ودع عروسه لأنها تعترض مسيرته المهنية ، بوتين يحقق حلم شبابه بدخول نفق الجهاز السوفييتي الرهيب بدأ فلاديمير بوتين في مطلع عقد السبعينيات دراسته الجامعية في بلاد تختلف كثيرا عن تلك التي شهدتها طفولته، ففي خلال عشر سنوات تبدلت الأوضاع بصورة جذرية، إذ تبخرت الأوهام حول بناء الشيوعية، واهتزت القناعات بمستقبل واعد على أساس النجاحات الفضائية التي كان قد تم تحقيقها، وفي المحصلة غرق حلم القوة العظمى وموقعها في مشكلات الحياة اليومية. مع ذلك كان يبدو أن المعسكر الاشتراكي يطل «منتصرا» على الساحة الدولية، في الوقت الذي كان الأمريكيون يبدون خاسرين على صعيد الجبهة الداخلية، ورفض الرأي العام لحربهم في فيتنام على الرغم من انتصارهم العسكري فيها، وفي عام 1966، بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي الذي جمع في كوبا وفوداً من البلدان الاشتراكية ومن الأحزاب التقدمية في أفريقيا وآسيا، أطلق أرنستو تشي جيفارا دعوته لإشعال فيتنام ثانية وثالثة، لتهديم الرأسمالية، وشهدت بلدان عديدة في أمريكا الوسطى، وخاصة نيكاراجوا والسلفادور، وفي أفريقيا وآسيا تنامى حريات ثورية، وتوجه سلفادور الليندي بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية لعام 1970 في تشيلي نحو القطيعة مع الرأسمالية والتقارب مع المعسكر الاشتراكي، واتسعت نشاطات الحركات الثورية في كمبوديا ولاوس، أما في الشرق الأوسط فقد تقاربت القوى الاقليمية الرئيسية (مصر وسوريا والعراق) مع موسكو، وعقدت معها اتفاقات تعاون عسكري ومدني في مواجهة اسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة. وفي هذه المنطقة من العالم تحديدا، أي في الشرق الأوسط، عرفت سياسة الكرملين انكفاءاتها الأولى، إذ في الوقت نفسه الذي كان الرئيسي المصري الراحل أنور السادات يوقع معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفييتي عام 1971، كان يبتعد عن السياسة التي كان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قد اتبعها، وطلب الرئيس السادات من الخبراء السوفييت العسكريين مغادرة مصر، وأصبحت القطيعة فعلية في عام 1976، وكان الجنرال ارنستو بينوشيه، قد قام بانقلابه العسكري ضد «الليندي» عام 1973، وفشلت الثورة في البرتغال عام 1975، معلنة نهاية حلم قيام نظام شيوعي في أوروبا الغربية. لم يكن المواطنون السوفييت بحاجة إلى هذه الانكفاءات كلها ليتنامى تشككهم في سياسة قادتهم، وكانت القطيعة مع الصين قد أثارت قلقاً حقيقياً وفي المحصلة بدا أنه على عكس ما كانت تؤكده الدعايات الرسمية، لم يكن مضموناً ان يؤدي الانتصار النهائي على الرأسمالية إلى السلام في العالم، وإنما بالأحرى إلى حرب ضد بلد اشتراكي آخر. وفي عام 1969 لم يكن رائد فضاء سوفييتي هو أول من وصل إلى القمر، وإنما الأمريكي نيل أرمسترونج، وقد قوبل ذلك بخيبة أمل كبيرة لدى المواطنين السوفييت على الرغم من المزاعم التي رددها قادة الكرملين بأنه لم يكن لديهم في أي يوم من الأيام النية لإرسال بشر إلى الكواكب الأخرى لأن الآلة وحدها يمكن ان تقوم بالعمل المطلوب. ومن جهة أخرى كان سحق ربيع «براغ» بالدبابات السوفييتية عام 1968 بمثابة نهاية الآمال التي كانت مرحلة خروشوف قد بثتها في نفوس المثقفين، وكانت الدعاية الرسمية تزعم ان المقصود بالتدخل السوفييتي في تشيكوسلوفاكيا هو مساعدة الشعب التشيكي وسحق المحاولات المعادية للثورة، ولكن لم يكن هناك من يصدق مثل هذه الدعايات، ممن يمتلكون الحد الأدنى من الثقافة. وكان الرئيس السابق لجهاز الـ «كى. جي. بي» والرئيس السابق الراحل أيضا للاتحاد السوفييتي يوري اندروبوف قد قدم تفسيرا أكثر ذكاء من الدعاية الرسمية التي سادت أثناء فترة التدخل، إذ أوضح أثناء لقاء له مع ضباط الاستخبارات في برلين ان التدخل السوفييتي في تشيكوسلوفاكيا كان يرمي إلى حماية أمن الاتحاد السوفييتي والحفاظ على المنظومة الأوروبية ضمن الحدود التي عرفتها عند نهاية الحرب العالمية الثانية، وحيث ان التطورات التي كانت تشيكوسلوفاكيا تشهدها كان من شأنها ان تؤدي أولاً إلى حيادها، ثم ربما إلى انحيازها بعد ذلك للغرب، كان هذا التفسير أكثر معقولية لأنه أقل أيديولوجية. المنعطف الأول في محصلة التقلصات والتشنجات الكبيرة التي كان النظام السوفييتي يشهدها على مختلف الأصعدة، وحيث كان المجتمع الذي أسسته الشيوعية يتهاوى نحو «نهايته الأخيرة» ونحو الانهيار النهائي، كان فلاديمير بوتين يكرس وقته للرياضة ولدراسة القانون في الجامعة، ولا يحتسي أي مشروب كحولي، حتى «الفودكا» وهو يقول عن تلك الفترة: «كنت أركز كل جهودي على الدراسة وكنت أعتبر الرياضة بمثابة نشاط ثانوي» لكنه مع ذلك بقي مهتما بالمباريات الرياضية، التي كانت تستوجب منه الانتقال إلى مدن أخرى وإلى جمهوريات سوفييتية أخرى مثل مولدافيا التي كانت تشهد مباريات تصفيات شعوب الاتحاد السوفييتي التي كان قد تم اختياره للمشاركة فيها، وبعد تخرجه مباشرة من الجامعة عام 1976، أصبح فلاديمير بوتين بطلا لرياضة الجودو في مدينة لينينجراد. ان الرئيس الروسي الحالي لا يحب الحديث كثيرا عن تلك الفترة التي يبدو أنها لم تترك لديه ذكريات عميقة، سوى قلة المبلغ الذي كانت تؤمنه له منحته الدراسية والمشكلات التي كانت تواجه الشباب من أبناء جيله، هكذا عمل في فريق للبناء وذهب إلى جمهورية «كوسيس» في شمال الأورال من أجل أعمال ترميم في ميدان البناء وحيث حصل على مبلغ ألف روبل لقاء شهر ونصف الشهر من العمل. وكان ذلك مبلغاً كبيراً كان مرتب مدرس أو طبيب آنذاك حوالي 120 روبلاً فقط، لقد استغل ذلك المبلغ كي يذهب بصحبة صديقين له في رحلة دون العودة إلى لينينجراد مباشرة، بل قصد الثلاثة منتجع «جاجرا» على البحر الأسود في جيورجيا، وكان الحصول على غرفة في الفندق يتطلب التزود بوثيقة من رب العمل أو من هيئة اجتماعية تؤكد حق العطلة، هذا إذا لم يكن المعني في مهمة رسمية. ولم يكن الطلبة الثلاثة يمتلكون تلك الوثيقة مما اضطرهم للإقامة عند سيدة في المدينة، لكن الأسعار المرتفعة اضطرتهم للعودة سريعاً. في العام التالي أيضا اشتغل بوتين في فريق للبناء، لكنه استخدم المبلغ الذي كسبه هذه المرة في شراء معطف محترم، وكان هو المعطف الأول الذي لبسه طيلة حياته، إذ ان الوضع المادي للأسرة لم يكن ميسورا كثيرا، وعندما ربحت والدته ماريا ايفانوفا ذات يوم سيارة صغيرة في إحدى ألعاب الحظ كان أول شيء فكرت الأسرة به هو بيعها، إذ ان ذلك كان يوفر لهم مبلغ 3500 روبل على الأقل، مع ذلك وبعد تأمل طويل قرر الأهل ان يستغنوا عن هذا المبلغ، الذي لم يكونوا ينتظرونه، وأعطوا السيارة لابنهم الذي كان آنذاك في السنة الجامعية الثالثة. كانت تلك السيارة الصغيرة من طراز «زابوروجيت»، ذات المواصفات الرديئة، حتى بالمعايير السوفييتية، مصنوعة في أوكرانيا وكان يمكن مقارنتها بالكاد مع سيارة فيات 500، أو سيات 600 اللتين أغرقتا الأسواق الايطالية والاسبانية خلال العقد السابق لانتاج السيارة السوفييتية، وربما كانت هناك امكانية لأن تكون سيارة شعبية لو لم يكن ثمنها يعادل راتب عامين لموظف عادي، كذلك لم يكن توفر الشرط المالي كافيا وحده للحصول عليها، إذ كان هناك دائما قائمة انتظار طويلة بالنسبة لشراء سيارة بحيث يمكن ان تمر سنوات أحيانا قبل الحصول عليها. شكلت سيارة «زابوروجيت» على الرغم من تواضعها امتيازا كبيرا لفلاديمير بوتين بالقياس إلى رفاقه، كما وفرت له بعض النجاحات النسائية التي لم يكن أي منها جديا، حسب قوله فيما بعد هو نفسه. إذ خلال المرحلة النهائية لدراسته التقى بـ «ليودميلا» وهي ليست زوجته الحالية، وإنما فتاة أخرى أراد أن يتزوجها، حيث جرى تحضير جميع مراسم الاحتفال وتم تقديم الملفات الخاصة بالزواج إلى مصلحة الأحوال المدنية واشترى الأهل كل ما كان مطلوباً.. ما الذي أعاق ذلك الزواج؟ هكذا سأله أحد الصحفيين الذين أعدوا كتاب الحوارات معه فأجاب بوتين: ـ شيء ما. دسائس بالطبع. ـ هل اختارت صديقا آخر؟ ـ آخر؟ فيما بعد. ـ من الذي أخذ مبادرة فسخ مشروع الزواج. ـ أنا .. لقد قلت لنفسي انه من الأفضل التصرف بهذه الطريقة مباشرة بدلا من الألم فيما بعد، هي وأنا. ـ الأثر بعد الحديث عن هذا الموضوع؟ ـ إنها حكاية معقدة في الواقع، هكذا جرت الأمور، وكان ذلك قاسيا بالفعل. ـ هكذا تأسف لما حصل؟ ـ أبداً.. نصف اعتراف ان أصدقاء فلاديمير بوتين المقربين يجهلون هم أيضاً حقيقة تلك القصة، يقول سيرجي رولدوجين، عرّاب ابنة بوتين الكبرى «ماشا» وعازف الكمان في فرقة موسيقية: «كانت تعجبني، وكانت فتاة جيدة ـ ليود ميلا الأولى ـ طبيبة وقوية الشخصية.. انني أجهل ماذا جرى بينهما فهو ـ أي فلاديمير بوتين ـ لم يرو لي شيئاً، قال لي فقط ان كل شيء قد انتهى.. بالطبع كان يتألم لذلك، فهو شخص انفعالي جدا، لكنه لا يعرف كيف يعبر عن انفعالاته. وصديق آخر من فترة المراهقة هو الكسندر ماتفييف الذي كان زميل فلاديمير بوتين في السنة الدراسية الثانوية الأولى وحتى النهاية يرسم الصورة التالية لصديق أيام الشباب: «كان منظما، ويوحي بأنه انسان صامت، لكنه كان يستطيع الانتقال بسرعة من حالة مزاجية إلى أخرى. فهل قطع علاقته بتلك الفتاة لأنه أدرك لسبب ما أنهما لا يناسب أحدهما الآخر؟ أو لأنه اعتقد أنها قد تكون عائقاً أمام مسيرته الوظيفية داخل جهاز الـ «كى. جي. بي»؟ ما يمكن قوله هو أنه في اللحظة التي كان يُفترض للزواج ان يتم حقق فلاديمير بوتين حلم سنوات مراهقته حيث كان قد بدأ العمل في لجنة أمن الدولة، ومنذ حوالي ثلاث سنوات. كان القرار الذي اتخذه فلاديمير بوتين وهو في سن السادسة عشرة بالدخول إلى جهاز الـ «كى. جي. بي» يقوم على أساس مفهوم فيه الكثير من المثالية حيال صورة عملاء الاستخبارات. لكنه وعى شيئا فشيئا ان العمل الحقيقي لأمن الدولة لا يتناظر بالضرورة مع الصورة التي كان قد رسمها في مخيلته، وقد ساعده في إدراك ذلك واقع تجربة المدرسة، والتفاعل مع الحياة الحقيقية في الوسط الجامعي حيث كانت الهيئات الأمنية نشيطة جدا في ملاحقتها للانحرافات بكل الأحوال، لم يكن بوتين بالتأكيد ساذجاً إلى درجة الاعتقاد وهو في السنة الرابعة بكلية الحقوق بأن نشاط جهاز الـ «كى. جي. بي» كان مقصوراً على البحث عن الأسرار وراء خطوط العدو. يقول: «أثناء سنوات الدراسة الجامعية كلها كنت أنتظر أن يتصل بي الشخص الذي كنت ذهبت للقائه في جهاز الـ «كى. جي. بي» في لينينجراد لكنه بالطبع كان قد نسيني إذ لم أكن سوى تلميذ ثانوي عندما ذهبت إليه، فمن كان يمكنه ان يعرف بأنني سأبذل ما بذلته من طاقة؟ ثم انني لم أنس أنهم لا يوظفون متطوعين». ان مثل هذا الاعتراف على لسان الرئيس يبدو بمثابة «نصف اعتراف» إذ ان لقاءه مع الـ «كى. جي. بي» في نهاية عام 1968 لم يكن بريئا بالقدر الذي يصفه اليوم، انه لم يكتف فقط بترك عنوانه، وإنما احتفظ أيضا بأمل أن تتابع هيئات الجهاز الأمني مسيرة دراسته والاهتمام به. وهناك عنصر آخر يسمح بالتفكير بأن اتصاله الأول مع اللجنة كان أكثر جدية مما يزعم، إذ في الوقت الذي كان مطلوبا المساهمة في «العمل الاجتماعي» أي في نشاطات منظمة الشبيبة الشيوعية ـ الكومسمول ـ من أجل تأكيد الأدوار نجد ان بوتين يصرح بأنه كان يحتقر المساهمة في تلك النشاطات. ولا شك في ان هذا القول صحيح، إذ كان العمل في الـ «كى. جي. بي» يتطلب «التكتم» وليس «الظهور»، وانه لمن الصعب الاعتقاد بأن شابا في الثامنة عشرة من عمره وصل إلى الجامعة بنية الدخول إلى الأجهزة السرية يمتنع عن المساهمة في النشاطات الاجتماعية التي يمكنها ان تلفت الانتباه إليه، من الصعب الاعتقاد بهذا، إذا لم تكن هناك نصيحة خارجية. وهناك أيضا احتمال ضئيل بأن يكون فلاديمير بوتين قد قبل التعاون مع جهاز الـ «كى. جي. بي» كمخبر اثناء دراسته كما قيل هنا وهناك، إذ ان يصبح المرء مخبراً كان يعني اغلاق أبواب الهيئات العليا أمامه، إذ ان مسئولي الجهاز السري السوفييتي كانوا يحتقرون عملاءهم، ثم ان جهاز الـ «كى. جي. بي» لم يكن يخلط بين «المماسح» و«المناشف» للوجه. ما يمكن استنتاجه هو ان فلاديمير بوتين قد استفاد من نصيحة عارف جيد بعمل أمن الدولة، وطرق التوظيف فيها، هل كان ذلك الشخص هو الذي استقبله عندما زار مقر الـ «كى. جي. بي» للمرة الأولى؟ هل كان غيره؟ الجواب ليس مهما، المهم هو ان بوتين كان يعرف جيداً السلوك المطلوب ليجذب إليه انتباه المسئولين عن انتقاء عناصر أجهزة الاستخبارات وحتى لو كانت النتائج غير مضمونة إذ في السنة الرابعة الجامعية كاد أن يفقد الأمل، حيث يقول: «مضت سنوات أربع، ولم يستجد شيء، واقتنعت بأن المسألة قد سويت، وبدأت أفكر بالخيارات البديلة. وكان من بين الآفاق التي رأى أنها قد تلائمه القضاء والمحاماة، لكن وكما في الأفلام الجاسوسية، تلقى اتصالا هاتفيا غريبا حيث تكلم معه شخص مجهول واقترح عليه ان يلتقيا للحديث عن مستقبله بعد الانتهاء من دراسته الجامعية. لقد لمّح ذلك الشخص المجهول بإمكانية توظيف الشاب، ولكن من دون ان يحدد بدقة أين: لقد فهم بوتين على الفور ما هو مقصود بذلك، حيث انه إذا كان لا يريد ان يبوح اين فهذا يعني هناك. تم اللقاء في بهو الكلية بالجامعة، وبعد ان اعتذر الشخص الآخر عن التأخر في الوصول عشرين دقيقة قال مباشرة: «فلاديمير، لا يزال أمامك شوط زمني كبير للانتهاء من الدراسة، ولكن ما رأيك في ان تعمل في أجهزة أمن الدولة؟» لم يجبه الشاب بأنه كان يحلم بمثل ذلك العمل منذ ان كان في المدرسة الثانوية. انه لم يتذكر ما سمعه في الاتصال الأول حيث قال له الشخص الذي قابله: «اننا لا نريد متطوعين» فحسب، وإنما فهم أيضا بأن التحفظ مطلوب إلى حد، لقد قبل العرض إذن من دون ان يظهر فرحاً كبيراً. دخول النفق حول هذه النقطة وجه له الصحفيون الذين كانوا قد أعدوا كتاب «حوارات» معه عن سيرة حياته، السؤال التالي: «ولكن عندما قبلت العمل في أجهزة الاستخبارات، لم تفكر بعام 1937؟» وعام 1937 يرمز بالنسبة للروس إلى قمة التصفيات الستالينية وقمع أجهزة الأمن، فأجاب بوتين بوضوح: «بكل صدق، انني لم أفكر بذلك مطلقا.. مطلقا.. ان عمليات التصفية والقمع تلك لم تخطر لي.. وأفكاري حول الـ «كى. جي. بي» كنت قد كونتها انطلاقا من روايات بهية عن عمل ضباط الاستخبارات، لقد كنت دون شك ودون مبالغة المنتوج المتفائل للتربية الوطنية التي كان الفرد السوفييتي يتلقاها». لقد أكد بالمقابل بأنه سمع الحديث عن «عبادة الفرد» و«آلام الناس» و«عمليات الوشاية» هذا من دون ان يدرك حقيقة مدى القمع «ولكن أولئك الذين كانوا يريدون ان يعرفوا حقيقة، عرفوا كل شيء»، قال أحد الصحفيين، فأجاب بوتين: «كنا نعيش آنذاك في دولة شمولية توتاليتارية، وكان كل شيء طي الكتمان، فإلى أية درجة كانت مسألة عبادة الفرد عميقة وخطيرة، هذا ما لم يكن بمقدورنا أنا وأصدقائي ان ندركه وبحيث انني أنا شخصيا دخلت إلى جهاز الاستخبارات وأنا أحمل أفكارا رومانسية. هل كانت تلك هي الحقيقة أم مجرد محاولة للتبرير؟ بكل الأحوال ليس هناك من هو أكثر صمما من ذلك الذي لا يريد ان يسمع، ثم إن النظام السوفييتي كان ذا كفاءة عالية في مجال التضليل والتعمية حول حقيقة ما كان يجري. كما كانت حفنة قليلة من الطلبة يحالفها الحظ في ايجاد فرصة عمل داخل أجهزة الاستخبارات عند الانتهاء من الدراسة الجامعية في الاتحاد السوفييتي، وقد جاء على لسان سيرجي ستيبارشين رئيس وزراء روسيا الأسبق قوله: «كان جهاز الـ «كى. جي. بي» يجمع أثناء المرحلة السوفييتية نخبة البلاد من حاملي الشهادات العليا والكثير من المثقفين». وفي ربيع عام 1975 عندما كان فلاديمير بوتين في نهاية السنة الدراسية الخامسة اتصل به شخص يدعى ديمتري جانتسيروف، كي يؤكد له الاقتراح الذي كان طرحه عليه الشخص المجهول في بهو الكلية بالجامعة قبل عام، حدث ذلك قبل اجتماع «الاقتسام» الذي كان يتوزع فيه ممثلو الهيئات والمؤسسات الرسمية خريجي الجامعات الجدد وعندماوصل دور فلاديمير بوتين أعلن ممثل وزارة العدل بأنه يريده للعمل كمحام لكن أحد الحاضرين والذي لم يكن قد تفوه حتى تلك اللحظة قاطعه قائلا: «كلا، كلا، هذه المسألة قد سويت، فنحن سنأخذ بوتين إلى أجهزة الـ «كى. جي. بي». في الواقع لم يكن أمام فلاديمير بوتين سوى بصيص أمل صغير بأن يحقق حلم مراهقته، كان مدركاً لذلك لكنه جرب حظه ووصل إلى بغيته، لم يتم تعيينه في الادارة الرئيسية الأولى وإنما في قسم مكافحة الجاسوسية حيث اتبع دورة تدريبية لمدة خمسة أشهر، ان هذا القسم وعلى الرغم من تسميته لم يكن نشاطه محصورا بمكافحة الجواسيس الأجانب، بل كان يقوم في الوقت نفسه بدوره البوليس السياسي وجهاز الاستخبارات العامة. وفي كل الأحوال لقد حقق بوتين الهدف الذي كان يسعى إليه وأصبح أحد العاملين في جهاز الاستخبارات السوفييتي وتحت غطائه، وكان يمتلك بطاقة مهنية باسم قسم التحقيقات الجنائية، الأمر الذي كان يسمح له بالدخول إلى أي مكان من دون ان يكشف عن هويته الحقيقية في العمل الذي يمارسه، لكن المشكلة كانت من زاوية انه لم يكن يراقب تحركات العدو الخارجي، وإنما بالأحرى تحركات مواطنيه.