم ورافضا لنظام القطب الأمريكي الواحد. فخطوات الرئيس الروسي على الساحة الدولية ترمي بشكل أو بآخر إلى الدعوة لفكرة التعددية القطبية التي أسس لها رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفجيني بريماكوف في عام 1997م، تلك الفكرة التي يمكن لها أن تعرقل الهيمنة الأمريكية على العالم . كما أن البيت الأبيض لا يروق له أبدا التعاون العسكري والسياسي الروسي الإيراني وليس من قبيل الصدفة أن يأتي الطرد الجماعي للدبلوماسيين الروس عقب انتهاء قمة بوتين وخاتمي. في هذا السياق تنظر واشنطن للتعاون بين موسكو والدول التي تطلق عليها صفة «الدول المارقة» بحساسية شديدة وتعبر عن قلقها من التقارب الروسي الصيني والروسي الهندي . ويقلق الولايات المتحدة كثيرا الرفض الروسي لمشروع الدرع الصاروخية الأمريكية المضادة للصواريخ والتقارب الروسي الأوروبي بصدد القضايا الأمنية في القارة الأوروبية . فمن المعروف أنه أثناء زيارة السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي جورج روبرتسون إلى روسيا في فبراير الماضي طرحت موسكو عليه مشروع إنشاء منظومة صاروخية مضادة للصواريخ أوروبية غير استراتيجية في مواجهة المشروع الأمريكي وأن هذا الطرح الروسي وجد التفهم من قبل فرنسا وألمانيا وخلخل نسبيا التحالف الأمريكي الأوروبي . وتخشى واشنطن من أن الدور الروسي في أوروبا قد يؤدي إلى منح مساحة أوسع للدول الأوروبية في حركتها «الخجولة» الرافضة للدرع الصاروخية الأمريكية وغير ذلك من المسائل الأمنية . ويرى البعض في موسكو أن الحملة التي تجريها إدارة بوش ضد روسيا والتي بدأت عمليا بطرد الكثير من الدبلوماسيين الروس بتهمة التجسس تهدف فيما تهدف إلى الضغط على الدول الأوروبية نفسها لتوقف لعبة «استئناس» بوتين وجعل العالم يستسلم أمام واقع تفرضه واشنطن يقرر بأن الولايات المتحدة هي وحدها القوة الأعظم وأنه لا مجال للفكاك من هذا الواقع . و يعتقد الروس بأن واشنطن تسعى لخلق بؤر لعدم الاستقرار في شمال القوقاز حيث أن هذا يستجيب بالكامل للخطط الاستراتيجية الأمريكية في منطقة بحر قزوين وما وراء القوقاز، تلك المنطقة التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ عدة سنوات «حيوية لمصالحها». والهدف النهائي لواشنطن هو إبعاد هذه المنطقة عن النفوذ الروسي وتحقيق إشرافها الكامل على خطوط نقل النفط والغاز الطبيعي القزوينية الهائلة. وهذا الأمر يعززه رفع وتيرة النشاط الأمريكي فيما وراء القوقاز مع أذربيجان وجورجيا التي زارها مؤخرا كارلتون فولفورد نائب القائد العام للقوات الأمريكية في أوروبا ولويس فري مدير مكتب التحقيقات الفدرالي حيث تركزت المباحثات على التعاون الأمني بين واشنطن وتبليسي . كما أن ريتشارد باوشر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أعلن مؤخرا عن استعداد واشنطن لمد يد العون لجورجيا التي تتعرض «لضغوط روسيا». تدخل في النهج ويشير الكثير من المراقبين الروس إلى أن واشنطن لا تحاول فقط التدخل في النهج السياسي الخارجي للرئيس بوتين بل تحاول إملاء شروطها على سياسته الداخلية أيضا من خلال الدعاية المضادة لموسكو فيما يتعلق بحرية الكلمة ووسائل الإعلام وخاصة بعد هروب المليارديرين اليهوديين الروسيين جوسينسكي وبيريزوفسكي وتعقب أجهزة الأمن الروسية لهما . كما أن واشنطن تحاول تصوير الخطوات التي اتخذها الرئيس الروسي في مجال إعادة تنظيم هرم السلطة في روسيا وإيقاف الفوضى التي سادت عملية اتخاذ القرار في عهد يلتسين بأن بوتين يتجه نحو فرض النظام الشمولي الاستبدادي . واتجهت إدارة الرئيس بوش مؤخرا إلى استخدام القضية الشيشانية للضغط على الكرملين حيث جرى استقبال وزير الخارجية الشيشاني الياس احمدوف . وحذرت وزارة الخارجية الروسية في بيان أصدرته من أن عقد لقاء رسمي بين المسئولين الأمريكيين والمبعوث الشيشانى سيؤثر بشكل سلبي على العلاقات الروسية الأمريكية . ويرى العديد من المحللين الروس أن الإدارة الأمريكية الجديدة تتبع خطة محكمة تحاول من خلالها التقليل من وزن روسيا على الساحة الدولية في محاولة لإفشال سياسة بوتين الخارجية الرامية لاستعادة مكانة بلاده في العالم . وكانت آخر الخطوات الأمريكية في هذا الصدد رفض الإدارة الأمريكية لطلب سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي سيرجي ايفانوف أثناء زيارته للولايات المتحدة في منتصف مارس الجاري بعقد قمة بين الرئيسين بوش وبوتين قبل قمة مجموعة الثماني في يوليو المقبل بحجة عدم وجود الوقت الكافي لدى الرئيس الأمريكي . هذا في الوقت الذي يستقبل فيه بوش شارون ورئيس وزراء اليابان وغيرهما . وبدون شك اعتبرت موسكو أن هذا الرفض يمثل إهانة لها . رغم التخفيف رغم محاولة الرئيسين الأمريكي والروسي التخفيف من حدة النتائج التي يمكن أن تسفر عنها أزمة طرد الدبلوماسيين والحديث عن إمكانيات التعاون المشترك في المستقبل، إلا أن التصورات المتشائمة هي السائدة تقريبا .وضمن هذه التصورات يمكن تخيل السيناريو التالي : بعدما ترحل موسكو كرد فعل للخطوة الأمريكية دبلوماسيين أمريكيين يرحل من الولايات المتحدة فوج آخر من الدبلوماسيين الروس . ثم يغيب السفير الأمريكي عن العاصمة الروسية حيث أن السفير الأمريكي الحالي جيمس كولينز يحزم حقائبه استعدادا لمغادرة روسيا . وفي هذه الحالة تعلق الولايات المتحدة تعيين سفير لها في موسكو أو ترفض موسكو استقبال من يعينه الرئيس بوش أو تعين واشنطن شخصية لا تليق بمستوى روسيا كدولة كبيرة . ويرى هذا السيناريو أن هناك احتمالاً بأن لا يعقد اللقاء بين بوتين وبوش أثناء قمة مجموعة الثماني الكبار في جنوا ولا بعدها . ولا يستبعد البعض أن تطالب الولايات المتحدة بإقصاء روسيا عن هذه المجموعة . والهدف من كل ذلك أن يجد الرئيس الروسي نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يرد بشكل انفعالي على هذه الاستفزازات وهنا تجد الولايات المتحدة مبررا لوضع روسيا في قائمة الدول «المارقة»، أو الاستسلام والرضوخ لضغوط واشنطن وخاصة عندما تلوح واشنطن بالجزرة بدل العصا، أي عندما تلوح من جديد بالقروض . بجانب ذلك يمكن أن تدفع واشنطن القوى اليمينية في روسيا لتشديد معارضتها للرئيس بوتين وهو ما سيدفع القوى اليسارية والوطنية مطالبة الكرملين بالتشدد مع واشنطن وهنا يدب الخلاف والصراع وقد يؤدي ذلك إلى أن يتخذ الرئيس الروسي خطوات متشددة في حق المعارضة الليبرالية ومن ثم تغضب الدول الأوروبية وُيدق الإسفين بينها وبين بوتين. إضافة إلى هذا السيناريو يرى البعض في روسيا أن أزمة طرد الدبلوماسيين هي زوبعة سوف تستغرق عدة أسابيع ثم تنتهي . ويعتقد هؤلاء بأن موسكو لن تصعد من هذه الأزمة لأنها تحتاج إلى الدعم المالي الغربي الذي تتحكم فيه الولايات المتحدة . بجانب ذلك يراهن أصحاب هذا الرأي على أسلوب بوتين في الحكم والذي تبلور خلال العام الأول من انتخابه، ذلك الأسلوب الذي يعتمد على البرجماتية الشديدة والتراجع عندما تشتد الأزمات، ولكن هذا التراجع يمكن إدراجه في إطار الخيار الثاني المطروح أعلاه ـ خيار الرضوخ لمطالب واشنطن . بدون شك إن أزمة الجاسوسية وطرد الدبلوماسيين بين البلدين سوف تنتهي عاجلا أم آجلا، ولكن المشكلة الأساسية التي تقف أمام العلاقات بين موسكو وواشنطن تكمن في أن عوامل التوتر بينهما كثيرة ويصعب التغلب عليها بدون تقديم التنازلات . فالسياسة الأمريكية المتشددة للرئيس بوش تجاه روسيا تمثل اختبارا حقيقيا لمدى مصداقية سياسات الرئيس الروسي، فهل سيواصل بوتين نهجه «المستقل» أم سيتراجع مثلما كان يفعل سلفه يلتسين في كل مرة يحتدم فيها الخلاف بين البلدين . هذا ما ستوضحه الشهور بل الأسابيع القليلة المقبلة .