قال مارك هاريسون المحامي البريطاني الذي يعيش في بلجراد منذ اربع سنوات انه لم يشهد طوال اقامته حركة نشطة كالتي يراها اليوم مضيفا ان اليوغسلاف بعد ان اهدروا اعواما يتجهون اليوم نحو المستقبل. يختصر كلام هاريسون مرحلة خروج يوغسلافيا من كبوتها. وربما كان هناك مبرر لتفاؤل المحامي البريطاني، فعلى مدى العامين الاخيرين وبسبب اضطراره الى البقاء حيث مقر عمله، قضى هاريسون معظم وقته متنقلا بين بلجراد ومونتينيجرو حيث يقول: ''إن كل شيء تقريبا مطروح للبيع. حكومة الجبل الأسود هي في حاجة ماسة للسيولة إلى درجة أنها مضت في بيع قطاع التبغ والاتصالات ومصانع الجعة وغيرها من المرافق » اليوم ومع امتلاء مقاعد درجة رجال الأعمال في رحلات طائرات «بريتش إيرويز» و «أليطاليا» و«لوفتهانزا» المتوجهة إلى بلجراد، يأمل «هاريسون» في حدوث ازدهار اقتصادي في صربيا ايضا. لكن، ربما الوقت لم يحن بعد. فاقتصاد صربيا يعاني ضيقا خانقا. وفيما البلد يرزح تحت عبء دين تبلغ قيمته 12.2 مليار دولار (أي أكثر من 1000 دولار للرجل أو المرأة أو الطفل الواحد)، يشهد القطاع الصناعي حالا من الجمود الكلي. العاملون يعتبرون أنفسهم محظوظين إذا ما تقاضوا أجرا بقيمة 50 دولارا في الشهر. أما الـ 27 في المئة أو أكثر من شريحة السكان غير العاملة، فتعيش بما يتيسر لها. البنية التحتية الوطنية التي تفككت نتيجة أعوام طويلة من الإهمال وثلاثة أشهر من قصف حلف الأطلسي، هي اليوم في وضع مذر. وهناك في المقابل، حسّ استثنائي بالتضليل. فبعد 11 عاما من الفساد على يد حكومة نهج السرقة التي كان يتزعمها «سلوبودان ميلوسيفيتش» وقبلها على مدى 45 عاما من حكم الاشتراكية في يوغسلافيا، اقتصاد السوق الحرة والاستثمارات والإيداعات المصرفية تبدو كلها أمور غريبة عن هذا المجتمع. التضخم الفائق وانهيار النظام المصرفي شجعا الناس على العيش كل يوم بيوم بدلا من التخطيط للمستقبل وتوظيف المتطلبات الضرورية القوية لبناء نظام رأسمالي دائم ومستقر. اعوام الفساد ويقول «جوران بيتيتش» الوزير الصربي للعلاقات الاقتصادية الدولية: قد يصعب محو آثار ثلاثة أعوام من الفساد والجرائم، خصوصا أنها جذبتنا نحو خط الفقر. ويضيف «بيتيتش» الذي يتوقع أن يمر وقت طويل قبل أن تعود الأمور إلى طبيعتها: لو أن الأمور الآن هي كما كانت عليه في الثمانينيات، فإن المسألة لا بد أنها تكون أسهل. اليوم يمكن أن تتدبر أمر قتل أحد بمئتي مارك ألماني فقط. وفي أي حال، إن الوزير «بيتيتش» متفائل في الفرص التي تقدمها السوق اليوغسلافية «العذراء» لاجتذاب الاستثمارات ومشاريع الأعمال الغربية. وقد بدأت الشركات منذ الآن كما يقول، تظهر اهتمامها في القيام بمشاريع اختبارية فيما تسعى شركات أخرى إلى الاستقرار في صربيا بمدة طويلة، مستفيدة من اليد العاملة الموهوبة ومن مركز البلاد في وسط البلقان، كي تبني قاعدة لأعمالها. وعلى رغم أن الحكومة تريد تشجيع الاستثمار في المشاريع الكبرى على قدم المساواة مع الاستثمار في المشاريع المتوسطة والصغيرة التي يؤمل في أن تمتص عددا من العاملين الذين قد يصبحون بلا عمل عندما يُعاد إعمار القطاع الصناعي، فإن التركيز الآني ينصبّ الآن على الخصخصة. الأولوية كانت تنصبّ على إلغاء قانون «ميلوسيفيتش» للعام 1997، وهو قانون خصخصة خال من الشفافية، ينفّر المستثمرين على المدى البعيد ويسمح بأن تذهب 60 في المئة من الحصص للعمال. الحكومة قالت إنها تريد درس مفاعيل بيع مشاريع كبيرة للقطاع الخاص، منها ما تمّ العام 1997، عندما بيع نحو 49 في المئة من قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية الصربي لتيليكوم إيطاليا بمبلغ مليار دولار أمريكي. (وفي تحذير شديد لهذا النوع من الأمور التي سارت بشكل سيء في الماضي، تنظر سلطات تورينو في ادّعاءات عن ابتزازات واتفاقات سرية قام بها مسئولو «إيطاليا تيليكوم» أثناء عقد الصفقة). اذاعة وتلفزيون وهنالك أيضا خطط لشن حملة من خلال برامج تلفزيونية وإذاعية لتعزيز الوعي العام حول ماهية الخصخصة واهميتها بالنسبة إلى مستقبل صربيا الجديدة. ويقول «ألكسندر فلاهوفيتش» الوزير الصربي الجديد للخصخصة والشريك السابق في شركة المحاسبة «ديلويتس،» في هذا الإطار: يحتاج هذا الاقتصاد بشدة للاستثمار الأجنبي، والخصخصة هي نقطة الانطلاق المناسبة. ويضيف أن الخطة تقضي بالبيع ثم البيع ثم البيع، خصوصا من خلال جعل الخصخصة شرطا إلزاميا لجميع الأعمال، واعتماد برنامج محفّز يتمكن من خلاله العاملون والإداريون من الحصول على جزء أكبر من الشركة، إذا ما استطاعوا المضي إلى الأمام بسرعة والتحضير لبيع مبكر. ومع ذلك، إن نموذج «فلاهوفيتش» لا يختلف عن النموذج البولندي، مع تركيز على اعتماد الخصخصة على أساس الجودة وليس السرعة، على أن تعطى الأولوية للمستثمرين على المدى الطويل قبل المستثمرين الماليين. وسيكون هناك مكان للسندات، لكن فقط بعد إجراء مبيعات كبرى لمصلحة المستثمرين الاستراتيجيين وتسلم العاملين والإداريين مواقعهم. إعادة الهيكلة متوقعة بعد تطبيق الخصخصة، وستركز الحكومة جهودها في نحو عشر أو اثنتي عشرة مدينة صناعية تعمل على مشاريع أحادية. يبقى أن تحدّد الحكومة لائحة بالقطاعات الأولى المحتمل بيعها، على رغم أن الإسمنت والمواد الكيماوية تأتي في المقدمة على غرار شركة الطيران المدني الوطنية «جات» التي يقول عنها المطّلعون إنها تتمتع بسمعة جيدة ولديها أسطول طائرات حديثة وطيارين محترفين ومدرّبين خير تدريب. إن قطاع صناعة السيارات الذي بنى في ذروة ازدهاره سيارة «يوجو» وقد بيعت في الأسواق الغربية، لا يزال يوظّف نحو 25 ألف شخص. ولابد من أن يجهد في البحث عن مستثمرين، شأنه شأن قطاع صناعة السلاح، الذي يُعدّ أحد أهم الصناعات في أوروبا الشرقية. لكن، قبل أن تشرع الشركات الغربية في البحث عن دفاتر شيكاتها، يحذّر المطّلعون من أن معظم نشاط هذه السنة سيرتكز على وضع تشريعات اقتصادية جديدة. فإضافة إلى قانون الخصخصة، ينبغي على الحكومة أن تقرّ سلسلة من القوانين التي تشمل قطاعات أخرى مثل الإعانات والتقدمات العامة الرئيسية وصناديق الأسهم المالية وما إلى ذلك.. في أحسن الأحوال، تتوخى الحكومة تحقيق مئات ملايين إضافية من خلال بيع أصول مالية يُتوقع ارتفاع ثمنها ارتفاعا ملحوظا ابتداء من السنة المقبلة. ويعترف «فلاهوفيتش» قائلا: لست في صدد رسم أوهام عن المستقبل، ولا أتوقّع أن أصبح أكثر الأشخاص شعبية في البلاد، مشيرا بذلك إلى العدد الهائل من أعمال تسريح الموظفين التي سترافق مشروع الخصخصة. ويضيف: ستصبح الأمور عسيرة للغاية، إلا إنني أعتقد أنه مع اعتماد الاستثمار الخارجي واستيعاب مزيد اليد العاملة ووضع سياسة اجتماعية ناشطة، لا بد من أن نتمكّن من تخطّي العقبات في السنوات القليلة المقبلة.