بين آن وآخر تحفل نشرات الأخبار بتصريحات أمريكية نارية تنتقد سجل حقوق الإنسان في الصين، أو تعلن تمسك الولايات المتحدة باتفاق التعاون الأمني الموقع بينها وبين تايوان، ثم لا نلبث إلا ونسمع عن مفاوضات تجارية تعقد سرا أو علنا ، بين كل من واشنطن وبكين. ويتضح أن القوم أدركوا أخيرا صحة القول المأثور «الاقتصاد محرك التاريخ»، حيث تؤكد مجريات الأحداث منذ انفراد الولايات المتحدة بإدارة دفة العالم قبل عقد من الزمان أن المصالح الاقتصادية الأمريكية باتت المحور الذي ينظم حوله جميع التحركات الدولية وتتحرك على إيقاعه خطوات الشرعية الدولية وتوضع الحلول لكافة مشكلات العالم من منظور هذه المصالح التي تضمن للدولة العظمى استمرار هيمنتها السياسية والعسكرية التي لن تستقيم إلا باعتمادها على الهيمنة الاقتصادية. في إطار سعيها الدائب لاحتواء المارد الصيني وكبح خروجه الذي بات محتوما من قمقمه الإقليمي إلى صدارة الساحة السياسية، دأبت الولايات المتحدة على التلويح بورقتي ضغط ضمنا لها من قبل حشد حلفائها في الغرب والشرق وراء قرار فرض عقوبات اقتصادية على الصين. والورقتان بالطبع هما القضية التايوانية وسجل حقوق الإنسان الصيني. والمعروف أنه منذ انتصار الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونج وإعلانهم قيام جمهورية الصين الشعبية في 1949وهروب تشان كاي تشيك الموالي لأمريكا وأتباعه إلى جزيرة فورموزا وإعلانهم ما سمي بجمهورية الصين الوطنية ظلت الولايات المتحدة مصرة على دفع دول العالم إلى حجب الاعتراف الدولي بالدولة الأم والحفاظ على الوضع المغلوط الذي سمح لحكومة فرموزا باحتلال المقعد الدائم في مجلس الأمن المخصص للصين حتى عام 1972 عندما قام الرئيس الأمريكي نيكسون بزيارة الصين واعترف بحكومتها، وجرى تصحيح الوضع في المنظمة الدولية فتبوأت بكين مقعدها الدائم الذي تستحقه. صين واحدة ومنذ ذلك الحين ظلت قضية تايوان ورقة ضغط في يد الولايات المتحدة على الصين عبر توقيع اتفاقيات أمنية مع حكومة تايوان وتشجيع التيارات الانفصالية الداعية إلى استقلال الجزيرة خاصة بعدما حققت نموا اقتصاديا وضعها في مصاف ما كان يسمى بالنمور الآسيوية قبل أن تعصف بها الأزمة المالية في 1997 غير أن الصين التي استعادت جزيرتي هونج كونج في 1997 من الاستعمار البريطاني وماكاو في العام الماضي بعد احتلال برتغالي دام أربعة قرون مازالت مصرة على اعتبار تايوان جزءا لا يتجزأ من الأراضي الصينية يتعين استعادته تحت شعار «صين واحدة». ووصل الأمر إلى حد تلويح الصين في العام الماضي باستخدام القوة العسكرية لمواجهة أي محاولة لإعلان استقلال الجزيرة، الأمر الذي دعا الولايات المتحدة إلى التهديد باعتزامها الوقوف في وجه جهود بكين للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والمضي قدما في تنفيذ اتفاقيات التسليح التي تعقدها مع تايوان. وعادة ما تصاحب فورات النخوة الأمريكية الرافضة «لإجبار تايوان على العودة إلى السيادة الصينية بالقوة» تنديدات بانتهاكات حقوق الإنسان في الصين وإثارة قضايا الحريات الدينية والتباكي على ما يتعرض له أهالي التبت وجماعة فالون جونج ونشطاء الدفاع عن الحريات من اضطهاد. وهو ما حدث بالفعل قبل عام بالضبط خلال الانتخابات التي كانت جارية في تايوان وفاز بها الرئيس التايواني تشن شيو بيان. غير أننا سرعان ما سمعنا عن اتفاق تجاري أمريكي صيني يمهد الطريق لنجاح جهود بكين المستمرة منذ 14 عاما لدخول منظمة التجارة العالمية ومنح الصين حق الدولة الأولى بالرعاية تجاريا. كلينتون يدافع عن الصين والحقيقة أن التوصل إلى هذا الاتفاق كلف الإدارة الأمريكية في أواخر عهد الرئيس كلينتون جهودا مضنية لإقناع المشرعين في الكونجرس بتطبيع العلاقات التجارية مع الصين. وكانت الصين قد وافقت على فتح قطاعات مهمة من اقتصادها أمام السلع الأمريكية إذا منحت وضعا تجاريا دائما يخفض التعريفات الجمركية على بضائعها التي تدخل الولايات المتحدة. ولعل معركة كلينتون لإقناع الكونجرس بتوقيع الاتفاق مع الصين كانت من أعنف معاركه السياسية إلى الحد الذي دفع عضوا بارزا في مجلس الشيوخ إلى اعتبار التصويت على قانون التجارة مع الصين أهم أحداث العام الماضي إن لم يكن أهم أحداث العقد كله. والمفارقة المثيرة أن الرئيس الأمريكي السابق هو الذي وقف يقنع أعضاء الكونجرس بأن التصويت على المشروع سيحرم الأمريكيين من فرص عمل كثيرة ويترك السوق الصينية مفتوحة للمنافسين من أوروبا وآسيا. وتصدى كلينتون للرد على من قالوا أن الصين تقمع حقوق الإنسان ونشطاء النقابات العمالية قائلا: ان التصويت ضد المشروع لن يحرر سجينا واحدا في الصين بل على العكس سيزيد من تسلط العناصر غير الديمقراطية في الحكومة الصينية. وإمعانا في الإقناع زعم كلينتون أنه تلقى تأييدا من منشقين صينيين وجماعات دينية في الصين تعتقد أن دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية سيساهم في دعم سيادة القانون في الصين. وهكذا نجح كلينتون في كسب التأييد للمشروع الذي أسفر عن توقيع الاتفاق التجاري مع الصين الذي أزاح عقبة كبيرة من طريق انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية. وبينما كانت الإدارة الأمريكية السابقة تبذل مساعيها المكثفة لإقناع الكونجرس بإقرار تقديم امتيازات تجارية دائمة للصين سارعت أوروبا ـ التي تخوفت من انفراد الولايات المتحدة بالسوق الصينية الضخمة ـ إلى توقيع اتفاق تجاري مع بكين أزال آخر عقبة رئيسية أمام عضوية الصين في منظمة التجارة، وذلك رغم أن الصين أعلنت أنها لن تستطيع التنازل عن مصالحها الاقتصادية الأساسية وأكدت أنها حريصة على الانضمام إلى المنظمة العالمية ولكن بشروطها. وهكذا يتحطم على محك التجارة والاستثمار جميع الشعارات الطنانة التي تتشدق بها الولايات المتحدة التي حرصت على تسمية نفسها بزعيمة العالم الحر محتفظة لنفسها بحق تفسير هذه الشعارات ومفهوم الحرية على النحو الذي يحقق مصالحها بالأساس. وتشير تجارب الماضي القريب والبعيد إلى أن أمريكا لم تجد أبدا غضاضة في التخلي عن أصدقائها عندما تتطلب مصالحها ذلك، ومن ثم فربما تفرض ضرورات بناء حوار استراتيجي مع الصين التخلي عن تايوان والانصياع إلى ما تعلنه الصين دائما من رفضها تدخل المجتمع الدولي في الشئون الداخلية للدولة أو انتهاك سيادتها. بل وربما نجد الرئيس بوش يقف نفس موقف سلفه أمام الكونجرس ليقنع اعضاءه بقطع المساعدات العسكرية عن تايبيه وعدم التدخل في العلاقة بينها وبين بكين باعتبارها من قبيل الشئون الداخلية وربما ينسحب ذلك أيضا على الموقف من حقوق الإنسان في الصين. لكن هذا بالطبع لن يلغي مناوشات بين الفينة والأخرى، من قبيل ما شهدناه في أزمة طائرة التجسس الأمريكية التي مازالت محتجزة للآن في الصين، أو من قبيل تلويح الرئيس بوش بالتزامه بتعهداته الأمنية لتايوان، في إطار محاولات كل من الجانبين الحصول على شروط أفضل من الصفقة، وفي خضم سعي كل من الجانبين إلى تثبيت مركزه على قمة الساحة الدولية.