بيا ن الاربعاء : يواجه أمل تخفيض حجم فقراء هذا العالم إلى النصف بحلول عام 2015 فشلا حتميا، ما لم يعد زعماء العالم التفكير في إستراتيجيتهم الخاصة بمساعدة الفقراء، إذ يكشف تقريرحديث يتناول طبيعة الفقر أن منظمات الإغاثة الدولية ربما ارتكبت خطأ جسيما، حين رضخت للضغوط التي يفرضها التضخم السكاني المستفحل في الحضر، فصرفت اهتمامها عن الريف الذي هو في أمس الحاجة إلى المساعدة. ويظهر التقرير الصادر عن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة (ايفاد) أن الفقر يهيمن على مناطق شاسعة من عالمنا، وأن عواقبه المتمثلة في صور شتى ـ من معدلات وفاة متزايدة وأمراض ومشكلات بيئية ـ تواصل تهديد السلام والاستقرار على سطح الأرض، فأكثر من 12 مليار شخص يقل دخل الواحد منهم عن دولار يوميا، لكن، وبالرغم من عمليات النزوح الجماعي إلى المدن، ما زال أكثر من ثلاثة أرباع فقراء العالم يعيشون ويعملون في مناطق ريفية، هؤلاء الريفيون الفقراء لا يملكون سوى النذر اليسير من الأرض وفرص التعليم والخدمات الصحية، وينفقون جل دخلهم الضعيف على إطعام أنفسهم وأبنائهم. وبرغم ذلك توضح الأرقام الرسمية أن المساعدات الدولية في مجال الزراعة ـ التي هي مصدر الدخل الرئيسي لأغلب فقراء العالم ـ انخفضت بمقدار الثلثين في السنوات الأخيرة. الثابت أن زعماء العالم تعهدوا بتقليص عدد فقراء الكرة الأرضية إلى النصف قبل نهاية عام 2015 في مبادرة دشنتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD في العام 1995 ثم كرروا التعهد مع بداية الألفية الجديدة، من فوق منصة قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لكن الواقع يبدو مختلفا إلى أبعد الحدود. فمع اقتراب الموعد المحدد لتحقيق الكفاية الذاتية لثلاثين مليونا من فقراء العالم «سنويا» ونقلهم إلى خانة المتيسرين، تؤكد الإحصائيات الراهنة أن جهود المنظمات الدولية لم تفلح إلا في إخراج نحو 10 ملايين فقط سنويا من خانة الفقر المدقع. إيقاع بطيء ويظهر بطء التقدم في مكافحة الفقر، بشكل خاص، في دول جنوب الصحراء الأفريقية حيث معدل تراجع الفقر أبطأ ست مرات مقارنة بالمعدل المطلوب، ومن ثم يحذر مسئولو «ايفاد» من استحالة تحقيق الهدف المنشود ما لم يتركز الاهتمام على فقراء الريف وتوجه الجهود نحو التنمية الزراعية، فيقول اتيقور رحمن الخبير الاقتصادي بمقر المنظمة في روما «في العام 1990 كان الفقراء يشكلون 28% من إجمالي سكان العالم».والهدف الذي نسعى إليه جميعا خفض هذه النسبة إلى 14% بحلول العام 2015، لكن ثمة خوف حقيقي من صعوبة تحقيق هذا الهدف.. إذا أردنا إنجاز المهمة، فعلينا أن نركز على فقراء القطاع الريفي، ثلاثة أرباع فقراء العالم يعيشون في مناطق ريفية، وكثير منهم في مناطق نائية، خاصة في آسيا وأفريقيا، تشير الأرقام الرسمية إلى أن حوالي ربع فقراء العالم يعيش في دول جنوب الصحراء الأفريقية، وأن 25% منهم يقطنون شرق آسيا، ويتركز 44% من الفقراء في جنوب القارة الآسيوية، بينما تتوزع النسبة المتبقية (حوالي 6%) بين أمريكا اللاتينية والكاريبي، والواضح أن الفقر غير مقصور على النصف الجنوبي من العالم، إذ نجد أن معدلاته تتزايد بوتيرة سريعة فعدد من دول شرق أوروبا ووسط آسيا (جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق والكتلة الشيوعية)، لكن القاسم المشترك بين الغالبية الغالبة من فقراء العالم هو استيطان المناطق الريفية، فستة من بين كل عشرة فقراء في العالم يتكسبون رزقهم من العمل في الزراعة، حسبما يؤكد تقرير ايفاد. والملاحظ أن معدلات الفقر والجوع انخفضت بصورة ملحوظة في الفترة بين 1975 ـ 1990 التي شهدت أفضل مستوى تقدم على هذا الصعيد. والفضل الرئيسي في ذلك التغيير الإيجابي إنما يعود إلى جهود التنمية الزراعية، وبالأخص ما سمي بالثورة الخضراء التي اعتمدت على تطوير بذور عالية الإنتاج ومخصبات جيدة للتربة فضلا عن وسائل ري حديثة ظهرت في الستينيات. لكن العقد الماضي (الأخير في الألفية الثانية) شهد تراجعا مفاجئا في هذا المجال، جزئيا بسبب انخفاض نصيب الريف والقطاع الزراعي من المعونات الدولية خلال السنوات الأخيرة، وتحويل مخصصات الإغاثة إلى فقراء الحضر والمدن الجديدة. إذ انخفضت نسبة المساعدات للقطاع الزراعي من 20% من إجمالي الإنفاق على جهود الإغاثة الدولية في الثمانينيات إلى ما دون 12% نهاية التسعينيات. سوء تقدير ويرى مسئولو ايفاد ان المنظمات الدولية أساءت التقدير حين حولت اهتمامها إلى المدن على حساب فقراء الريف، فبالرغم من تضخم سكان الحضر في العديد من الدول النامية نتيجة الهجرة المتواصلة من القرى بحثا عن حياة أفضل في المدينة، تظهر التحليلات أن المجتمعات الريفية ستظل مستحوذة على قمة هرم الفقر لعقود أخرى مقبلة، ووفقا للإحصائيات الحديثة، فإن 75% من فقراء العالم يستوطنون الريف، وستصل هذه النسبة إلى 60% بحلول العام 2020 وإلى 50% في العام 2035 وذلك في حال استمرار الهجرة الداخلية على معدلاتها الحالية. يقول الكويتي خالد السلطان رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (ايفاد) «إن الفشل في خفض معدلات الفقر بالسرعة المطلوبة ناجم بشكل أساسي عن انتقال مشكلة الفقر من الريف إلى المدن المتمددة في العالم النامي، لكن ثلاثة أرباع فقراء العالم يتركزون في مناطق ريفية، وأغلبهم يشتغل بيديه في زراعة المحاصيل المختلفة، وحيث إن التوقعات العلمية تشير إلى نسبة فقراء الريف لن تهبط كثيرا في السنوات المقبلة، فمن الضروري التركيز على التنمية الزراعية وإعطاء الريف الأولوية في مكافحة الفقر العالمي». وقد لقيت المخاوف التي عبر عنها خالد السلطان ـ الذي سيخلفه السويدي لينارت بيج في رئاسة ايفاد ـ صدى واضحا لدى الرئيس المصري حسني مبارك الذي وجه دعوة لوضع التنمية الريفية على قمة أولويات المجتمع العالمي، فيقول مبارك الذي كان ضيف شرف وقت عرض التقرير على ممثلي ايفاد في روما في فبراير الماضي «لكي نحقق هدفنا المنشود في موعده، علينا الاهتمام بالقطاع الريفي بدرجة لا تقل أبدا ـ إن لم تكن تزيد ـ على مستوى الاهتمام بتنمية الحضر». وبرغم ظهور نوع من تضارب الاهتمامات والمصالح في هيئات التنمية الدولية، وبرغم عدم اقتناع البعض بنتائج تقرير ايفاد الأخير، نجد أن البنك الدولي بدأ بالفعل في مراجعة سياساته الخاصة بزيادة مساعداته المقدمة إلى سكان المدن في العالم الثالث على حساب سكان الريف. وفي المقابل يصر مسئولو ايفاد على أن الاستثمار في تنمية الريف الفقير يظل أكثر جدوى من تنمية المناطق الحضرية. فيقول جون ويستلي نائب رئيس ايفاد «إذا زادت الاستثمارات في تنمية الريف، فستقل معدلات الهجرة إلى الحضر دون شك»، ويلمح ويستلي إلى وجود دوافع سياسية وراء اهتمام القادة بالمدن المكتظة بالسكان التي باتت تشكل أزمات داخلية في الدول النامية، فيضيف قائلا «لو وضعت نفسي مكان رئيس وزراء دولة مثل نيجيريا مثلا، فالمؤكد أنني لن أنشغل كثيرا بوضع الفقراء في المناطق الريفية، فالفلاحون لا يشاركون في المظاهرات، ولا يتسببون في أي إزعاج حقيقي للسلطة، بينما نشاهد اضطرابات متكررة في المدن، ما يتطلب تحركا فوريا من النظام السياسي لاحتوائها». كسر حلقة الجوع ويكشف تقرير ايفاد ـ الذي يناقش بالتفصيل طبيعة الفقر وكيفية كسر حلقة الجوع ـ أن أغلب فقراء العالم ينتمون إلى شريحة المزارعين من ذوي الأملاك المحدودة والعاملين بالأجر في الاراضي الزراعية. ويتضح أيضا أن هؤلاء الفقراء الريفيين يقيمون غالبا في مناطق نائية قليلة الخصوبة، معتمدين على الأمطار الشحيحة في ري الأرض وعلى ما يزرعون من محاصيل بدائية وقليل من الماشية، ويظهر أن أولئك الذين لا يمتلكون أي نصيب من الأرض الزراعية هم الأكثر فقرا ومعاناة، لأنهم يعتمدون كليا على سواعدهم في كسب رزق موسمي يرتبط بالزراعة ويدر عائدا يكاد لا يكفي لسد جوعهم. وتتصل دائرة الفقر والجوع مع أطفال أولئك البائسين الذين يحرمون عادة من التعليم ويجبرون على العمل مع الكبار منذ الصباح الباكر في الحقول. ويؤكد تقرير ايفاد أنه إذا كان هناك أي أمل في الوفاء بالموعد المحدد لتقليص الفقر العالمي إلى النصف بحلول العام 2015 فهو مرتبط كل الارتباط بإعادة توزيع المساعدة على الفقراء والاهتمام أولا بسكان الريف. فهم في حاجة ماسة لأساسيات تعينهم على شظف الحياة، مثل آبار المياه والماشية والأدوات الزراعية.. وهم في حاجة أكبر للأرض التي يزرعونها ويتقوتون منها. وهذا المطلب الأخير بالتحديد هو الأصعب في تحقيقه لارتباطه في دول العالم الثالث بالسياسة، وتتواكب مع هذه الضرورات المذكورة، الحاجة إلى الاهتمام بالمرأة في الريف الفقير ومنحها الحق في امتلاك الأرض وحماية مكانتها داخل البيت وداخل المجتمع. يقول فرانج روي مسئول قسم منظمة ايفاد في آسيا «إذا نظرت إلى البقاع الساخنة في أفريقيا وآسيا، فستجد أنها ترتبط في مجملها بالصراع على الأرض. ولذا فإنه لا مناص ـ سواء رضيت الحكومات أم أبت ـ من معالجة مشكلة الأرض وتوزيعها على السكان، الفقراء سيجبرون الحكومات يوما ما على ذلك». وتشكل أزمة المياه قضية حيوية أخرى في مجال مكافحة الفقر، خاصة مع تناقص إمدادات المياه العذبة إلى الريف نتيجة تحويلها إلى المناطق الحضرية أو استخدامها في أغراض صناعية، والحقيقة أن فقراء الريف يمكن أن يستفيدوا إلى أقصى الحدود من التطور التكنولوجي، الذي قد يساعدهم على تحسين إنتاجية محاصيلهم وإدارة مياه الري بشكل أفضل، ويشدد خبراء ايفاد على أهمية توظيف التكنولوجيا لاحتياجات الريف الفقير، مسلطين الضوء على نماذج استخدام التكنولوجيا الحيوية في زيادة إنتاجية الحاصلات، والهندسة الوراثية في تقوية مناعة بعض الزراعات ضد الآفات والأمراض. ويقول روي «من المهم جدا آلا تتجاوز هذه التكنولوجيا الفقراء، فالتكنولوجيا الحديثة ـ كالتكنولوجيا الحيوية ـ توفر فرصا أفضل، لكن سيكون على الفقراء تقبلها بأي صورة، أي أنهم سيقبلون أنها آمنة، وأنهم يستطيعون شراءها، وأنها ستفيد عملهم، علينا أن نتأكد من أن الأبحاث العلمية تتوافق واحتياجات الفقراء. والمؤكد أن توفير فرص للتسويق يأتي في صميم الجهود المبذولة لتحسين أوضاع الفقراء الذين يعيشون في مناطق ريفية نائية، لأن هؤلاء يحتاجون إلى عرض منتجاتهم الزراعية في السوق، وإلى شراء مستلزماتهم منها، وفوق هذا وذاك، يلفت مسئولو ايفاد الانتباه إلى أهمية التغيير الاجتماعي في تحسين أوضاع الفقراء، وعلى رأس هذا التغيير المطلوب يأتي التعليم الذي ثبت أنه يساعد كثيرا على تسريع تبني التقنيات الإنتاجية الحديثة، ففي تايلاند، أثبتت التجربة العملية أن أربع سنوات في التعليم تضاعف ثلاث مرات فرص إقبال الفلاح على استخدام المخصبات الكيميائية الجديدة، وفي الهند، يميل المزارعون المتعلمون إلى انتقاء بذور أجود واستخدام وسائل أفضل للري. ولا تقل عوامل الصحة والتغذية أهمية عن سابقاتها في مجال مكافحة الفقر، فالمرض يعوق الشخص الفقيرعن العمل على زيادة دخله، كما يقلص فرص التعلم. وقد أظهرت نتائج دراسات حديثة أن أجور العمال في المناطق الريفية بسريلانكا زادت بنسبة 2% مع كل سعرة حرارية يكتسبها جسم المزارع. ووجدت أيضا أن الإصابة بالأنيميا تقلل إنتاجية الفرد، بينما تبرز علاقة طردية بين نسبة عنصر الحديد في الجسم والقدرة على الإنتاج. وفي هذا السياق، يكشف تقرير ايفاد أن الفجوات بين فرص الذكور والإناث في التعليم النظامي تزداد بشكل واضح في الريف مقارنة بالمدن، وهو ما ينعكس على مستوى وعي النساء، وبخاصة الفقيرات منهن. ويرتبط بهذه الحقيقة ارتفاع معدلات الولادة والتضخم السكاني في المناطق الريفية الفقيرة، لكن يبدوأن تنظيم النسل لا يتحقق بالضرورة بالأساليب التقليدية المتبعة في أغلب الدول، ففي بعض المناطق الفقيرة، وبالأخص في جنوب شرق آسيا، قادت التنمية الاقتصادية إلى التغيير بشكل أسرع مما أدت إليه جميع سياسات تنظيم الأسرة، وعن ذلك يقول فرانغ روي «لعل إحدى أبرز التجارب دلالة في آسيا تلك التي أثبتت أن النمو الاقتصادي يرتبط مباشرة بانخفاض معدلات النمو السكاني، ففي الستينيات والسبعينيات، ضغط العديد من حكومات الدول الآسيوية على الشعوب لتنفيذ برامج تنظيم الأسرة معتمدة على الوسائل التقليدية، مثل توزيع أقراص منع الحمل مجانا، ثم اكتشف الجميع مؤخرا أن التنمية (الاقتصادية) كانت السبب الأهم وراء تراجع معدلات المواليد في تلك الدول. ويستطرد رئيس مكتب ايفاد في آسيا قائلا «هذا التغير الناجم عن التطور الاقتصادي أدى إلى حصول النساء على مزيد من الحقوق الاجتماعية، ومن ثم إلى تخفيض معدلات الإنجاب أكثر وأكثر، والواضح أنه حين تتحسن الرعاية الطبية، وتنخفض معدلات الوفيات بين الأطفال، يزداد الإحساس بالأمان وتقل الرغبة في إنجاب المزيد من الأطفال». تراجع معدلات الإنجاب ووفقا لأحدث الإحصائيات، تتراجع معدلات الإنجاب في العديد من بلدان العالم الثالث حاليا، ومن المتوقع أن يتواصل هذا الانخفاض مستقبلا، وحين يترافق ذلك مع ارتفاع التناسب بين القوة العاملة والأفراد المعالين (مثل الأطفال الصغار) في المجتمع، تتزايد فرص نجاة الأسر في الدول النامية من مصيدة الفقر والجوع، فيقول روي «لقد تغيرت معدلات النمو السكاني في العديد من دول العالم، وارتبط ذلك في الكثير من الأحيان بتوافر فرص حياة أفضل للجميع». ويؤكد خبراء التنمية أن بإمكان دول أفريقيا وجنوب آسيا الاستفادة من هذه التغيرات الديموغرافية كقاعدة انطلاق لتحسين إنتاجها الزراعي، وبالرغم من خيبة الأمل التي عكسها تقرير ايفاد في مجال مكافحة الفقر، يبقى مسئولو هذه المنظمة التنموية مقتنعين بأن تقليص عدد الفقراء والجوعى في العالم إلى النصف بحلول العام 2015 هدف واقعي يمكن تحقيقه، بشرط إجراء التعديلات المناسبة فورا على السياسات المنتهجة حاليا في هذا المجال، وإن كانت المهمة «صعبة ومعقدة للغاية» حسب تعبير التقرير الصادر عن ايفاد، يزيد من تعقيدها وقوع أحداث غير متوقعة في المناطق المنكوبة بالفقر، مثل الحروب الأهلية والجفاف والأوبئة. ورلد نيوز لينك