تبدو حيوية صنوبر خوديدادا وتفاؤلها كنسمة هواء منعشة تلطف من كآبة أجواء الانهيار الاقتصادي الاجتماعي والإخفاق الإداري المزمن في هذه الجمهورية البائسة في آسيا الوسطى. صنوبر أم لثلاثة أطفال، وهي في الوقت ذاته تدير مركز البنات الخاص لحياكة السجاد الواقع في حي قديم يشرف على نهر دوشانبي الملوث. ووسط بعض المتدربات الصغيرات في مركز صناعة السجاد، وقفت هذه الأم المكافحة تقول بعد خمس سنوات مريرة من الحرب الأهلية، ومعاناتي شخصيا من ويلاتها الاقتصادية، راودتني فكرة إقامة هذا المركز لتدريب الفتيات الصغيرات والأرامل على صناعة مفيدة. الحقيقة أن طاجيكستان لم تكد تهنأ بإعلان استقلالها ـ ومعها عدد آخر من جمهوريات آسيا الوسطى ـ عن الاتحاد السوفييتي المنهار في العام 1991، حتى غرقت في فوضى سياسية واقتصادية شاملة. والسبب الرئيسي في تلك الفوضى كان الانقطاع المفاجئ للصادرات الطاجيكية «الروتينية» عن الجمهوريات السوفييتية سابقا، فضلا عن نضوب المساعدات المالية التي اعتادت موسكو منحها لدوشانبي في زمن التحالف الشيوعي وهذه التحولات ساعدت على بزوغ التيار الإسلامي المتشدد في البلاد، وإعلان الجماعات الإسلامية حرب عصابات ضد حكومة الرئيس ايمومالي رحمانوف. ولخمس سنوات هي عمر الحرب الأهلية، أصاب العنف البلاد بالشلل وعدم الاستقرار. وحين نجحت جهود السلام أخيرا في وضع نهاية للقتال، كانت مساوئ الحرب قد تضافرت مع الهزات الاقتصادية الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفييتي في ضرب ستة ملايين نسمة هم تعداد الشعب الطاجيكي الذي بات أغلبه يعيش تحت خط الفقر. كانت جميع المؤشرات تنذر آنذاك بكارثة اقتصادية هائلة. معدل الالتحاق بالمدارس انخفض بنسبة 64 في المئة، والإنتاج الزراعي لم يعد كافيا لإطعام أكثر من 40 في المئة من أفراد الشعب. وأصبحت طاجيكستان معتمدة اعتمادا شبه كلي على استيراد الغذاء من الخارج. ما الذي يمكنك أن تفعله في ظروف مثل هذه ؟ هل تستسلم لليأس أم تشمر عن ساعديك محاولا إعادة بناء ما دمرته الحرب ؟ هكذا تساءلت صنوبر خوديدادا حين سألناها عن الدافع الذي حركها لبدء مشروعها الإنتاجي في العام 1997. والواقع أن مركز السجاد الذي ترأسه خوديدادا والذي يمثل أبرز أنشطة هذه المنظمة غير الحكومية في طاجيكستان حقق نجاحا ملموسا، إلى حد شجع برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة على تقديم مساعدات مادية للمشروع. ويوفر المركز دورات تدريبية قصيرة للفتيات والأرامل والسيدات اللاتي هُجرن نتيجة الحرب وكذلك اللاجئات من أفغانستان المجاورة. وتحصل كل متدربة أثناء فترة التدريب على ما يزن كيلوجرام ونصف الكيلو من دقيق القمح أسبوعيا كنوع من الحوافز لتشجيع الأسر الفقيرة على إرسال بناتهم للتدريب على صناعة السجاد وتعلم بعض المهارات بدلا من إخراجهن من المدارس ودفعهن للعمل في وظائف وضيعة حسبما يقول بوتشان حاجي شيخ مدير مكتب برنامج الغذاء العالمي في طاجيكستان. عشرة دولارات للطبيب ففي دولة فقيرة تئن من وطأة المشكلات، لا يزيد فيها دخل الطبيب أو المدرس على عشرة دولارات شهريا، يمكن أن تثمر المشروعات الأهلية الصغيرة نتائج ممتازة.حتى خوديدادا نفسها التي تدرس اللغة العربية في جامعة دوشانبي، تجد أن راتبها يكاد لا يفي باحتياجات أسرتها حتى بعد ضم راتب زوجها الذي يعمل صحفيا في جريدة مملوكة للدولة. وعن ذلك تقول الأم صنوبر مشيرة بإصبعها إلى ابنتها المشغولة بتعليم فتيات أخريات أساليب نسج السجاد أعترف بأن المشروع يعني بالنسبة لي وسيلة لإعانتي وأسرتي على تكاليف المعيشة. ومن بين تلميذات خوديدادا، فتاة أفغانية تدعى حبيبة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها وتقيم في دوشانبي مع أختها منذ سنوات، بينما يعيش أبواها في مزار الشريف شمال أفغانستان. تقول حبيبة لقد أغلقت المدارس في مزار الشريف، ولم يعد هناك أي عمل متاح، ومن ثم قررت أن آتي إلى هنا بصحبة أسرة شقيقتي. وتروي حبيبة الكثير عن تجاربها المريرة وشعورها بالوحدة والإحباط قبل أن تلتحق بمركز «أدبسارا» الذي يتعلم فيه نحو 25 فتاة طاجيكية وأفغانية فن صناعة السجاد. إذ أغلقت طالبان ـ التي تسيطر على معظم الأراضي الأفغانية- أغلب مدارس البنات، وحرمت النساء من العمل في الأماكن العامة مجبرة عشرات آلاف الأسر المتعلمة على النزوح إلى الدول المجاورة مثل باكستان. وحين نزحت بضعة آلاف من الأفغان إلى طاجيكستان، اكتشفت سريعا أنها إنما تستجير من النار بالرمضاء. والواقع أن طاجيكستان هي الدولة الأفقر في كومنولث الدول المستقلة سة الذي ورث ـ نظريا ـ الاتحاد السوفييتي البائد في آسيا الوسطى. إذ لا يتجاوز متوسط دخل الفرد في طاجيكستان 215 دولاراً سنويا. وعن هذا الواقع الاقتصادي البائس، يقول أشرف اكثيار نائب وزير الزراعة في حكومة رحمانوف لا نستطيع تطهير قنوات الري، وغير قادرين على إصلاح عشرات الآلاف من مضخات المياه التالفة. ولا نملك التقنيات الحديثة والبذور الصالحة لتحسين إنتاجية قطاعنا الزراعي. ويضيف المسئول الطاجيكي بنبرة حزينة عن القطاع الزراعي في بلادنا يواجه كارثة حقيقية. تأجير الأراضي وفي محاولة لإنقاذ القطاع الزراعي المنهار في طاجيكستان، طرح مشروع تأجير الأراضي الذي يدعمه برنامج الغذاء العالمي أيضا. ويقوم المشروع على مبدأ استئجار الأراضي من الإقطاعيين ومزارع الدولة وتوزيعها على بعض الفلاحين الفقراء، بهدف إفادة نحو 23 ألف مزارع محروم من الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وتحصل كل أسرة مشاركة في المشروع على نصف هكتار من أرض صالحة للزراعة مقابل تعهد المزارع بتسديد ما يعادل 10 إلى 20 في المئة من عائدات المحصول لصاحب الأرض الأصلي (سواء الجمعيات الإقطاعية أم المؤسسات الحكومية). ووفقا لمبادئ المشروع، يلتزم برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة بتوفير الاحتياجات الغذائية للمزارعين في مرحلة ما قبل الحصاد. إذ يحصل كل فرد على حوالي 600 كجم من دقيق القمح خلال السنة الأولى السابقة للحصاد. وعن هذا المشروع الزراعي يقول خالد منصور المسئول بمكتب برنامج الغذاء العالمي في بلدة بيشكنت بطاجيكستان قد تكون هذه التجربة نواة لعملية تحويل الزراعة المملوكة للدولة إلى الزراعة الخاصة. وقد تشجع الناس على بذل مجهود أكبر في العمل لإنتاج محصول أوفر. وحتى اليوم يبدو مشروع تأجير الأرض الزراعية ناجحا إلى أقصى الحدود، خاصة في مجال تشجيع الاعتماد على النفس وتحسين الإنتاج وتحسين الإدارة. ويمكنك أن تشعر بهذا الحماس بوضوح عند التحدث إلى أي من العاملين في الحقول بالمناطق التي يشملها المشروع مثل كومسانغر أو بوختار. فيقول مسالمة الذي كان يعمل سابقا مدرسا للرياضة البدنية في مدرسة محلية إننا لا نتلقى رواتب أو وظائف روتينية هنا .. كل ما يمكنني عمله أن أحمل فأسي وأعمل بهمة في الحقول. بين ثلاث جهات وعلى بعد بضعة كيلومترات من هذا الحقل، شاهدنا عددا أكبر من المزارعين يعملون بجد في حقل ضخم يمتد على مساحة 30 هكتارا. الرجال والنساء يمسكون بمعاول طويلة ويجتهدون في تقليب التربة، وذلك في إطار مشروع زراعي بين ثلاث جهات: 60 فلاحا وفلاحة، والإقطاعيين المحليين، وأخيرا برنامج الغذاء العالمي. بالعمل الشاق فقط وزراعة القمح والذرة نستطيع أن نؤمن ما يكفينا من طعام لهذا العام تقول إحدى المزارعات التي فرت من الحرب الأهلية في أفغانستان. ويعلل خالد منصور استجابة الفلاحين الطاجيكيين الإيجابية للمشروع الزراعي بالرغبة الحقيقية في عمل شيء مفيد بدلا من الجلوس في المنزل وانتظار رواتب هزيلة تتأخر لشهور قبل أن تصل لمستحقيها. ونتيجة لهذا الحماس، تم إنجاز أكثرمن 40 عقداً لاستئجار الأراضي في مقاطعة خاتلون وحدها، حسب ممثل برنامج الغذاء العالمي بوجان حاجي شيخ في العاصمة دوشانبي الذي يقول موضحا لقد تكفل برنامج الغذاء العالمي بتوفير 2000 طن من دقيق القمح للفلاحين الذين نجحوا في زراعة محصول من الحبوب والخضراوات يزن أكثر من 5800 طن. لكن وبالرغم من نجاح بعض المشروعات التنموية والأهلية، فالحقيقة المؤلمة أن طاجيكستان ما زالت تصارع طواحين الهواء من أجل البقاء. حتى مشروع تأجير الأراضي الزراعية للفلاحين يواجه الكثير من الصعوبات. وتشرح «ليلي احادي» المسئولة في المشروع جانبا من هذه الصعوبات قائلة: ثمة صعوبات كبيرة في إيجاد المزارع الحكومية والجمعيات المستعدة للتعاون معنا. فالبعض يرفض كليا تأجير ما يملكه من مزارع، والآخرون يرفضون توقيع عقود تمتد لأكثر من عام واحد. وبرغم جميع الجهود المحلية والخارجية، لم يجن الشعب الطاجيكي إلى الآن أي ثمار للتخلص من الشيوعية أولا، ثم إنهاء الحرب الأهلية والالتزام باتفاق السلام. بل إن وكالات الغوث الدولية تتوقع أزمة غذائية في طاجيكستان قبل نهاية العام الحالي. وعن ذلك يعقب أحد مسئولي هذه الوكالات الأجنبية قائلا بحسم بدون استثمارات جديدة، وبدون ماء نقي ووسائل أفضل لمكافحة الآفات الزراعية، وبدون بنية تحتية أفضل وفتح الطريق أمام القطاع الخاص لإقامة مشروعات إنتاجية .. بدون كل هذه الخطوات لن تتقدم طاجيكستان خطوة واحدة للأمام، ولن ينهض القطاع الزراعي الذي تعتمد عليه في توفير الغذاء لشعبها المسكين