بيان الاربعاء : اعدت الحكومة الروسية قانونا جديدا للخصخصة عن العام الحالي (2001م) من المفترض أن يطرح على نواب مجلس الدوما لمناقشته وإقراره خلال شهر أبريل الجاري، ويهدف هذا القانون بشكل أساسي إلى تقليص تدخل الدوما في عملية الخصخصة ورفع الحظر، الذي وضعه نواب البرلمان على تخصيص المشروعات والمؤسسات الكبيرة في روسيا، ويتكهن العديد من المراقبين أن يحتد النقاش بين الحكومة والنواب من جراء هذا القانون الجديد وخاصة أن الشيوعيين والقوى الوطنية يطالبون بوتين بإعادة النظر في نتائج الخصخصة التي جرت في عهد يلتسين ومصادرة المؤسسات والشركات التي جرى بيعها دون وجه حق ومحاسبة المسئولين عن ذلك، غير أن السيد الجديد للكرملين أعلن رفضه لهذا المطلب بحجة أنه قد يؤدي إلى نزاعات وعواقب غير محمودة في المجتمع الروسي. لقد اعتبرت عملية الخصخصة على وجه التحديد «لب الإصلاح الاقتصادي» الذي شرع فيه الرئيس يلتسين ومجموعة الإصلاحيين الليبراليين من أمثال إيجور جايدار وأناتولي تشوبايس في بداية عام 1992م. وقد خطط منذ بداية الإصلاح في روسيا أن تقوم الخصخصة بدور هام للغاية في عملية تحويل الاقتصاد الموروث عن الاتحاد السوفييتي إلى اقتصاد السوق الحر عن طريق تغيير وتحويل علاقات وأشكال الملكية من العام إلى الخاص. ولا يخلو من معنى ان أناتولي تشوبايس الذي تولى مسئولية التخطيط والتنفيذ لعملية الخصخصة حافظ لمدة زمنية طويلة نسبيا على مواقعه في أجهزة الدولة في الحكومة تارة وفي إدارة الرئيس يلتسين تارة أخرى ولايزال حتى الآن من الشخصيات المؤثرة على وزراء المجموعة الاقتصادية في حكومة كاسيانوف، هذا رغم إجماع الكثير من التيارات والشخصيات السياسية في روسيا سواء في صفوف المعارضة أو في صفوف النخبة الحاكمة على أن الخصخصة وفقا لطريقة «تشوبايس» أدت إلى ضياع ممتلكات الشعب الروسي (السوفييتي) وإفقار غالبيته وإثراء أقليته. لقد استهدفت برامج الخصخصة في روسيا على مدار السنوات الماضية خلق فئات الملاك الخاصين لتصبح هذه الفئات القاعدة الاجتماعية لعلاقات السوق عن طريق بيع وخصخصة ممتلكات الدولة، وجرت هذه العمليات حتى يونيو 1994م في المقام الأول عن طريق «صكوك» الخصخصة التي أطلق عليها «فاوتشر» والتي وزعت على المواطنين الروس وسحبتها منهم صناديق الاستثمار. وتوقفت عملية الخصخصة عن طريق الصكوك في التاريخ المشار إليه لتبدأ الخصخصة على نطاق واسع باستخدام النقود عبر المزادات والبيع المباشر لأسهم الشركات. وتجدر الإشارة أن القاعدة التشريعية لعملية الخصخصة في روسيا تعود إلى يوليو 1991م (أي في عهد جوربا تشوف)، عندما جرى إقرار القانون الأول المتعلق بـ «خصخصة شركات ومؤسسات الدولة» التي كانت لاتزال سوفييتية وقتذاك، وجرت عملية خصخصة شركات ومؤسسات الدولة في التسعينيات على نطاقين: ـ خصخصة الشركات الصغيرة التي لا يزيد عدد العاملين فيها على مئتي فرد ولا يزيد رأس مالها عن خمسة ملايين روبل (حسب وضع الروبل في عام 1992م)، وأطلق على هذه العملية «الخصخصة الصغيرة». ـ خصخصة الشركات الكبيرة والمتوسطة بتحويلها أولاً لشركات مساهمة، ثم طرح أسهمها للبيع وهو ما أطلق عليه «الخصخصة الكبيرة» والتي لم تستثن البيع المباشر للمؤسسات والشركات أيضاً. بداية العجز الجدير بالملاحظة أن أناتولي تشوبايس الذي ترأس لجنة الدولة للممتلكات منذ نوفمبر 1991م كان يرى ان تتم عملية الخصخصة على أساس الدفع النقدي المباشر فقط دون اللجوء إلى استخدام صكوك التمليك «الفاوتشر» لأن ذلك سيؤدي إلى تدفق المليارات إلى خزانة الدولة مما يساعدها على تجاوز أزمتها، إلا أنه تراجع بعد ذلك لصالح بداية الخصخصة في المقام الأول عن طريق صكوك التمليك، إذ أنه اتضح أن قدرات السكان ومدخراتهم خاصة مع ارتفاع الأسعار الشديد عاجزة عن شراء مؤسسات الدولة. وقد بدا هذا العجز واضحاً عندما طرحت الدولة على السكان في بداية الإصلاحات تملك الشقق التي يعيشون فيها بأسعار رمزية، فلم تجد دعوتها نجاحاً فتخلت عنها إلى حين. كما أن طبقة الأثرياء أو الروس الجدد لم تكن قد برزت بشكل واضح وعلى نطاق كبير في نهاية 1991 ـ بداية 1992م. ويمكن القول أن عملية الخصخصة عن طريق الصكوك أتاحت الفرصة أمام الروس الجدد تحديداً للاستيلاء على ممتلكات الدولة وتحويلها إلى ممتلكات خاصة، في الوقت الذي لم تحصل فيه غالبية السكان مالكي الصكوك على شيء يذكر. وكانت صكوك الملكية تصدر في البداية اسمية، دون أن يحق لغير صاحبها استخدامها، غير أن الرئيس يلتسين أصدر مرسوماً في 14 أغسطس 1992م يجعل هذه الصكوك «لحاملها» وهو ما أباح إمكانية تداولها وبيعها من فرد لآخر. الأمر الذي أثار خلافات شديدة بين الرئيس والبرلمان ومنهم (حسب اللاتوف) بشأن طبيعة عملية الخصخصة. واعتبرت أجنحة واسعة في البرلمان أن الصكوك بهذا الشكل ستحول الخصخصة إلى عملية نهب منظمة لأن القادرين وحدهم هم الذين سيتملكون هذه الصكوك بشراؤها من السكان ومن ثم سيتملكون الشركات والمؤسسات. ومع اللجوء لصكوك التمليك ظهر ما يسمى «بالصناديق الاستثمارية» الحكومية والخاصة التي قامت بشراء هذه الصكوك من المواطنين الراغبين في بيعها مقابل حصول المواطن على أسهم من أسهم تلك الصناديق أو الحصول على مقابل نقدي مباشر. بعد ذلك قامت هذه الصناديق بشراء أسهم شركات ومؤسسات الدولة التي عرضت للخصخصة عن طريق تلك الصكوك. وتجنباً لاحتكار المؤسسات التي ستخصص من قبل صندوق استثماري ما تقرر عدم السماح لتلك الصناديق بشراء أكثر من 10% من أسهم المؤسسة أو الشركة الواحدة وفقاً لمرسوم رئاسي صادر في السابع من أكتوبر 1992م. إلا أن برنامج الخصخصة الثالث لعام 1994م رفع هذه النسبة إلى 25%. وسمح أيضاً للبنوك والمؤسسات المالية الأخرى إلى جانب الصناديق المذكورة بشراء صكوك من المواطنين واستخدامها في شراء مؤسسات الدولة. وقد أثيرت حينذاك مشكلة وضع العاملين في المؤسسات التي سيجري خصخصتها ودار حول تلك المشكلة صراع حاد بين البرلمان والرئيس حتى تم التوصل إلى صيغة تمنح العاملين الحق في امتلاك حتى 51% من الأسهم بينما يحق للدولة أيضاً أن تحتفظ لنفسها بملكية 20% من أسهم الشركات التي تجري خصخصتها. غير أن البيانات المتاحة تشير إلى أن غالبية الصكوك التي حصل عليها العاملون في المؤسسات التي جرى تخصيصها تم عمليا شراؤها من قبل المدراء والروس الجدد بأسعار بخسة للغاية. صراع الرئيس والبرلمان ورغم الصراع الحاد بين الرئيس يلتسين والبرلمان بشأن طبيعة عملية الخصخصة التي ينفذها تشوبايس ورفاقه من الإصلاحيين الليبراليين، إلا أن هذه العملية جرت كما رسم لها تقريباً وأسفرت عملياً عن تحويل علاقات الإنتاج وأشكال الملكية في روسيا من العام إلى الخاص والخلق الفعلي لطبقة الأثرياء الروس. ففي عام 1992 وحده جرت خصخصة ما يقرب من 122 ألف شركة حكومية من الشركات الصغيرة في المقام الأول. وتوالت عمليات الخصخصة في الأعوام التالية واختلطت بالفساد والرشوة والجريمة والخسائر المالية لخزينة الدولة. وهو ما أفصح عنه بجانب المعارضة العديد من رجال الدولة والنخبة الحاكمة وعلى رأسهم عمدة موسكو يوري لوجكوف الذي رفض منذ البداية الخصخصة على طريقة تشوبايس. وكانت النتيجة أنه أنفرد بخصخصة ممتلكات الدولة في العاصمة الروسية. وهذا دفع المعارضة للحديث عن الصراع داخل صفوف النخبة الحاكمة على كعكة الخصخصة، حيث دخل إلى حلبة هذا الصراع زعماء الأقاليم والمناطق أيضاً. وانتشرت فضائح الفساد والرشوة التي صاحبت عملية الخصخصة وبدأ الحديث عن الخسائر الناجمة عنها والتي قدرت من قبل لجنة خاصة شكلها مجلس الدوما بعشرات المليارات من الدولارات. وتشير البيانات المتاحة التي تعكس مدى النتائج السلبية للخصخصة على طريقة تشوبايس أنه جرى بيع حوالي 500 من شركات الدولة والتي لا تقل قيمتها عن العشرين مليار دولار (بأسعار 1994م) بقيمة لا تزيد على 7 مليارات دولار، أي أقل من قيمتها الحقيقية بحوالي ثلاث مرات. وجرى بيع أضخم مصنع لإنتاج سيارات «لادا» بـ 44 مليون دولار فيما قدرت قيمته الحقيقية بـ 1.4 ـ 1.6 مليار دولار. وعلى هذا المنوال جرى استيلاء «الروس الجدد» على غالبية مؤسسات الدولة الكبيرة في قطاعات النفط والغاز والألومنيوم والميتالورجيا والأخشاب إلى آخر قائمة هذه القطاعات «الاستراتيجية» في اقتصاد أي دولة. ولذلك ليس من قبيل المصادفة أن تدل استطلاعات الرأي العام المتعددة في روسيا على أن أنصار هذه الخصخصة في المجتمع الروسي لا يزيدون على 5% من عدد السكان، بينما يرى حوالي 45 % ضرورة مصادرة الممتلكات التي جرى خصخصتها باستخدام شتى الطرق بما فيها التأميم. لقد فهمت الخصخصة على أنها هدف في حد ذاته لخلق فئات الملاك الخاصين بأي ثمن في مجتمع حرم من الملكية الخاصة على النمط الرأسمالي لأكثر من سبعين عاما. وذلك بدلا من استخدامها كوسيلة تدريجية لتغيير البنية الاجتماعية الاقتصادية وكأداة للحكم على فعالية وكفاءة المشروعات. وكان الهدف الرئيسي لليبراليين الراديكاليين الروس هو الهدم السريع لأحد أسس الدولة السوفييتية الذي تمثل في قطاع الدولة وتحويله إلى قطاع خاص من أجل بناء «اقتصاد السوق» في مواجهة «اقتصاد الأوامر»، وهو ما يذكرنا بشدة بما قام به البلاشفة عام 1917 م من غرس قسري للاشتراكية في مجتمع متخلف لم تنضج فيه بعد شروط النظام الجديد. الخصخصة والإجرام وارتبطت الخصخصة بإشاعة الطابع الإجرامي في الاقتصاد الروسي. فقد نهبت العديد من الموارد الطبيعية وخاصة النفط والغاز والأخشاب وغيرها عن طريق إبقاء العوائد من تصديرها في البنوك الأجنبية وتلاحمت هذه العملية مع تهريب الأموال من داخل روسيا نفسها. وبلغ حجم هذه الأموال المهربة (حسب بعض الإحصاءات المستقلة) 300 مليار دولار أمريكي، ووصلت نسبة المسئولين الحكوميين المرتشين بهدف تسهيل عمليات الاستيلاء على الممتلكات النحو التالي: ـ 47% من العاملين في الوزارات واللجان الحكومية. ـ 29% من العاملين في أجهزة الأمن بأنواعها المختلفة. ـ 13% من العاملين في النظام المصرفي والمالي. ـ 9% من المسئولين في أجهزة الرقابة. ووفقا لبيانات جهاز المحاسبة والنيابة العامة واللجان الإقليمية التي أجرت جرداً لحصيلة الخصخصة في الأقاليم فإن الخسائر الاجتماعية والاقتصادية بلغت عشرات المليارات من الدولارات هذا بدون حساب خسائر انكماش الإنتاج الناتجة عن الخصخصة نفسها وتهريب الأموال إلى الخارج وانخفاض مستوى معيشة غالبية السكان. وحسب بعض التقديرات تمثل الخسائر الإجمالية الناجمة عن عملية الخصخصة في روسيا 20 ضعف ايرادات الدولة الروسية. ووصفت دراسة لمجلس الدوما عملية الخصخصة بأنها فعلة إجرامية أدت إلى إنشاء نظام يتولد عنه أكثر من مئة جريمة يومياً. وخلصت هذه الدراسة إلى أن الخصخصة التي جرت على عجل هي المسئولة في الأساس عن تفشي الجريمة في المجتمع الروسي. وكانت النتيجة أن روسيا فقدت قطاعات صناعية بأكملها، وبالأخص صناعات الألومنيوم والورق والسيلولوز والجرافيت وغيرها. وفي الختام يمكن القول أن عملية الخصخصة التي نفذها الليبراليون في روسيا أدت بشكل واضح إلى نتائج سلبية انعكست على المجتمع، فبدلا من ملايين المالكين الذي وعد بظهورهم يلتسين ظهر عشرات الملايين من الجياع الذين يعيشون تحت خط الفقر وتشكلت أقلية من الأثرياء أو كما يطلق عليها هنا «الأوليجارشية»، وبعبارة أخرى أدت الخصخصة في روسيا إلى إعادة توزيع الثروات والدخول في غير صالح غالبية الشعب. فوفقا لبيانات عديدة يحتل قمة هرم الدخول في روسيا 2% فقط من السكان ويعيش في مستوى معيشي مرتفع 15% (الروس الجدد وموظفي الحكومة الكبار في المقام الأول)، بينما يقع 58% من السكان على خط الفقر بالكاد (غالبية العمال والفلاحين وينضم إليهم العديد من عناصر الفئات الوسطى مثل الأطباء والمدرسين والعاملين في ميدان الثقافة والفنون وغيرهم). وهو ما يضع علامات استفهام كثيرة على عملية تشكيل الطبقة الوسطى في روسيا وتعرضها السريع لما يسمى بظاهرة التآكل. في نفس الوقت لا تقل نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر عن 25% من السكان وترى إحصاءات أخرى أن نسبة هذه الفئة تزيد على ثلث السكان. وفي روسيا تبلغ حصة الـ 20% من السكان الأكثر يسرا من إجمالي الدخل النقدي 47%، بينما يحصل الـ 20% الأكثر فقرا على حوالي 6% فقط من هذا الدخل. وهو ما يتشابه مع الوضع في الأرجنتين والمكسيك وشيلي في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين. وتزيد الفجوة بين الـ 10% من السكان الأكثر ثراء والـ 10% الأكثر فقرا عن العشرين مرة وذلك مقارنة بالعديد من الدول الغربية التي لا تزيد فيها هذه الفجوة عن 6 ـ 7 مرات، باستثناء الولايات المتحدة التي تصل فيها إلى حوالي 16 مرة.