عكفت مدينة كيبيك الكندية على احصاء خسائرها بعد انجلاء غبار المعارك التي تواصلت على مدى ثلاثة ايام عمر قمة الامريكتين التي استضافتها، واستيقظ السكان على هول ماحدث لمدينتهم التي توصف عادة بالمدينة الكندية الاجمل لاسيما في الجزء القديم منها. فقد خلفت المعارك الضارية المناهضة للعولمة والتجارة القارية الحرة خسائر ضخمة يحتاج معالجتها لوقت ليس بالقصير حتى تعود كيبيك لسابق عهدها بما تتمتع به من تراث انساني تعمل الامم المتحدة على المحافظة عليه. ولعل اول ما اثار دهشة السكان اكوام القمامة والنفايات التي غطت المدينة والرسومات المشوهة والاصباغ التي رشها المتظاهرون على جدران الشوارع والبيوت والمحال التجارية وتحطيم كل ما يمكن الوصول اليه كزجاج النوافذ واللوحات الاعلانية. والمفاجأة ان اعدادا كبيرة من المحتجين عادت بعد مغادرتها المدينة الى مكان الاحداث لمساعدة عمال النظافة على جمع الزجاج والاسلاك وقطع الخشب، فقد تذكروا ان اليوم الذي انفضت فيه المواجهات باختتام القمة يصادف يوم الارض العالمي، وساهم رجال الشرطة بدورهم في حملة التنظيف. الخسائر الفادحة وان كانت من نصيب المطاعم الامريكية، حيث حطم المحتجون سلسلة مطاعم «سوب واي» ومؤسسات تجارية ومصرفية عديدة، لكنها لاتقاس بالاضرار التي لحقت ببيئة المدينة واهاليها جراء استخدام القنابل المسيلة للدموع التي احدثت اصابات خطيرة وربما عاهات مستديمة في عيون البعض، وشوهدت سيدة على التلفزيون وهي تقول بما يشبه النواح«لقد تسممنا». وقرر اصحاب المحال التجارية الواقعة في نطاق الجيب الامني المطالبة بالتعويضات، ولتفادي المزيد من الاحتجاجات وعدت الحكومة بتعويض من يستطيع اثبات انه عانى ماليا ومن المتوقع ان يلجأ المتضررون صحيا الى طلب تعويضات، على غرار حالات كثيرة تشهدها كندا كل يوم، واخرها قرار لمحكمة محلية بالزام الصليب الاحمر الكندي دفع ما يناهز مليون دولار لأسر ثلاث ضحايا اصيبوا بالايدز جراء نقل دم ملوث اليهم. وفيما صب كثيرون غضبهم على المحتجين الذين عبروا عن سلوك عدواني ونزعة مدمرة في معارضتهم للقمة واستخدامهم للغازات المسيلة للدموع وقنابل المولوتوف والقناني والحجارة ضد رجال الامن، تمنى البعض ان تكون القمة قد عقدت في مكان اخر غير كيبيك، رغم سعادتهم بأنها ظلت طوال الايام الماضية مادة للصحافة وقنوات التلفزيون في جميع انحاء العالم، كما وجد دعاة انفصال مقاطعة كيبيك، التي يتكلم 80% من سكانها اللغة الفرنسية، عن كندا في هذه الاحداث على مرارتها مناسبة هامة للتعرف على قضيتهم، وكانت الحكومة المحلية قد نصبت شاشة تلفزيون عملاقة لاطلاع المتظاهرين على افكارهم ومشاريعها للاستقلال. وهناك من اعتبر ان المدينة «اغتصبت بالسلطات المفترضة» وهذا هو رأي عدد من المحامين الذين يرون انه ليس في الدستور ما يمنح الحكومة حق رفع الجدار، في اشارة الى الجدار الامني الذي اقيم على امتداد 4 الاف متر وبعلو ثلاثة امتار، كونه تسبب في اثارة حفيظة المحتجين لانه حال دون حقهم في التعبير عن آرائهم. وقد دحض رئيس الحكومة الكندية جان كريتيان هذه الادعاءات وقال: بذلنا جهودا كبيرة لاعطاء الفرصة لكل شخص للمشاركة في هذه العملية، وزاد، نظمنا قمة موازية هي «قمة الناس» لكنه لم يشر الى ان الحكومة قدمت 300 الف دولار لتغطية نفقات هذه القمة. وقال كريتيان اغلب المحتجين كانوا سلميين لكنه لاحظ ان بعض من يذهبون من قمة لاخرى هم الذين ينشرون الفوضى، واضاف: انهم امتلكوا الحق للاحتجاج لكننا لم نكن لنتحمل الاخلال بسلامة الناس. وكانت القمة اختتمت امس الاول بالتوقيع على بيان يتعلق باقامة منطقة للتبادل الحر في جميع اجزاء القارة، وتعهد زعماء البلدان الـ 34 المشاركون باخراج المشروع الى حيز التطيبق قبل ديسمبر 2005. وصرح كريتيان ان كندا تعتزم القيام بدور الميسر من اجل انشاء هذه المنطقة، وقال انه تم الاتفاق على انشاء معهد مكلف بأن يضع بمتناول بلدان القارة الامريكية وسائل الاعلام الحديثة التي تسهل عملية الاتصال فيما بينها، واضاف ان رؤساء ورؤساء حكومات هذه الدول اتفقوا على بند يجعل من اعنتاق الديمقراطية شرطا اساسيا لمشاركة اي بلد امريكي في مشروع التبادل الحر عبر القارة الامريكية، موضحا ان هذا القرار لايشمل كوبا وحدها بل هاييتي ايضا، حيث تخللت الانتخابات الاخيرة مخالفات عديدة، وفي هذا الاطار طالبت الدول الامريكية من رئيس هاييتي جان برتران اريستيد ان ينفذ بسرعة تعهداته الديمقراطية. ولم يخف رئيس فنزويلا هيجو شافيز دعمه لكوبا ولمشاركتها في القمة وقال ان بلدان الاسرة الاقتصادية الكاريبية كانت تود ان تكون كوبا شريكا في مشروع التبادل القاري الحر هذا. اما الرئيس الارجنتيني فرنادوا لدي لاروا الذي اعلن ان بلاده ستستضيف قمة الامريكتين المقبلة، فقد قال: نحن مصممون على اعلام شعوبنا عن فحوى مناقشاتنا، وتوقع ان يؤدي وضع الشعوب في مراكز القرار الى احتجاجات اقل في القمة الرابعة. الشرطة الكندية وعمال البلدية يقومون بإزالة مخلفات المواجهات التي شهدتها كيبيك ابان انعقاد قمة الامريكتين. رويترز
