يأتي الخلاف الأخير بين الولايات المتحدة والصين بشأن طائرة التجسس الأمريكية، ليلقي الضوء مرة أخرى على لعبة اختبار القوة التي ما برحت تمارسها ـ من حين لآخر ـ قوة عظمى تدرك تماما أن انفرادها بالسيطرة على العالم، إلى زوال طال الأمد أم قصر، مع إحدى القوى الكبرى المرشحة لاحتلال موقع متقدم في عالم متعدد القطبية بدأت إرهاصاته تلوح في الأفق منذ منتصف التسعينيات من القرن المنصرم، مع بداية التغيير الملموس في قمة الهرم السياسي العالمي. ولما كان من المؤكد أن القوى التي سيكون لها أكبر التأثير على مجريات أمور العالم في القرن الحالي، هي التي تمتلك القدرات الأكبر سياسيا وعسكريا واقتصاديا ومعرفيا، فإن قانون الحراك الدولي يشير إلى أن الولايات المتحدة مازالت تتجاذبها معطيات الصعود والهبوط في نفس الوقت؛ بينما تصعد تدريجيا إلى قمة الهرم السياسي الدولي اليابان وأوروبا الموحدة و.. الصين. ومن هنا بدأت التحركات الأمريكية الدؤوبة بهدف احتواء خطر التنين الأصفر وتحجيمه على الأقل، دون أن يراودها حلم الانتصار عليه مثلما انتصرت على الخطر السوفييتي الأحمر. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهاء حقبة الحرب الباردة، أعلنت الولايات المتحدة قيام النظام العالمي الجديد الذي دشنت مولده بقيادتها لقوات التحالف الدولي خلال حرب الخليج الثانية. ومنذ ذلك الحين دأب الإعلام الأمريكي على الترويج للقطب الأوحد، ونظامه الاجتماعي وثقافته باعتبار أن الراية الأمريكية ستبقى مرفوعة فوق قمة الهرم السياسي الدولي لفترة طويلة مقبلة. وراجت في السنوات الأخيرة أفكار تدعم بشكل أو بآخر هذه الرؤية؛ من قبيل نهاية التاريخ «لفوكوياما» وصراع الحضارات« لصامويل هينتنجتون». غير أن الباحثين الأمريكيين نفسهم كانوا أول من تنبأ بترشيح آسيا للهيمنة على العالم في القرن الحالي، وطرحوا العديد من التنبؤات بشأن تعاظم قوة الصين العسكرية ونفوذها السياسي في آسيا وبين بلدان الجنوب على النحو الذي يرشحها لاعتلاء قمة الهرم السياسي الدولي أو على الأقل لاحتلال موقع متقدم ضمن الأقطاب الأخرى التي ستتشارك اعتلاء هذه القمة مدعومة بنفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي. ومن هنا كان لزاما على كل من القوتين؛ القابعة على صدر النظام العالمي الجديد وتلك التي تتقدم حثيثا للمنازلة، أن تتحسس أرصدتها من هذه القدرات وتحسب بدقة أرصدة القوة الأخرى. ولا يخفى على أحد أن ميزان هذه القدرات يؤكد أن الكفة الأمريكية مازالت هي الراجحة، فعلى الصعيد السياسي، استطاعت الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فرض هيمنتها على القرار السياسي الدولي، حتى أصبحت الأمم المتحدة مجرد منفذ لإرادة السياسة الخارجية الأمريكية. بل أن المفاهيم والمبادئ التي كانت مستقرة في الخطاب السياسي الدولي مثل السيادة الداخلية للدول وحق تقرير المصير بدأت تتراجع لتحل محلها تعبيرات أخرى صكتها السياسة الخارجية الأمريكية وفرضت لها تفسيرات تصب جميعها في خانة تكريس الهيمنة لواشنطن مثل الشرعية الدولية التي أظهرت تطبيقاتها على العراق وليبيا والسودان مثلا إنها في الحقيقة شرعية أمريكية الهوى والميول، وحماية حقوق الإنسان التي لا تجد سبيلا إلى تطبيقها في مناطق مثل فلسطين أو العراق مثلا. تدمير العالم ست مرات وعلى الصعيد العسكري تتوافر لدى الولايات المتحدة قدرة عسكرية تقليدية ضخمة تقدرها بعض الدراسات بنحو أربعة ملايين ونصف مليون جندي في عام 1997، فضلا عن القوة النووية الفائقة التي جعلتها الدولة الأولى في العالم في هذا المجال وتشير دراسات عسكرية إلى امتلاكها أكثر من سبعة ملايين وخمسين ألف رأس نووية حتى منتصف التسعينيات تتيح لها حسب تقديرات العسكريين إمكانية تدمير العالم ست مرات، أضف إلى ذلك الانتشار العسكري الواسع للقوات الأمريكية في العالم حيث أشارت الدراسات إلى تمركز قوات أمريكية في 44 دولة من دول العالم في عام 1990 أي قبل انهيار الاتحاد السوفييتي واندلاع حرب الخليج الثانية، ومن المعروف أن عدد القواعد العسكرية الأمريكية في العالم شهد زيادة بعد هذه الحرب. ولا ينبغي أن نغفل في هذا السياق النظام الاستراتيجي العالمي الذي يدعمه حلف الناتو الخاضع للهيمنة الأمريكية حتى الآن رغم بعض مظاهر التململ الأوروبي. ويزيد على ذلك نظام الدفاع الصاروخي الذي تمضي الولايات المتحدة قدما في إرسائه رغم معارضة حتى حلفائها. والذي يضمن لها اليد العسكرية الطولى التي تستطيع ردع أي تمرد على الهيمنة الأمريكية قد يجيء من أقصى شرق العالم. ومن الناحية الاقتصادية، يشهد الاقتصاد الأمريكي معدلات نمو مرتفعة منذ منتصف التسعينيات ساهمت في تخفيض العجز المالي الأمريكي وارتفاع معدل الناتج القومي الإجمالي بصورة مطردة منذ 1994 وتتمتع الولايات المتحدة بسيطرة واضحة على المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، تتيح لها فرض العقوبات الاقتصادية وكف يد المعونات عمن يجرؤ على الخروج من عباءتها. ناهيك عن سيطرتها على الشركات العالمية متعددة الجنسيات، حيث تشير إحصاءات إلى أن 12 شركة من بين أهم 20 شركة متعددة الجنسيات في العالم كانت موالية للولايات المتحدة. أضف إلى ذلك تزعمها لاتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية «نافتا» التي تيسر لها الحصول على المواد الأولية من كندا والأيدي العاملة الرخيصة من المكسيك. ولا يمكن أن نغفل بالطبع قوة البنية الأساسية الداخلية التي يتمتع بها الاقتصاد الأمريكي، فمازال الإنتاج الزراعي الأمريكي يتمتع بقوته رغم كثافة الاستغلال للقدرات الزراعية الأمريكية، حتى أن حجم الصادرات الزراعية بعد إشباع احتياجات السوق الداخلي بلغ 16 في المئة في أواخر القرن الماضي. كما يتمتع الاقتصاد الأمريكي بالمركز الأول في العالم من حيث ارتفاع إنتاجية قطاعي الصناعة والخدمات مما كان له الفضل في تحقيق الولايات المتحدة للنسبة الأعلى بين الصادرات العالمية حيث بلغت الصادرات الأمريكية نحو 13 في المئة من إجمالي صادرات العالم في أواخر القرن الفائت بينما لم تتجاوز صادرات أي من اليابان أو ألمانيا نسبة عشرة في المئة من الصادرات العالمية. وعلى الصعيد الثقافي، ربما يعرف الكثيرون أن الولايات المتحدة لم تكن تتمتع بميزة ثقافية تذكر قبل الحرب العالمية الثانية وإنما كانت مجرد دولة مستوردة للثقافة، غير أن مقتضيات الحرب الباردة وسباقها الاقتصادي والعسكري مع الاتحاد السوفييتي كان لهما أكبر الأثر في تطور الثقافة الأمريكية على نحو صارت معه أفلام السينما والموسيقى والبرامج التليفزيونية الأمريكية هي الأوسع انتشارا عالميا ناقلة معها نمط الحياة الأمريكية الذي أصبح مطمحا للعديد من شباب العالم وساعدها على ذلك الانتشار الواسع للغة الإنجليزية منذ عصر الاستعمار البريطاني، وليس هناك من ينكر قوة تأثير شبكة سي إن إن الإخبارية التي تغطي حاليا نحو 86 دولة من دول العالم. كما أضحت الجامعات الأمريكية قبلة الراغبين في الحصول على التعليم المتميز في العالم خاصة وسط زخم الثورة العلمية والتكنولوجية المتلاحق. نبوءة تشو إن لاي أما الصين التي تعد اكبر دولة في العالم من حيث مجموع عدد السكان، فضلا عن امتدادها على رقعة جغرافية شاسعة تضمن لها تعدد الموارد لطبيعية والغذائية وغيرها على نحو يحقق اكتفاء ذاتيا حقيقيا، وموقعا جغرافيا مهما. فيبدو أنها تسير بخطى حثيثة صوب تحقيق نبوءة رئيس وزرائها السابق شو إن لاي عندما قال للرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون: «لا يريد أطفالنا أن يعيشوا في القرن القادم في عالم تسوده قوتان فقط، وإنما يطمحون إلى العيش في عالم مثلث القوى والأقطاب تكون الصين أحد أضلاعه». وتعيش الصين، منذ نهاية السبعينيات، تحولات اقتصادية مهمة جعلتها الدولة الأولى في العالم من حيث معدل النمو. كما أن قدرتها الاقتصادية والمتميزة تدعمها قوة عسكرية تنمو باطراد هي الأخرى وسياسة خارجية تتبنى، أيضا، فكرة المثلثات التي تريد أن تكون الضلع القاعدة في كل منها.ويرى العديد من المحللين أن الصين في حالة استمرار تطورها على هذا النحو ستكون مؤهلة لقيادة آسيا وربما عالم الجنوب، وربما لن تستطيع قوة أخرى الحيلولة دون ذلك. وعلى الصعيد السياسي، نجد أن السياسات الخارجية الصينية خضعت لإعادة هيكلة مستمرة تبعا للمعطيات الداخلية والخارجة التي عاشتها البلاد. وكانت أبرز عمليات إعادة هيكلة السياسة الخارجية الصينية في عام 1977، عندما أقر المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني الخطوط العامة لسياسة جعلت الانفتاح الشامل على كافة الدول سبيلا لتأمين المستلزمات الضرورية لإنجاز أولويات تختلف مضامينها عن تلك التي كانت تتحكم في حركة الصين سابقا. وحدد المؤتمر الثاني عشر للحزب في عام 1982 هذه الأولويات بتحديث الزراعة والصناعة، والبحث والتطوير، فضلا عن الدفاع وجعل إنجازها المهمة القومية الأولى للصين، ونزعت الصين الى توظيف سياستها الخارجية من اجل تأمين مستلزمات الارتقاء بالداخل. لذلك عمدت الى بناء علاقات دبلوماسية مع معظم الدول الاعضاء في الامم المتحدة. ففي نهاية عام 1996 كان للصين علاقات دبلوماسية مع 159 دولة في العالم. آسيا أولا على أن الانتشار الدبلوماسي للصين لا يعني ان كافة الدول تحظى بذات الأهمية لدى بكين. فيرى محللو السياسة الصينية الخارجية أنها تميل إلى توزيع هذه الدول على مستويات متباينة،تعتمد على أهمية هذه الدولة أو تلك بالنسبة للمصالح الصينية. لذا تتمتع مجموعة دول آسيا بأولوية على سواها. ولأهميتها الخاصة يتأسس التعامل معها على فكرة المثلثات، التي تتطلع الصين إلى أن تكون هي القاعدة لكل منها. والمثلثات التي تتأسس عليها حركة السياسة الخارجية للصين تتفاوت في اتساعها: الأول: هو المثلث القومي، الذي يتشكل، بالإضافة الى الصين، من هونج كونج وتايوان، وماكاو. وفي هذا المثلث تتحرك الصين، ولاسيما منذ نهاية السبعينيات، لاستعادة تايوان، خاصة بعد أن استعادت هونج كونج وماكاو، انطلاقا من فكرة صين واحدة. والمثلث الثاني هو الذي يربط الصين باليابان والهند.ورغم أن علاقة الصين بهاتين الدولتين ليست متماثلة. فهي علاقة تعاون وتنافس مع اليابان، وعلاقة تنافس وصراع مع الهند فان إدراك الصين لأهمية هذا المثلث، بشريا وتجاريا واستراتيجيا، وجغرافيا لامتداده من جنوب غرب آسيا إلى جنوب شرقها، وإلى شمال شرقها، يجعلها تسعى لأن تتولى قيادته. ويتوقع عدد من خبراء السياسة نجاح جهود الصين لقيادة هذا المثلث نظرا لمعطيات الدول الأخرى ضمن الرقعة الجغرافية لهذا المثلث: فروسيا تعاني وتحتاج إلى فترة لإعادة بناء ذاتها، كما أن إندونيسيا لا تشكل منافسا للصين، والهند اقل قدرة من الصين، والشيء ذاته ينسحب على كوريا الجنوبية وسنغافورة. وستبقى اليابان هي المنافس للصين في هذه المنطقة الجغرافية، بيد أن إدراك اليابان لاحتمال تفوق الصين عليها في القرن المقبل، خصوصا في حالة استمرار معدل النمو الصيني الاقتصادي المرتفع ،ربما يدفع بها إلى تطوير العلاقة الثنائية معها، بأمل مشاركتها القيادة الآسيوية. ويتفاعل هذا الإدراك مع إدراك صيني لأهمية دور اليابان في هذا المثلث، ومن هنا يتبين إصرار التنين الأصفر على حشد قواه السياسية لتكريس نفوذه خاصة في الإقليم الآسيوي فضلا عما يتمتع به من احترام لدى مجموعة بلدان العالم الثالث التي يأمل في استقطابها إلى جانبه بقدر سعيها للتملص من الهيمنة الأمريكية المنفردة على العالم. تطوير النوع لتعزيز الكم وعلى الصعيد العسكري، يسر الارتفاع الهائل في عدد السكان للصين تكوين جيش كبير الحجم على مدى تاريخها وبعد عام 1949 لم تجد العقيدة العسكرية التي تبناها زعيم الثورة ماو تسي تونج والمتمثلة في التعبئة العسكرية الشعبية بهدف الدفاع تطبيقا عمليا لها داخل الصين، وإنما خارجها، فكما أن الصين لم تتوان عن تقديم المساعدة الحاسمة إلى حلفائها في كوريا وفيتنام، فإنها لم تتردد كذلك عن استخدام قوتها العسكرية ضد التبت في الخمسينيات وضد الهند في بداية الستينيات وأسفرت تجربة استخدام الصين لقوتها العسكرية خارج حدودها عن سعي بكين إلى تطوير نوعية قدراتها العسكرية لتعزيز الكم العسكري لديها. و لم يتجسد في تطوير القدرة العسكرية التقليدية فحسب، وإنما كذلك في امتلاك السلاح النووي اعتبارا من عام 1964 وساعدها على الاستمرار في ذلك الصراع الأمريكي السوفييتي الذي دفع أمريكا إلى الاعتراف القانوني بالصين عام 1972 اثر سلسلة مفاوضات سرية قام بها كيسنجر مع القادة الصينيين، و عدم معارضة أمريكا حصول الصين على السلاح المتطور من مصادر متعددة، منها الشركات الأمريكية. على أن البناء العسكري، الذي تأسس في عهد ماو، ارتقت به لاحقا سياسة الإصلاح، التي هدفت بعد منتصف السبعينيات، الى تحديث الصين كلها. ويرى محللون أنه لا يغير من ذلك أن هذه السياسة جعلت الدفاع في مؤخرة قائمة أولوياتها، بعد الزراعة والصناعة والبحث والتطوير، وجاءت تجربة هزيمة القوات الصينية أمام القوات الفيتنامية عام 1979 لتدفع الصين بعدما استطاع اقتصادها تحقيق معدلات نمو عالية، إلى العودة منذ بداية التسعينيات إلى الإنفاق العسكري الواسع، مما ساعد على الانتقال بالصين إلى مصاف الدول الأكثر إنفاقا في العالم على قواتها المسلحة. وسهل زيادة الانفاق العسكرية حصول الصين على منتجات وتقنية عسكرية متطورة من مختلف الدول المصدرة للسلاح، الأمر الذي انعكس ايجابا على قواتها المسلحة، فأصبحت البحرية الصينية الأولى في آسيا والثالثة في العالم. على أن النزوع نحو تطوير الجيش الصيني وتحديثه تضمن تحويله إلى جيش محترف، أقل عددا، وأعلى قدرة تقنية، وأكثر تأهيلا لخوض عمليات عسكرية تقليدية. ففي خلال تسعة اعوام (1988 ـ 1997) حققت القدرة الصينية العسكرية تطورا تجاوز ما أنجزته خلال ثلاثين عاما (1949 ـ 1979) مما يرى معه المحللون أن هذا التحديث تم في إطار استمرارية تاريخية لخصائص صينية فريدة أبرزها عراقة العسكرية الصينية ودهاؤها واعتمادها على الذات. فرغم أن المشتريات العسكرية الصينية كان لها دور مهم، إلا أن القدرة الذاتية الصينية على تطوير السلاح المستورد وتصنيعه داخل الصين كانت مهمة أيضا، كما أن نزوع الصين نحو التحديث لم يلغ نزوعها نحو حيازة قدرة عسكرية متطورة تتيح لها ممارسة التأثير السياسي الخارجي عندما تقتضي الحاجة أو يتطلب الظرف. ويؤكد ذلك عدم تردد الصين مثلا في تزويد عدد من دول الجنوب بالخبرة النووية واستخدام القوة العسكرية استخداما مباشرا.وتجدر ملاحظة أن الاهتمام بالقوات المسلحة الصينية تطويرا وتحديثا لم يفرز قدرة عسكرية مهمة فحسب، وإنما ساعد كذلك على الارتقاء بالقدرة السابقة على تصدير الفائض من السلاح المعاصر ولاسيما الى دول الجنوب. ولأغراض متعددة، منها توظيف عوائده في خدمة النمو الاقتصادي، فضلا عن الإنفاق على البحث والتطوير على الصعيد العسكري، وساعدت هذه القدرة الصين على الاستمرار طرفا لا يستهان به في تجارة السلاح الدولية. وعلى الصعيد الاقتصادي كان ماو تسي تونج قد عمد إلى تحقيق التنمية الاقتصادية، كجزء من تنمية شاملة، سبيلا لاعادة بناء اقتصاد بلاده، وتأمين التحولات الاشتراكية فيه، فضلا عن محاولة تحقيق أهداف القفزة الكبرى إلى الأمام عام 1958 في الانتقال السريع من مرحلة الرأسمالية إلى مرحلة الشيوعية خلال عشر سنوات. وأدت هذه الإجراءات وغيرها إلى تحسين أداء الاقتصاد الصيني، إلا أنه ظل بسبب ضغوط دولية وأسباب داخلية محدودا حتى السبعينيات.رغم أن الصين استطاعت في عهد ماوتسي تونج تحقيق قفزات مهمة على الصعيد الاقتصادي دفعتها إلى احتلال المركز العاشر بين أهم دول العالم اقتصاديا. اقتصاد السوق الاشتراكي بعد عام1987 بدأ الاقتصاد الصيني مرحلة أخرى عنوانها اقتصاد السوق الاشتراكي، وبدأ معدل النمو الاقتصادي يتصاعد منذ 1992، وتميزت سياسة اقتصاد السوق الاشتراكي بالحد من الاستيراد، وبالتالي الاعتماد على الذات لإشباع الحاجات الداخلية من السلع والخدمات التي يمكن توفيرها محليا. ومع ارتفاع معدل النمو في الاقتصاد الصيني ليصبح الأعلى بين معدلات النمو الاقتصادي العالمية بدأت توقعات تشير إلى احتمال ظهور الصين كقوة اقتصادية عظمى في فترة قريبة حتى أن بعض المحللين الأمريكيين يتوقعون أن تصبح الصين في عام 2010 رابع قوة اقتصادية عظمى بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان. ومن الواضح أن صعود الصين إلى مرتبة القوة الاقتصادية المؤثرة، في العقود الأولى من القرن الحالي، سيفضي إلى توظيفها لقدرتها خدمة للغاية النهائية لمشروعها الحضاري المتمثل في أن تصبح أحد الأقطاب العظمى في العالم، يساعدها على ذلك إدراكها أن العديد من دول الشمال والجنوب تحتاج إليها اقتصاديا بسبب إغراء اتساع السوق الصينية و بسبب القدرة التصديرية الصينية. كما تحتاج إليها سياسيا إما لرغبة بعض الدول المؤثرة عالميا ومنها الولايات المتحدة في موازنة علاقتها باليابان بعلاقة متطورة مع الصين. أو في سعي بعض الدول الاخرى، ولاسيما في عالم الجنوب، إلى تأمين الدعم لحركتها السياسية الخارجية. ومن مراجعة حسابات القوة لدى كل من الدولتين يتضح أن الولايات المتحدة إن كانت لاتزال تمتلك قدرا أكبر من مقومات الهيمنة إلا أن فرص استمرارها في الانفراد بهذه الهيمنة أصبحت قليلة، ولعل هذا ما دفع العديد من الباحثين الأمريكيين إلى توقع عدم استمرار الولايات المتحدة في موقع القوة العظمى الوحيد في العالم لأكثر من عقد قادم وحدد أكثرهم تفاؤلا تاريخا يتراوح بين عامي 2015 و2025 لانتهاء حقبة الهيمنة الأمريكية. فرغم التفوق العسكري الأمريكي في مجال القوة النووية بالتحديد إلا أن العديد من المحللين يرى أن السلاح النووي لم يعد يمثل قوة عسكرية بقدر ما هو قوة سياسية تتمثل في تحقيق الردع خاصة بعدما زاد عدد الدول الأعضاء في النادي النووي، فما جدوى أن تمتلك الولايات المتحدة قوة نووية يمكنها تدمير العالم ست مرات طالما أن دولا اخرى تستطيع تدميره مرة واحدة. كما أن القوة العسكرية التقليدية لكي تكون فاعلة لابد وأن تعتمد في النهاية على قاعدة اقتصادية قوية، والمؤشرات الحالية لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستستطيع في المستقبل القريب الحفاظ على تفوقها كقوة عظمى اقتصاديا مع بروز قوى أخرى منافسة بقوة، من بينها الصين، الأمر الذي يعني أن أمريكا لن تستمر أيضا قوة عظمى عسكرية وحيدة في العالم. كما أن النفوذ الأمريكي السياسي يتعرض لتآكل في أكثر من إقليم من أقاليم العالم، ويبرز من بينها الإقليم الآسيوي الذي يهدد النفوذ الصيني وتضافره مع التمرد الكوري الشمالي والإيراني على الهيمنة الأمريكية فضلا عن التململ الروسي بوضع نهاية لطغيان القوة العظمى الوحيدة. إن إرهاصات كثيرة ودلائل قوية تشير، إلى أنه ربما يكون قد حان أوان تحقق المقولة الصينية «لقد ظلت الشمس تشرق من الغرب فترة طويلة، وها قد آن أوان شروقها من الشرق. بقلم: إكرام يوسف