بعد التحولات التي شهدها العالم في العقد الماضي وبعد التبدل والنتائج التي انتهى اليها الواقع العربي على صعيد التجربة السياسية سواء ما كان ناجما منها عن اسباب محلية، او عن اسباب خارجية تتعلق بالمتغيرات الدولية، فإن ثمة اسئلة تطرح نفسها على الوعي السياسي والفكر العربي باعتبارها تعبر عن وضع يحتاج الى بحث واعادة قراءة وتدقيق بغية استشراف الافاق المستقبلية من خلال قراءة تجربة الواقع السياسية راهنا وماضيا، وقد جاءت عناوين الندوات الثلاث التي اقامتها (دار المدى) في اسبوعها الثقافي لتشكل محاولة جديدة لاضاءة جوانب هامة واساسية من الحراك السياسي والاجتماعي والفكري، كما تجلى في البحث في الناصرية بعد عبد الناصر وفي السؤال هل للاشتراكية مستقبل في الوطن العربي، وأخيرا الدور التنويري للاسلام والاسلام في ظل العولمة. شارك في ندوة «الناصرية بعد عبدالناصر» احمد حمروش والسيد ياسين وعبد الغفار شكر من مصر، وماهر الشريف ويوسف كيلة من فلسطين، وقد نوه احمد حمروش في بداية الندوة الى ان عبد الناصر لم يكن صاحب نظرية خاصة يعمل على تطبيقها وانما كان ضابطا وطنيا يواجه الامور بطريقة براجماتية، ويتصدى للقضايا بطريقة واقعية وان نظرته الوطنية لم تكن قاصرة على حدود مصر ولكنها كانت تتسع وتمتد الى الافاق القومية حيث نسجت علاقات عربية غير مسبقة، اضافة الى انه كان مؤمنا ايضا بالعدالة الاجتماعية ومن منطلق هذه الثوابت كان التطور واضحا في المواقف والقرارات التي اتخذها، والتي جعلت منه زعيما مرموقا، ولذلك يمكن القول ان بعض المواقف التي اتخذها عبدالناصر في حياته مازالت تشكل منارات لارشاد الجماهير في الظروف الحاضرة. من جهته قال عبد الغفار شكر ان الناصرية بعد رحيل جمال عبدالناصر تمتلك رؤية فكرية متكاملة تصلح كأساس لمشروع نهضوي عربي جديد اذا توافرت لها القدرة على اعادة طرح هذه الرؤية الفكرية في الظروف الدولية والاهلية والعربية والمستجدة، واستعرض (عبد الغفار) أهم الأسس والمباديء التي قامت عليها الرؤية الناصرية. ففي الاطار الدولي اعتبر جمال عبدالناصر ان الاستعمار هو المسئول الاول عن تخلف دول آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، وقد رصد مظاهر تحول هذا الاستعمار من شكلها القديم الى شكلها الجديد، كما ساهم عبد الناصر مع غيره من زعماء العالم الثالث في بلورة استراتيجية متكاملة في مواجهة ما تتعرض له دول الجنوب من استغلال وتبعية، ورأى (شكر) ان تجربة عبد الناصر تصلح لان تكون خبرة نضالية نستفيد منها في وضعنا الراهن، وفيما يتعلق بالنظرة الى المجتمع فإن رؤية جمال عبدالناصر لا تزال تشكل في خطوطها العريضة ومبادئها العامة مرجعا سليما لتطوير المجتمعات العربية بشرط ان تراجع على ضوء التجربة والممارسة والاهتمام الخاص بالديمقراطية. وتساءل (شكر): ما الذي بقي من رؤية عبدالناصر لقضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني، ثم اجاب بان الذي حدث هو التشكيك بهذه الرؤية بعد رحيله ، اذ اختارت بعض الانظمة العربية طريقا آخر تجلى في اتفاقات التسوية الذي اثبت عدم جدواه، وهكذا يتأكد من جديد وعلى ارض الواقع ان لا بديل أمام العرب سوى الموقف الذي بلوره عبدالناصر من قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني، كما ان التجربة العربية اكدت صحة ما قاله عبدالناصر فيما يتعلق بالوحدة العربية من ان الطريق الى الوحدة يبدأ بالديمقراطية ومراعاة الظروف القائمة. و ابدى الدكتور «السيد ياسين» اختلافه مع احمد حمروش على صعيد قوله بعدم وجود برنامج محدد لثورة يوليو نظرا لان الضباط الاحرار كانوا في صلب الحركة الوطنية المصرية الامر الذي جعل مشروعهم مستمدا من المشروع الوطني لاصلاح النظام القديم، هذا المشروع الذي ساهم فيه وطنيون من تيارات مختلفة يسارية واسلامية وليبرالية صاغت بعض مبادئه قبل قيام ثورة يوليو، وقد مر المشروع الناصري بمرحلتين: المرحلة الاولى مرحلة الاصلاح، والثانية هي المرحلة الراديكالية، وبانتقال هذا المشروع من المرحلة الاولى الى الثانية فقد اتسم بسمات عديدة ابرزها: سيطرة القطاع العام ـ ومركزية التخطيط ، وهيمنة الحزب الواحد. ورأى السيد ياسين ان عام 1967 هو النهاية الحقيقية للمشروع الناصري الذي سقط ليس في مصر وحسب، بل وفي العالم العربي، وفي معرض اجابته على سؤال ماذا بقي من الناصرية؟ اجاب ياسين: بان الذي بقي لنا منها تجربة وخبرة تاريخية ودروس يجب ان نستفيد منها وهي: فشل النظام السلطوي والعقد الموقع بين السلطة والشعب في المرحلة الناصرية والذي يقول بتحقيق السلطة للعدالة مقابل ان يتخلى الشعب عن السياسة وكذلك فشل نظام التخطيط المركزي وفشل مشروع التغيير الاجتماعي الراديكالي غير الديمقراطي، بالاضافة الى فشل الخطاب القومي العربي التقليدي ولاسيما هجاء الدولة القطرية، لذلك لابد من الانتقال من السلطة الشمولية الى التعددية الديمقراطية كما لابد من بلورة استراتيجية غير منغلقة تتفاعل مع العولمة، وتقوم على مشروع اصلاح اجتماعي، واقامة سوق عربية مشتركة. الباحث الدكتور ماهر الشريف انطلق من مداخلته من تحديد مصطلح الناصرية التي تعني زعامة ثورية مصرية تجاوزت حدود مصر لتشمل الاقطار العربية، فالناصرية هي تيار فكري سياسي انخرط في مشروع القومية العربية ثم تحدث الشريف عن انجازات الحقبة الناصرية وانتقل منها الى الحديث عن السلبيات التي تمثلت في قصور النظام الناصري عن بلورة مفهوم فعال ومتطور للثورة الثقافية، وعدم الاهتمام بضرورة امتدادها الى الدين لتعزيز الاصلاح الديني الذي بدأه محمد عبده الافغاني والكواكبي، وكذلك رهان عبد الناصر على الجيش من دون الشعب كأداة وحيدة للتغيير واستهانته بانجازات الجيل الاول والتجارب السابقة ولا سيما فيما يتعلق بالديمقراطية، كذلك اخطأ عبدالناصر بتركيزه على المضمون الاجتماعي للديمقراطية على حساب المضمون السياسي، وعلى الرغم من ان عبدالناصر تعامل نظريا مع الحرية ببعديها حرية الوطن وحرية المواطن الا انه ركز في الممارسة العملية على حرية الوطن وذلك على حساب حرية المواطن، الا ان هذا لا يمنع من القول ان عبدالناصر رسم للعمل القومي خطوطا اساسية هي: نقل مصر الى الكيان القومي العربي وجعل الوحدة كشرط اساسي لنهوض العرب، والقول بان العرب أقوياء الا انهم لا يدركون مصدر قوتهم، وان المعركة من اجل فلسطين قد وحدت العرب. وفي نقد موضوعي وجريء للتجربة الناصرية تحدث (مراد غالب) الوزير المصري خلال مرحلة حكم عبدالناصر عن تجربة الناصرية مؤكدا خلال استعراضه لعهد الوحدة بين مصر وسوريا بان عبد الناصر يتحمل مسئولية فشل الوحدة عندما جعل المصريين هم الحاكمين الفعليين للاقليم السوري، كما اشار الى ان المد القومي في مصر نما وتصاعد بتأثير من المشاعر القومية للشعب السوري والتي كانت تطالب بالوحدة مع مصر الشقيقة. مستقبل الاشتراكية العربية هل للاشتراكية مستقبل في الوطن العربي؟ تحت هذا العنوان عقدت الندوة الثانية في اسبوع المدى الثقافي وشارك فيها عدد من الباحثين والمفكرين العرب وهم: كريم مروة، حسين عبدالرازق، مصطفى الحسيني، الدكتور قدري جميل، الدكتور احمد برقاوي. واكد كريم مروة في اجابته على هذا السؤال بان المهمة صعبة جدا وهي مهمة الحاضر والمستقبل التي تتصدر اعمالنا ليس كاشتراكيين بالمعنى القديم، ولا بالمعنى المعاصر بل كطلاب تغيير للواقع من شتى المدارس الفكرية والسياسية، واشار الى ان الاشتراكية باتت بحاجة الى تحديد معاصر، تحديد مرن ينطلق من شروط العصر، ومن كل ما هو جديد فيه، وفي اي حال ومهما قدمت لنا العولمة ومهما وضعت امامنا من عقبات، ومارست علينا من وحشية، فان علينا ان نناضل ضد الاستغلال والقمع لازالتهما من حياتنا، فالمهم بالنسبة لنا هو ان نواصل سيرنا في الطريق الذي سلكته البشرية منذ فجر التاريخ. اما الكاتب الصحفي حسين عبدالرازق فقد اكد انه لا يمكن في ظل الاوضاع الحالية بناء الاشتراكية فورا في مجتمع لم تتحقق فيه ابسط حقوق الانسان المدنية، مجتمع تزيد نسبة الامية فيه على 60% وفي ظل اقتصاد تابع للرأسمالية، ويزداد تبعية دون وجود حركة جماهيرية واسعة وعليه فقد رأى ان بناء الاشتراكية في المنطقة العربية سيستغرق مرحلة تاريخية تتضمن حلقات وسيطية، وفترات انتقالية لا يمكن القفز عليها، ولذلك لا يجوز طرح مهمة بناء الاشتراكية قبل تهيئة القاعدة المادية والروحية اللازمة، لهذه النقلة الكيفية في تطور مجتمعنا، والمرحلة الحالية هي مرحلة التنمية المستقلة التي ليست مجرد سياسات اقتصادية، وانما هي ترتبط بمفاهيم ثقافية وقيمية واجراءات سياسية، اما الخطوط العامة لمرحلة التنمية المستقبلية كما يراها عبد الرازق فهي: بناء اقتصاد وطني مستقل قادر على النمو والتجدد الذاتي، بعيدا عن التبعية للغرب مع الحرص على علاقات تبادل، واعتماد متكافيء بينهما، ثم اجراء تحول ديمقراطي حقيقي وتحقيق العدالة ثم انجاز الثورة الثقافية التي تعلي شأن القيم العقلانية والاستنارة والسماحة والعمل، والاجتهاد والروح الجماعية، واصلاح جذري في السياسة التعليمية واعتماد سياسة خارجية مستقلة تجسد المصالح القومية. الباحث مصطفى الحسيني الذي تحدث عن تاريخ القرن العشرين تساءل: أليس مجتمع الديمقراطية الليبرالية وقوامها الملكية الفردية، وحرية السوق مجتمعا حرا يعامل الناس باعتبارهم افرادا وليس كأعضاء في جماعات، الا يوجه التمايز بين الناس افرادا او اعضاء في جماعات ضربة قاصمة الى مبدأ المساواة، وهو المبدأ الذي اعتبر من اهم ركائز العصر الحديث خصوصا ان التمايز يستند الى حقيقة علمية تقع خارج مجال الجدل، ثم ماذا سيحدث عندما يثبت ان انخفاض مستوى الذكاء يرجع الى المورثات، وانه هو الذي يؤدي الى الفقر وليس العكس، واخيرا ماذا سيحدث خصوصا في مجتمعات الديمقراطية الليبرالية اذا ثبت ان ما يعتبر الآن غير لائق اجتماعيا وسياسيا ليس اقل من حقيقة علمية. إن الذي نترقبه هو ان تدخل مجال الاجتماع الانساني حتمية وراثية، فهذا هو الاخطر، ثم اليس علينا ان نسأل انفسنا عن الصلة وجودا او عدما بين الثورة العلمية التكنولوجية وما اصاب الاشتراكية. من جهة اخرى حاول الدكتور قدري جميل ان يبحث في مشكلة الاشتراكية، وما اذا كانت تكمن في فكرة الاشتراكية نفسها، او في الاشتراكيين الذين تبنوها ومارسوها، ورأى ان قوة الحلم وضرورة الواقع حولت الفكرة من حلم الى علم حيث يمكن القول بعد اكثر من مئة وخمسين عاما على نشوء الفكر الماركسي انه علم التحكم الواعي بالعمليات الاجتماعية لصالح الانسان، الا ان كون هذه الفكرة قد اصبحت علما لا ينفي بل يتطلب الحفاظ على الحلم فيها، ومقابل السؤال عن مستقبل الاشتراكية . وطرح الدكتور قدري سؤالا آخر، هل للرأسمالية مستقبل؟ لان الحياة برهنت ان الرأسمالية في العقد الماضي بعد تحولها الى منظومة شاملة لم تبرهن انها قادرة على حل اي قضية من القضايا التي تطرحها الحياة، بل زادتها تعقيدا وأكد في اجابته ان المستقبل للاشتراكية شرط ان يكون الاشتراكيون على مستواها.من جهته اكد الدكتور احمد برقاوي، صعوبة الحديث عن هذه الفكرة، لان الصورة الزاهية لها قد تبخرت من اذهان البشر، عبر تجربة ليس اقل مايقال فيها أنها ارتبطت بنظام شمولي قمعي استبدادي، وفند الزعم القائل انه بالماركسية انتقلت الاشتراكية من الطوباوية الى العلم استنادا الى ان الاشتراكية ستشتق منطقيا من تناقضات القوى المنتجة وعلاقات الانتاج والرأسمال، وسيكون الحال نفسه اعتبار الاشتراكية مرحلة حتمية من مراحل التاريخ، فمن هذه الزاوية اذا كان التاريخ سينتهي بالاشتراكية فان مقولة نهاية التاريخ موجودة عند ماركس، كما هي موجودة عند هيجل.اما فكرة الحتمية التاريخية فمشكوك بصحتها لانها تصور في الذهن ولا تعبر عن واقع الحال بل ان التاريخ ذاته ينفي فكرة الحتمية التاريخية في العالم الانساني. وفي النهاية اكد الدكتور برقاوي: ان كل اجابة عن المستقبل هي اجابة احتمالية وخاصة عندما يتعلق الامر بتاريخ البشر، والسؤال هل هزيمة الاشتراكية هي فعلا هزيمة للفكرة وعليه هل يمكن القول ان الفكرة هزمت تاريخنا ام انها كانت معاندة للواقع اذا تحققت؟ العولمة والاسلام وخلال فعاليات الندوة تم التمييز بين نوعين من الفكر الاسلامي وهما الفكر الاسلامي التنويري والفكر الاسلامي في ظل العولمة وقد وضعتهما الاول في مواجهة الثاني بغية التمييز مما يجعل التوصيف يتضمن تحديد للحدود التي يتحرك ضمنها الخطاب الاسلامي، وقد تحدث فيها الدكتور فيصل دراج والدكتور احمد البغدادي (الكويت) والدكتور تهامي العبدولي (تونس) مدير معهد اللغة والحضارة العربية بباريس، والبروفسور ميثم الجنابي (العراق). في البداية نوه الدكتور دراج الى ان الاسلام والعولمة يشيران الى شكلين من قراءة النص الاسلامي مرتبطين بسياقين تاريخيين مختلفين وبمشاريع سياسية تاريخية مختلفة، كما اشار الى تباين الفكر الاسلامي في الدول فالاجتهادات الاسلامية في مصر تختلف عن اجتهادات ايران والرؤية الاسلامية للسلطات السياسية ورؤية الاتجاهات السياسية، واضاف ان الاسلام في ظل العولمة يبدو منتصرا في العالم العربي نظرا الى قوة الموروث الديني، واخفاق بدائل التحديث الاجتماعي وغياب اي مشروع وطني جديد. وكشف د. تهامي العبدولي عن انواع عديدة من الظواهر الطارئة على المجتمع العربي الاسلامي صيغت في ازواج مفاهيمية بقصد الاحالة الى ترادفها الممكن مثل ثنائية «الاسلام والمدنية» التي ظهرت في القرن الثامن عشر بفكر جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، ثم عاودت الظهور فيما بعد مع المسلمين المعاصرين في الزواج المفاهيمي «الاسلام والحداثة»، ولم تكن علاقة الاسلام والعلم والديمقراطية والشورى، والاسلام والاشتراكية غير تقليب آخر لنفس الصيغ، وقد حدد العبدولي السؤال الجوهري في خصوص رؤية المؤسسة الدينية للعولمة بانه يتعلق بحجية النظر في العولمة، لا باعتبارها ظاهرة اقتصادية في حد ذاتها، بل من خلال الاسلام، وهو يرى ان ثمة نوعا من التزكية المتبادلة فيما بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، وفيما يخص العلاقة بين الحداثة والعولمة اعتبر ان العلاقة واهية موهومة اذ لاشيء يمكن ان يفسر معرفياً تولد ظاهرة عن اخرى مختلفة عنها في اصولها، صحيح ان ظاهرة ماقد تفضي الى نقيضها ولكن يشترط ان تكون الاسس المكونة واحدة أو على الاقل متشابهة. الدكتور احمد البغدادي رأى ان الازمة تتمثل في عجز الفكر الاسلامي المعاصر عن مواجهة عصر العولمة خاصة في قضايا الديمقراطية والمساواة، وحقوق الانسان وحرية التعبير، والحريات الفكرية وركز على ان جوهر هذه الازمة يتمثل في لغة الخطاب الديني المتعالية بعيدا عن المفهوم السوسيولوجي للاديان باعتبارها مجموعة متنوعة متباينة من الاتصالات الاجتماعية داخل المجتمع، فالخطاب الديني يرى دائما انه هو الحق وهو الافضل ولذلك يعيش بعض هذا الفكر ازمة حوار مع الآخر سواء كان هذا الآخر مسلما ليبراليا او علمانيا، او ينتمي الى دين آخر وهو يعيش في هذا المجتمع، و في تلك المجتمعات الاخرى، واشار (البغدادي) الى ان الحركات الاصولية في ظل عصر العولمة ملزمة وهذا ليس اختياريا بان تتخلى عن لغة الخطاب المطلق، ولغة الخطاب المتعالي، ففي عالم فضائي مفتوح يصل اليه الجميع بلا عناء او قيود مطلوب من هذه الحركات ان تقدم فكرا اسلاميا تنويريا مثل قوله تعالى: «لا اكراه في الدين» بالاضافة الى اعادة النظر في تاريخية النص القرآني. من جهته اعتبر الدكتور اسامة خليل ان مفهوم الاصول هو اساس ازمة كل حضارة فلكي نؤسس للنهضة العربية الاسلامية المنشودة والتي اسميها بالنهضة الثانية نحتاج الى اصول لنؤسس عليها نهضتنا، ولذلك لابد من نظرية في الاجتماع ونظرية في التاريخ، لان هذا المفهوم يسمح لنا بان نحقق نوعا من التعددية والتنوع، كما ان لدينا عقدا اجتماعيا موثقا تاريخيا يقوم على العدل والحق والخير وعلينا كأمة ان نحققها في الحضارة والاجتماع من خلال مؤسسات خاصة. ولعل الدكتور ميثم الجنابي كان الاكثر تكثيفا وتركيزا لمحاور بحثه عن الثقافة الاسلامية والعولمة، اذ تحدث عن العولمة القديمة والقطبية الطبيعية والقطبية الثقافية ثم تناول بالتحليل الظاهرة الاسلامية المعاصرة حيث رأى ان الاسلام قد تحول من جديد الى اشكالية عالمية نجد اثرها وصداها في مختلف انحاء العالم، وهو يجعل من الظاهرة الاسلامية الجديدة جزءا من كيان الاسلام التاريخي والثقافي القديم منه والمعاصر، ويجعلها في الوقت نفسه تدخل ضمن فرضيات المستقبل الكبرى وهي فرضية تستلزم اعادة النظر بالتاريخ والمعاصرة، وبتوزيع التوجه والاهتمام الاسلامي بالشكل الذي يسهم في ترسيخ تجانس الاقطاب الثقافية والسياسية العالمية، وعلى تفعيل الكيان الاسلامي فيها. وفي الختام اكد الدكتور الجنابي: «اننا نستطيع العثور في الوعي الثقافي الغربي على عناصر جوهرية كبرى مشتركة مع الثقافة الاسلامية مثل العقلانية، وجوهرية الحقوق وفكرة الحرية وهي عناصر يمكن ان تبني جسرا بين الاسلام والغرب، ويشكل بناء هذه العلاقة المفترضة محكا جديدا بالنسبة للعالم الاسلامي فهي فرصة مهمة وخطيرة في نفس الوقت أمام العالم الاسلامي لترتيب وجوده الذاتي، للمساهمة الفعالة في بناء عولمة ثقافية سياسية جديدة