ككرة الثلج اخذت العاب الكمبيوتر تكبر وتطغى على اهتمامات الاباء والامهات ودوائر الشرطة ومراكز البحوث وعلماء النفس وذلك بعد ان سرت كالنار في الهشيم وسط الاحياء والاسواق وتمكنت في غفلة من الزمان، ان تسرق وقت التلاميذ واصبحت شغلهم الشاغل الامر الذي دفع الكثيرين من اولياء الامور الى المطالبة بشدة بوقف هذا السيل الجارف الذي غزاهم في عقر ديارهم مهددا النشء وخطوات سيرهم وسلوكهم في الحياة. وزارة الشئون الاجتماعية والثقافية بولاية الخرطوم بعد ان طفح الكيل وتعالت الشكوى الى درجة التهديد باغلاق مراكز العاب الكمبيوتر عنوة من اولياء الامور في بعض المناطق بعد ما لمسوا ان ابناءهم بدل ان يأخذوا طريقهم الى المدارس باتوا يتجهون بكلياتهم الى تلك المراكز التي استطاعت جذبهم بما تعرضه من برامج تخاطب تطلعاتهم وتدغدغ مشاعرهم بما يمكن وصفه (بالاستلاب) الوزارة وجدت نفسها معنية بالامر الظاهرة التي وجدت فيها المحليات احد مصادر الايرادات بعد ان بان عجزها في الايفاء بما هو مطلوب منها وما الاتجاه الذي اقر تقليصها الا تأكيداً على انها اقدمت على التصديق لمراكز العاب الكمبيوتر الا تحت وطأة الحاجة الى تلبية ماهو منوط بها من توفير خدمات وغيرها ادى في حصيلته النهائية الى وجود مثل هذه الظواهر التي باتت اليوم تشكل معضلة تستدعي الوقوف لدراستها وتقييمها والخروج بما هو كفيل بالغائها وصنعها او وضع ما يكفل لها الاستمرارية دون انعكاسات سلبية تؤثر في نسيج المجتمع. عليه فان الدراسة التي كان يفترض ان تسبق التصديق بمثل هذه المراكز اضحت اليوم ضرورة لوضع النقاط فوق الحروف بما يتعلق بشأنها. لذلك عقدت وزارة الشئون الاجتماعية والثقافية ورشة عمل لتقييم تلك المراكز اخضعت المسألة للتشريح والوقوف على ابعادها لسبر اغوارها بعد ان برزت افعال تجافي الطبع السوي وسط من يؤمل فيهم جنودا لمستقبل والذين على عاتقهم تقع مسئولية تولي الراية بعد الاجداد والاباء. ويعكس هذا الى اي مدى استطاعت هذه المراكز التغلغل في مفاصل المجتمع ومساحاته وقد ابان رئيس مباحث المصنفات الفنية والادبية انها انتشرت باعداد كبيرة في الولاية وغيرها من الولايات اذ كشف ان ولاية الخرطوم وحدها تضم حوالي 1039 مركزا، 381 منها بام درمان. و 362 بالخرطوم بحري و 269 بالخرطوم منبها الى ان الامر لا يقتصر على ذلك فقط وانما اشار الى ان هناك اشرطة لالعاب الاطفال غير اخلاقية تسربت رغم المراقبة الدقيقة بمطار الخرطوم. مدير دائرة الجنايات بولاية الخرطوم اللواء شرطة تاج الدين خضر ذهب الى ان خطورة العاب الكمبيوتر تتمثل في انها اصبحت مكانا مناسبا للجريمة وسببا لتفشيها ذاكرا انها تسببت بما تبنته من العاب في مقتل اطفال في بعض الولايات خص منها ولايتي الخرطوم ونهر النيل بمقتل طفلين وزاد ان صعوبة لجم المسألة تكمن في مراقبتها التي تستعصي لانتشارها الواسع وانتهى الى ضرورة ايقافها والغاء اي تصاديق بشأنها. وفيما يشبه الصدمة كشف العقيد فتح الرحمن عثمان بشرطة امن المجتمع ان والدة طفل فتحت بلاغا ضد كل مراكز العاب الكمبيوتر بعد ان تمكن صغيرها ابن الحادية عشر من سرقة 300 الف جنيه وهرب من المنزل تاركا الحسرة والالم يقطعان احشاءها ويملآن حياتها تعاسة ونقمة على تلك المراكز التي رد البعض خاصة المعلمون انتشارها الى انعدام المراكز الثقافية والترفيهية بالمدارس لتملأ المراكز ذلك الفراغ بما وصفه بعض المسئولين بانه يضع الطفل كمشروع للاجرام وتعلم اساليب العنف والظواهر التي تبعده عن نسيجه الاجتماعي الصحي. بدوره الاعلامي المعروف مستشار وزير الشئون الاجتماعية والثقافية د. صلاح الدين الفاضل ركز في مطالبته باغلاق مراكز العاب الكمبيوتر كونها تحمل (السم في الدسم) لوجود اسرائيليات في برامجها تستهدف الطفل العربي اضف الى ذلك تتسبب في ضعف نظر الاطفال الذين يهربون من مدارسهم ويمكثون امام الاجهزة تلك الساعات الطوال وما يسببه التركيز المتواصل خلالها من ضعف لنظر الاطفال وتأثير ذلك على نموهم اذ انهم في غمرة اندماجهم وانغماسهم في البرامج تفوت على بعضهم وجبة او وجبتين لحالة الشد التي تمتلكهم. رئيس مجلس المصنفات الادبية والفنية بولاية الخرطوم دكتور زهير عبدالرحمن موضحا بان تلك المراكز انتشرت كغرض استثماري يدر المال الوفير للاقبال المتزايد على ارتيادها قال كان من المفترض ان تستبق هذه الورشة قيام المراكز التي اورد الكثير من عيوبها المتمثلة في ان من يديرونها غالبيتهم من الشباب في سن المراهقة وان من يرتادونها تتفاوت اعمارهم وفئاتهم اذ تجمع بين الصغار ومن هم في سن الشباب الى جانب المتشردين ومن لف لفهم مبينا ان اختلاط هذه الفئات قد يؤدي الى ممارسات ضارة بالسلوك والتربية كالتدخين والالفاظ النابية وعابت ورقة قدمت بالورشة على المراكز ضيقها وعدم تهيئتها بصورة تضمن صحة الاطفال وتجنبهم انتقال عدوى الامراض ناهيك عن انها تقدم العابا مثل كرة القدم او المصارعة او سباق العربات مما يعرض المتنافسين الى التوتر والانفعال وربما الاشتباك زد على ذلك ان الرغبة في اللعب لدى الاطفال تقود الى الحصول على المال بأية وسيلة مما يدفع الطفل الى السرقة او ان يضحي بمصاريف المدرسة الامر الذي ينعكس سلبا على سلوكه في الاسرة والمدرسة على حد سواء. الورقة لم تترك الامر هكذا دون حلول اذ اقترحت فصل الكبار عن الصغار والنساء عن الرجال وبدلا من الغائها رأت الورقة انشاء تلك المراكز في الحدائق العامة والشوارع الرئيسية وعدم انشائها في الاحياء وان يتم انشاؤها بمواصفات تضمن سلامة مرتاديها صحيا وسلوكيا . بيد ان هناك من يرى ان فكرة المادة المقدمة جيدة ومفيدة كمحافظ بحري الذي قال ان اغلاق المراكز ليس علاجا للظاهرة في ظل غياب برامج التثقيف والترويج بالمدارس ودعا الى عدم التعامل مع الموضوع بحساسية معتبرا ان الورشة بادرت لحوار باتجاه سبر اغوار القضية التي باتت هما يؤرق الاباء والامهات الذين يرون فيه تحديدا لمستقبل ابنائهم فيما يراه الذين وجدوا فيه استثمارا مربحا نتاجا طبيعيا للغة العصر التي تسنم الكمبيوتر عرشها وانه اذا كان هناك سلبيات استصحبتها التجربة فانه بالامكان القضاء عليها دون حرمان الاطفال حقهم في اللهو واللعب ومن يريد التدخل في هذا الشأن ينبغي ان تكون اضافته بما يؤدي الى تنمية الجانب الايجابي في المسألة برمتها. اخيرا الكمبيوتر الذي حل نعمة على البشرية بتسيير سبل اتصالها وتلاقح افكارها بدا هنا في الخرطوم واحيائها نقمة ولعنة خيمت على مداخل الاحياء والبيوت بما سببه من ظواهر استدعت انعقاد تلك الورشة التي نظمتها وزارة الشئون الاجتماعية والثقافية باعتبارها المعنى الاول بالمسألة «الهم» والشغل الشاغل للاسر رجالا ونساء واطفالا وبات ضروريا الفصل بين المؤيدين والمعارضين لالعاب الكمبيوتر كفكرة فاما ان تكون خطوة في الاتجاه القويم السليم واما ان تكون قفزة في الظلام الذي لن يتبدد الا بتوسعة دائرة النور وبالتأكيد يكمن ذلك في ازدياد مراكز التوعية والتثقيف والترويج في المدارس والاحياء والاسواق ولتكن المطالبة باغلاق محلات العاب الكمبيوتر دعوة لثقافة الطفل وتوفير اسبابها دون حرمانه من هواياته التي ينبغي ان تتوفر الرقابة والحرص على ممارستها في جو صحي معافى يجنبه الانكفاء والانعزال عن محيطه محليا كان أو اقليميا او دوليا وعلى الدولة ان تتولى دراسة الامر جيدا وان تقتله بحثا قبل ان تقدم على اي خطوة ربما تقلب الامر رأسا على عقب ويبقى السؤال هل مراكز العاب الكمبيوتر هذه نعمة ام نقمة؟ تعالت المطالبة باغلاقها