انعطاف حاد من دراسة الطيران إلى الحقوق ،هكذا مضى بوتين إلى مقر الـ «كي جي بي» بعد وقوعه في الفخ إذا كانت الصواريخ السوفييتية قادرة على ان تحمل أقمارا صناعية إلى الفضاء أو رواداً نحو الكواكب الأخرى، فإنها قادرة أيضا على ان توجه مقذوفات نووية نحو أهداف أمريكية. وكان ذلك في الواقع هو هدفها الأساسي، إذ لم يكن غزو الفضاء سوى احدى النتائج الملحقة بالبرنامج العسكري السوفييتي، ثم إن الصواريخ التي فتحت أمام الاتحاد السوفييتي «أبواب» الفضاء أمنت له سبل التكافؤ العسكري مع الولايات المتحدة في الوقت نفسه، بعد ان كانت موسكو حتى ذلك الوقت تعاني من عقدة «دونية» استراتيجية واضحة، وكان التكافؤ مؤمناً من قبل بالنسبة للجيوش النظامية. كان الاتحاد السوفييتي يسيطر على التقنيات العسكرية الخاصة بالذرة منذ عام 1949، لكنه لم يكن يمتلك أي صاروخ قادر على حمل قنبلة نووية إلى الأراضي الأمريكية، لكن العكس لم يكن صحيحا، إذ كانت الولايات المتحدة تمتلك عدة قواعد في البلدان الأوروبية الحليفة، كما ان القاذفات الأمريكية من طراز (بي ـ52) كانت قادرة على بلوغ الأراضي السوفييتية، انطلاقا من أمريكا نفسها. لكن ذلك التفوق الاستراتيجي الذري لم يمنع ستالين من ان يختبر عدة مرات مدى التصميم الأمريكي والأوروبي، هكذا قرر في عام 1948 فرض حظر على القطاعات الأمريكية والفرنسية والبريطانية في برلين، واستطاع الغرب كسر هذا الحصار بواسطة اقامة جسر جوي. وفي عام 1950 أعطى ستالين الضوء الأخضر لغزو كوريا الجنوبية من قبل كوريا الشمالية، الأمر الذي انتهى إلى حرب دامية استمرت ثلاث سنوات، وموسكو لم تكن متورطة بشكل مباشر في تلك الحرب، لكن ماوتسي تونج الذي كان يشارك ستالين وجهة نظره قام بـ «التقاط حبات الكستناء الساخنة» من النار كي يقدمها للسوفييت، وفي الواقع دلت الوثائق المتوفرة اليوم على أنه ليس ستالين وحده هو الذي مات مستعداً للقتال حتى آخر صيني وإنما ماوتسي تونج نفسه كان أيضاً مستعداً لذلك. روح العصر بعد وفاة ستالين عام 1953 كان خليفته «نيكيتا خرشوف» على اقتناع بتفوق الاشتراكية على الرأسمالية، ولهذا أعلن مبدأ التعايش السلمي، الذي كان يعني بالنسبة له متابعة النضال بوسائل أخرى غير المجابهة المباشرة، كان حسابه هو الآتي: إذا أمكن شل القوة الاستراتيجية الأمريكية بواسطة قوة معادلة لها، فإن الغربيين لن يكونوا عندها قادرين على «صد» تقدم الشيوعية في بلدان العالم الثالث، وخاصة في منطقة الهند الصينية وأفريقيا، حيث كان الاتحاد السوفييتي قد حقق انتصاراته الأولى. ومع انتصار الثورة الكوبية عام 1959 ووصول فيدل كاسترو إلى السلطة وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حليف لموسكو لا يبعد عن أراضيها إلا حول مئتي كيلو متر، وهكذا أصبح مفهوم «الردع النووي» فاعلاً في الاتجاهين، وإذا كان الرئيس الأمريكي «ايزنهاور» قد أدرك خطورة الوضع، فقد تردد في اللجوء إلى أي تصعيد غير ان خلفه جون كندي أرسل في 17 ابريل 1961 ما يزيد على ألف وخمسمئة متطوع من مناهضي نظام كاسترو، مع تأمين الدعم المادى واللوجستي الأمريكي لهم، للقيام بعملية انزال بحري في منطقة خليج الخنازير. وكان الفشل الكبير هو محصلة تلك العملية حيث استسلم المهاجمون بعد ثلاثة أيام فقط من القتال. ومنذ مطلع عام 1962 بدأ السوفييت بإرسال اثنين وأربعين صاروخاً قصير المدى، وأربعة وعشرين صاروخاً متوسط المدى بواسطة السفن إلى كوبا، وبمرافقة حوالي اثنين وعشرين ألفا من الجنود والتقنيين المكلفين بالحماية والصيانة والتشغيل ولم يكتشف الأمريكيون وجود هذه الصواريخ سوى في اكتوبر من العام نفسه، بواسطة طائراتهم التجسسية من طراز يو ـ2 ولم يتردد الرئيس جون كندي في فرض حصار بحري على كوبا والقيام بتفتيش جميع السفن القادمة إلى كوبا أو الخارجة منها، بما في ذلك السفن السوفييتية، ولم يكن خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة ـ نووية بالطبع ـ أكثر مما كان عليه في تلك الأيام. وخلال أشد أوقات الأزمة كتب فيدل كاسترو رسالة إلى نيكيتا خروشوف يطالبه بالمبادرة بضربة نووية ضد الولايات المتحدة، وأعلن فيها قبوله بإبادة جزيرته وشعبه إذا كان ذلك يسرع بالانتصار ضد الامبريالية، لكن خروشوف الذي كان يعرف حقيقة ميزان القوى، أجابه بأنه لايحب التضحيات المجانية، وانتهى الأمر بأن رضخت موسكو وقبلت سحب صواريخها من كوبا مقابل مجرد وعد أمريكي بعدم القيام باعتداء على الجزيرة. وكان التقرير الشهير الذي ألقاه نيكيتا خروشوف أمام المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، والذي شجب فيه جرائم «الستالينية» بمثابة أحد أهم الأحداث في حياة الاتحاد السوفييتي منذ قيامه وحتى ذلك التاريخ. وكان من نتائج ذلك التقرير حدوث انقسامات كبيرة على صعيد الحركة الشيوعية العالمية، وخاصة بين موسكو وبكين، كما انكشفت على الصعيد الداخلي السوفييتي الجرائم الكثيرة التي اقترفها ستالين ضد خصومه، وحتى ضد رفاقه من أعضاء الحزب، ومع الإعلان عن ذلك التقرير «السري» الذي ألقاه خروشوف تلاشى الخوف من المرحلة الستالينية، وكان الهدف الحقيقي لا يتمثل بإشاعة الديمقراطية، وإنما بالعودة إلى سلوكيات الحقبة اللينينية. ولاشك ان خروشوف قد فتح ثغرة في الجدار الكبير للستالينية، ان مثل هذا العمل بدا خطيراً أيضا بالنسبة لوجود النظام نفسه. وهكذا قام المكتب السياسي للحزب الشيوعي وأمانة اللجنة المركزية فيه بإزاحة خروشوف عن السلطة عندما كان يمضي عطلة للاستجمام في منطقة كريمي عام 1964، ولتبدأ بذلك الحقبة البريجنيفية التي استمرت حوالي عقدين من الزمن وعرفت مزيجاً من الشعور بالاعتزاز الوطني والنجاح ولكن أيضا بالجمود والعزلة. ابن سنوات إن جميع جيل القادة الشباب الذين وصلوا إلى السلطة وإلى المراكز العليا في روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي كانوا قد تربوا في ظل ذلك المزيج العجيب من المشاعر، وكما لاحظ الصحافي ألان جيو مول فإن: «فلاديمير بوتين هو ابن سنوات بريجنيف». كان عمر فلاديمير اثنتي عشرة سنة عندما وصل بريجنيف إلى السلطة، كان في السنة الرابعة من دراسته الابتدائية، وكان تلميذاً مشاغباً يفضل ان يلعب في الساحة أمام منزله مع عصابة الزملاء على الدراسة، وبلغ من مشاغبته حد تأجيل دخوله إلى منظمة «الرواد» التي كانت تضم الصبية، إذ دخلها في سن الرابعة عشرة، بدلاً من سن العاشرة، كما كانت العادة، حيث كان جميع الأطفال يقسمون أثناء احتفال يتم تنظيمه بعد السنة الدراسية الثالثة يمين الولاء للاتحاد السوفييتي ويرددون: «انا رائد شاب من رواد الاتحاد السوفييتي، أقسم أمام رفاقي أن أحب بقوة وطني السوفييتي وأن أعيش وأدرس وأناضل، كما ورثنا من لينين العظيم، وكما يعلمنا الحزب الشيوعي. كان الفتى فلاديمير في عداد تلك الفئة من الصبية الذين يتعلمون بسهولة، لكنهم كانوا مهملين إلى درجة لا يستطيعون معها تحقيق نتائج جيدة، وإذا كان قد بذل بعض الجهد ليدخل إلى منظمة الرواد، فإن ذلك لم يكن كافيا ليضعه على الطريق المستقيم. وعندما وصل إلى السنة الدراسية السادسة اختار أن يتعلم اللغة الألمانية، وليس الانجليزية، كما كان شائعاً بين الطلاب، وتروي مدرسته لهذه المادة «فيرا جورفيتش» قولها: «لقد أحسست لديه امكانية وطاقة ومميزات كبيرة»، وتضيف: «كان يولي اهتماما كبيراً للغات وكان يتمتع بذاكرة قوية وذهنية مرنة». مع ذلك كان الفتى اليافع يفضل دائما ان يتسلى مع زملاء الحي ويتسلق الأسطح كي يلعب معهم لعبة الرؤساء. ولم يبدأ فعلا في العمل سوى في سن الثالثة عشرة، حيث تم قبوله أخيراً في منظمة الرواد، ومما يثير الاستغراب هو ان ذلك التبدل لديه كان سببه عدوانية، حيث قال هو نفسه: «لقد بدأت بممارسة الرياضة منذ سن العاشرة أو الحادية عشرة، ومنذ أن بدا لي بوضوح انه لم يكن كافيا امتلاك شخصية شجارية من أجل فرض النفس على مستوى الباحة وفي المدرسة». لقد اتجه فلاديمير أولاً نحو رياضة الملاكمة، لكنه لم يبق طويلاً في الحلبة، إذ كسر أنفه جعله يفقد تعلقه بـ «الفن النبيل» كي يتوجه نحو رياضة «السامبو» و «السامبو» هي رياضة مصارعة روسية بدأت ممارستها في الثلاثينيات وهي قريبة جدا إلى المصارعة الحرة، وبفضل هذه الرياضة وبتشجيع من مدربه «أناتولي باخلين» اهتم بهذه الرياضة وبالمنافسات مما ساهم في خروجه من اطار «ساحة الحي». ثم اهتم برياضة «الجودو» ويقول بوتين: «ان الجودو ليست مجرد رياضة وإنما هي فلسفة، فكل ما فيها له قيمة تربوية، مما هو طقوسي إلى أبسط التفاصيل» ومع بداية فوزه بعد عامين من التدريب ببعض المنافسات تغير سلوكه المدرسي، وبدأ بالحصول على نتائجه الجيدة الأولى. وبالإضافة إلى الرياضة لم يكن المراهق فلاديمير بوتين يحب السهرات الراقصة مثل رفاقه، ولم يظهر اهتماما كبيرا بالفتيات، حتى لو كان العكس ليس كذلك، وعندما كان في سنته الدراسية الرابعة كانت له صديقة من صفه اسمها «لينا جريازنوفا» وليس هناك من قال انه كانت له صديقات غيرها. وإذ كان والده يرغب بأن يعزف ابنه فلاديمير على آلة «الأكورديون» فإن الفتى اختار «الجيتار» وكان يفضل الأغاني ذات الطابع الحربي، ومن بينها أغنية «سيريوجا فومين»، التي تم تأليفها عام 1963، ويقول المقطع الأول منها: «لقد كبرت مع مشاغبي الساحات كنا نحتسي الفودكا، ونغني في الليل ولا نحب سيريوجا فومين لأنه كان جدّيا إلى حد كبير وتقول هذه الأغنية في مقاطعها التالية انه عندما اندلعت الحرب أصر الشباب المشاغب على ان يكون على خطوط النار بينما بقي «سيريوجيا فومين» في موقع متأخر بفضل والده الأستاذ، لقد قدم الشاب المشاغب حياته ولكن «فومين» هو الذي أصبح بطل الاتحاد السوفييتي، كانت تلك الأغنية تقع في الخط الذي كان خروشوف قد خط بداياته والذي كان يناضل ضد الفساد والمحسوبيات داخل الحزب، لكن وصول بريجنيف إلى السلطة عام 1964 وضع حداً لذلك التوجه، حيث كان لابد من انتظار «الشفاهية» التي قال بها ميخائيل جورباتشوف لاستئنافه من جديد، وبتوجيه راديكالي. إذا كان فلاديمير بوتين قد أصبح تلميذا جيداً، فإنه مع ذلك ظل بعيداً جداً عن الاهتمام بالمشكلات التي كان يعاني منها المثقفون في الاتحاد السوفييتي، وخاصة فيما يتعلق بمسائل الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي، ولم تكن حساسيته تتجاوز محبته لبعض الأغاني التي تسترجع مآثر النضال والصمود أثناء حصار لينينجراد، كما ان المشكلات التي عانى منها من أجل الدخول إلى منظمة «الروّاد» لم تتكرر عند دخوله إلى منظمة الشبيبة الشيوعية «الكومسمول» وكان الدخول إلى هذه المنظمة اختيارياً من الناحية النظرية، إذ كان ينبغي تقديم طلب مكتوب مع توصية من أحد أعضاء الحزب واثنين من الشبيبة الشيوعية يحظيان بأقدمية عامين على الأقل، ولكن عمليا كان جميع التلامذة تقريبا يقدمون ترشيحاتهم حيث كان عدم التقدم بالترشيح مثاراً للشكوك، وكان يتم قبول الجميع، سوى استثناءات قليلة جدا. كان ما يشغل فلاديمير بوتين آنذاك هو اختيار المدرسة التي سيكمل تعليمه بها، والتي تحدد توجهاته في دراساته العليا. وقد اختار في السادسة عشرة تحت تأثير أحد رفاقه الانتساب إلى مدرسة علمية تهتم بالكيمياء، ولكنها يمكن ان تؤهل للدخول إلى أكاديمية الطيران المدني في لينينجراد، وكان مدربه ل. اليجدو قد دفعه في هذا الاتجاه، ذلك ان فلاديمير كان ذا مستوى رياضي جيد، مما يفترض معه ان تفتح له أبواب الأكاديمية التي تسهل بدورها القبول في المنافسات والبطولات الرياضية الكبرى. كان فلاديمير مترددا خلال سنوات طفولته بين الاختيار في ان يكون طيارا أو بحارا، فقد كان الخيار الأول يستجيب لأحلام جيل كامل أحب ان يسلك الطريق الذي سلكه «يوري جاجارين» رائد الفضاء الأول. أما الخيار الثاني فقد كان يجد مصدر استلهامه من حكايات أبيه أثناء خدمته في سلاح الغواصات وحكايات عمه الذي كان ضابطاً في أسطول البلطيق. كان الدخول إلى أكاديمية الطيران المدني الذي قد يسمح له بأن يكون طياراً إذا لم يكن رائد فضاء، مع ذلك دفعه ظرفان للابتعاد عن هذا الهدف، تمثل الأول في عدم محبته للتعليم الذي كانت تقدمه مدرسته على الرغم من نتائجه المشرفة، وعلى الرغم من جهوده الكبيرة لم يفلح في التعلق بالمواد العلمية، كانت المادة الوحيدة التي يهواها هي الأدب الذي كان أستاذه يعالج مواضيع خارجة دائما عن المألوف، أما الظرف الثاني فقد كان حدثا ساقته الصدفة اذ تمثل بمشاهدته فيلما سينمائيا غيّر جذرياً نظرته إلى حياته وإلى مستقبله. الطريق إلى الـ «كي جي بي» في السابعة عشرة، وعندما كان فلاديمير في السنة النهائية من دراسته الثانوية أعلن لأهله أنه لن يذهب إلى أكاديمية الطيران المدني، وإنما هو يريد الالتحاق بكلية الحقوق في الجامعة، ولم يكن ذلك القرار مفاجئاً لأهله فحسب، وإنما أيضا لأساتذته، ولأولئك الذين كانوا يعرفونه، وحاول الجميع ثنيه عن عزمه، ولكن أصر على فكرته. وقد كان مقاومة أولئك المحيطين به بما فيهم مدربه في رياضة الجودو تقوم على أساس صعوبة الاختيار بين أولئك الذين يتم قبولهم في الجامعة، وبالتالي فإن شبح الفشل واقعياً، وليس متخيلا، أضف إلى هذا الامكانيات الكبيرة التي توفرها الاكاديمية مع كثير من الامتيازات، أما كلية الحقوق فقد كانت تقود بالضرورة إلى العمل في سلك القضاء أو المحاماة أو أجهزة الدولة وأفضل العناصر كانوا هم وحدهم الذين يحققون مستقبلا رائعاً في مختلف هذه الهيئات، أما الآخرون فلم يكونوا يجتازون سوى نادراً عتبة وظيفة محقق أو قاض في حي، إذا لم ينته بهم الأمر إلى ان يصبحوا موظفين في المصالح العقارية أو في الشركات، وهذه كلها وظائف لم تكن ذات مردود كبير في الاتحاد السوفييتي. وبالطبع، كان يمكن للدراسات الحقوقية ان تؤدي للعمل في الادارات الحزبية، ولكنها لم تكن ضمانا في الوصول إلى مراكز المسئولية التي كان تتطلب المرور في المدرسة العليا للحزب، حيث كانت المنافسة للانتساب إليها كبيرة. كان ذلك عام 1970، وكان ميخائيل جورباتشوف الأمين الحزبي الأول لأحد المناطق هو من بين النجوم الصاعدة النادرة على صعيد الجهاز الحزبي بعد تخرجه من كلية الحقوق، لكن كان هناك سبيل آخر يمكن ان تفضي إليه دراسة الحقوق، وهو العمل في أجهزة أمن الدولة، أي أجهزة التجسس ومكافحة التجسس والرقابة على المجتمع. لكن المشكلة كانت تكمن في انه كان من المستحيل على أي طالب ان يضمن ولوج هذا السبل أو الترشيح له، ذلك لأن جهاز الاستخبارات السوفييتي الـ «كي. جي. بي» لم يكن يقبل متطوعين، وإنما يختار العاملين في صفوفه من مؤسسات التعليم العالي، حسب معايير محددة مطلوبة، وكان ينبغي على من يقع الخيار عليه ان يقبل أو يرفض بسرعة، وكانت الاجابة قاطعة ونهائية، ولا يمكن تكرار المحاولة مرة ثانية. السيف والدرع مع ذلك كان ذلك هو السبيل الذي اختار فلاديمير بوتين ولوجه قبل عام، وعندما كان في السنة ما قبل النهائية من دراسته الثانوية، كان مصمما على المضي فيه حتى النهاية على الرغم من ان النتيجة لم تكن مضمونة، أما السبب في ذلك؟ قال بوتين فيما بعد: «قبل ان أنهي الدراسة الثانوية كنت أريد العمل في الاستخبارات على الرغم من ان ذلك بدا ليس صعب المنال، مثل الطيران إلى كوكب الزهرة. كانت الومضة الأولى التي أطلقت في رأسه هذه الفكرة هي مشاهدة فيلم سينمائي عن عالم التجسس عنوانه «السيف والدرع» وكان يحكي قصة نضال العملاء السوفييت ضد النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية. وبعد ان كان النظام قد أخفى لفترة طويلة عمل جواسيسه شهدت سنوات الستينيات الكثير من الكتب والأفلام المكرسة لانجازات العملاء السوفييت وكانت هناك أسباب عديدة لذلك منها ان هذا النوع من الانتاج السينمائي والأدبي كان مزدهراً منذ فترة طويلة في الغرب، وخاصة فيما يتعلق بالنشاطات التجسسية خلال الحرب العالمية الثانية ثم خلال الحرب الباردة، ومثال «جيمس بوند» يعد ذا دلالة كبيرة في هذا الاطار. وفي تلك الفترة اعتبر السوفييت ان التجسس نشاط جدي، لا يمكن جعله موضوعاً قصصيا وروائيا يتم نشره على الملأ، ذلك ان المصداقية في أي عمل من هذا النوع تقتضي الاعتماد على بعض الحقيقة مما يعني البوح بمعلومات ثمينة حول طريقة ممارسة النشاط المعني، مع ذلك وأمام النجاحات التي عرضتها الكتب والأفلام والتي قام بها عملاء غربيون لم يكن بمستطاع «وطن العمال الأول» ان يبقى مكتوف اليدين وبالتالي لابد من ان يبين ويبرز مؤهلات العملاء «الاشتراكيين» الذين يضاهون ببراعتهم العملاء الرأسماليين، لا سيما وان ذلك كان قريبا جدا من الحقيقة. وفي عام 1963، وعندما كان الغربيون يشعرون بالنشوة أمام الانجازات الخيالية للعميل البريطاني «السينمائي» الشهير جيمس بوند كان السوفييت يستقبلون في موسكو كيم فيلبي، العميل الذي كان يعمل لحسابهم في الادارة البريطانية العليا وحيث كان قد تم توظيفه مع عدد من زملائه طلبة جامعة كامبردج القريبين من الأفكار الماركسية، خلال عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، كما ان شبكة كانت تعمل حول «يوليوس روزنبرج» في نيويورك قدمت معلومات ثمينة حول الصناعة العسكرية الأمريكية للسوفييت، وذلك قبل الكشف عنها من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي. وبفضل النشاط التجسسي أيضا استطاع الأكاديمي السوفييتي ايجور كورتشاتوف ان يقود الفرق العلمية التي كانت تعمل تحت اشرافه إلى صناعة القنبلة الذرية قبل سنوات من الموعد الذي كان يتوقعه الأمريكيون والبريطانيون، لكن رغم هذا كله وفي مواجهة موجة الادبيات والأفلام الخاصة بعالم الجاسوسية تم تكريس أفلام الجاسوسية السوفييتي لابراز «النضال السري» ضد النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، وحيث لم يكن عمليا لدى الاتحاد السوفييتي ما يريد ان يخفيه في هذا الميدان. تلميع الـ «كي. جي. بي» أضف إلى هذا انه كان هناك حاجة حقيقية لـ «تلميع» صورة جهاز الاستخبارات السوفييتي الـ «كي جي بي» والتي كانت قد «بهتت» بعد محاولة فترة حكم نيكيتا خروشوف التأكيد على دور هذا الجهاز أثناء الحقبة الستالينية والذي كان قد ارتبط في أذهان اجيال عديدة منذ تأسيسه عام 1917 تحت اسم «تشيكا» بالرعب والقمع، لكنه مع ذلك كله بقي بمثابة «السيف والدرع» بالنسبة للحزب الشيوعي وللدولة السوفييتية وبهذا المعنى كان اعضاؤه يدركون تماماً بأنهم يمثلون احدى الأدوات الرئيسية للمحافظة على النظام والسلطة، وبأنهم فخورون بالتسمية التي كان لينين قد أطلقها عليهم، عندما كان لا يزال على قيد الحياة. لكن لا شك بأن هذا الجهاز وخاصة في الفترة التي كان يتزعمه فيها «لافرينتي بيريا» قد لعب دوراً كبيرا في اطار سياسة تصفية الخصوم التي اتبعها جوزيف ستالين. بشكل عام، يمكن القول ان هدف اعادة تحسين صورة الـ «كي جي بي» في أذهان الناس ولدى شرائح واسعة من المجتمع كان إلى حد كبير هو الذي دفع السلطة إلى تشجيع نشر الكتب وإنتاج الأفلام السينمائية التي تبرز «مفاخر» الجواسيس السوفييت، وقد وقع الشاب فلاديمير بوتين بسهولة في فخ تلك الصورة المثالية المقدمة، لا سيما وأنه كان لديه استعداد مسبق لقبول مثل هذه الصورة اثر حديث والده له عن الأعمال البطولية التي قام بها وراء خطوط العدو أثناء الحرب. ويقول الرئيس الروسي الحالي عن تلك الفترة أي بعد ان كان قد شاهد أفلام التجسس المعروضة: «ان أكثر ما صعقني هو كيف يمكن الحصول على نتائج باهرة بواسطة قوى صغيرة بل وبقوة شخص واحد، لا يمكن لجيوش كاملة ان تحصل عليها، ان عميلا في الاستخبارات يتحكم بمصائر آلاف البشر، هذا على الأقل ما كنت أعتقد به». كذلك تعطي اللغة الروسية للعملاء «الوطنيين» صفات ترفع من قدرهم، وإذا كان تتم الدلالة على عملاء العدو بأنهم «جواسيس» فإن العملاء الروس أو السوفييت (سابقا) كانوا معروفين بأنهم «طلائع» تقوم بمهمة الاستكشاف. وفي نهاية عام 1968، كان عمر فلاديمير بوتين ستة عشر عاما، لكنه قرر آنذاك «خياره النهائي» في التوجه نحو الـ «كي جي بي» لكنه كان يجهل تماما كيفية الوصول إلى هدفه فما كان منه إلا ان قرر الامساك بالثور من قرنيه، والتوجه مباشرة إلى مقر الـ «كي جي بي» في مدينة لينينجراد وحيث دار مع الشخص الذي استقبله الحوار التالي كما نقله: ـ أريد العمل عندكم. ـ حسنا، ولكن هناك بعض المصاعب؟ ـ ما هي؟ ـ أولاً اننا لا نقبل متطوعين، وثانيا: لا يمكن العمل عندنا إلا بعد تأدية الجيش أو التخرج من مدرسة مدنية عليا. ـ أية مدرسة عليا؟ ـ ليس مهما ـ أي منها هي الأفضل؟ ـ المدرسة القانونية. ـ فهمت واعتبارا من تلك اللحظة بدأت بالتحضير للدخول إلى كلية الحقوق في جامعة لينينجراد، ولم يكن باستطاعة أي انسان ان يثنيني عن ذلك.