بيان الاربعاء : ابدى رئيس الوزراء الأردني الاسبق د. عبدالسلام المجالي، تخوفه من ان تعمل اسرائيل على تصدير ازمتها إلى الدول العربية، كما فعلت سابقا، بحيث تقوم على تكثيف اجراءاتها التعسفية ضد الفلسطينيين، لتدفع شعوب المنطقة إلى «الهيجان» ومن ثم تدفع بعملائها لتوجيه هذا الهيجان الشعبي ضد أنظمة الحكم العربية. وقال المجالي في حديث خاص لـ «بيان الاربعاء»، ان غياب السلطة الوطنية الفلسطينية، سوف يحدث فوضى في الوسط الفلسطيني من شأنها ازالة أي شيء اسمه مقاومة، ولذلك يجب في هذه الفترة بقاء اللحمة والوحدة إلى حين انتهاء عملية السلام. وفيما يلي نص الحوار: ـ كيف تنظر إلى عملية السلام المتوقفة حاليا في ظل الممارسات الإسرائيلية خصوصا وان هذه الممارسات باتت اشد بطشا في الفترة الأخيرة؟ ـ من المؤسف للغاية ان معظم الشعب الإسرائيلي لم يستطع حتى الآن أن يدخل في قناعته أن السلام العادل والشامل إنما هو العمود الفقري لأمنه وقبوله في المنطقة. وهذا النمط من التفكير أدى إلى إفراز عدد من القادة الإسرائيليين الذين ألفوا ممارسة الحالة السياسية المربوطة كليا بهاجس الأمن، الأمر الذي وضع عربة السلام كلية فوق سكة الأمن والتفكير الأمني، هذه السكة التي تضع شرط الأمن ضرورة لازمة من اجل «الوصول إلى السلام»، وأنا لا افهم كيف يمكن لأي فرد أو أي شعب أن يصل إلى أمنه وطمأنينته إذا لم يكن سابق هذا المطلب سلاما يشعر الجميع بالرضى من خلاله. وهذا النمط من التفكير قادهم سواء زعماء إسرائيل أو مجمل المجتمع الإسرائيلي إلى الإيمان بمقولة أن العرب لا يمكن أن يوافقوا على السلام، إلا باستخدام العصا، بمعنى انه كلما كانت الدولة الإسرائيلية صارمة وقوية، كلما أمكن أن يرضخ الفلسطينيون أو العرب للإرادة الإسرائيلية. وإذا دققنا في هذا التفكير سنجده يغيب الأعراف والقيم العربية التي لا تقبل بالذل والمهانة، وشواهد الانتفاضة الحالية تؤكد أن استخدام القوة (لإقناع) الفلسطينيين بما يكرهون لم تزدهم إلا صلابة. والمراقب يلاحظ انه كلما اشتد البطش الإسرائيلي كلما زاد الصبر والمقاومة الفلسطينية والعربية. الأمر الآخر والذي سبب بعضا من الخلل في عملية السلام على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، هو أن القيادات الإسرائيلية، التي قلنا أنها تستخدم العنف (لإقناع) الطرف الفلسطيني بما يكره استطاعت أن تقنع الوسيط الأمريكي بهذا التوجه، وكان الغاية من ذلك لحصولهم على الدعم سواء السياسي أو المالي أو من خلال حصولهم على الدعم العسكري ومن أعلى المستويات. موقف الإدارة الأمريكية ـ إذن أنت ممن يقولون ان الإدارة الأمريكية الجديدة كشفت عن حقيقة لم تكشف عنها أي من الإدارات الأمريكية السابقة، خصوصا في موقفها الأخير والمتمثل في استخدام حق الفيتو؟ ـ لا أبدا أنا اعتقد غير ذلك، فالإدارة الأمريكية الجديدة ما زالت تتدارس مواقفها وسياستها بالنسبة للشرق الأوسط، ولم تبت في الأمر بعد، وهذا أمر واضح إذا دققنا في طريقة عمل الإدارة الأمريكية السابقة، بمعنى أن المواقف الأمريكية النهائية مازالت طي الإعداد والتدارس. ـ ولكن ماذا عن التصريحات التي أطلقتها هذه الإدارة وما زالت تطلقها؟ ـ مجرد تكتيك سياسي مؤقت، وهناك حقيقة يجب ان لا نغفلها في الإدارة الأمريكية الحالية، وهي أن عملية السلام من صنع الرئيس بوش الاب والعديد من الشخصيات التي تشارك في هذه الإدارة شاركت أيضا في صنع مدريد، وهذه نقطة في غاية الأهمية. وإذا أردت القياس واستشراف عمل الإدارة الأمريكية الحالية بالإمكان التذكير هنا أن الديمقراطيين وعلى رأسهم الرئيس كلينتون اعتمدوا في الحملة الانتخابية التي فاز بها كلينتون على التأكيد بان الولايات المتحدة يجب أن تقلل من تدخلها في أزمات الشرق الأوسط، وكان الجميع يعلم هذه الدعوات التي مازال الديمقراطيون يطلقونها سواء قبل استلام كلينتون للحكم أو بعده بقليل، إلا أن الجميع يعرف أن الأمور انقلبت بعد ذلك رأسا على عقب، بحيث أصبحت هذه العملية أولى أولويات إدارة كلينتون. ـ ما هو السيناريو الذي تخشى حدوثه في المنطقة خصوصا بعد تصاعد البطش الإسرائيلي الميداني ضد الفلسطينيين؟ ـ الخشية الحقيقية والتي بات ينظر إليها الجميع بجدية في الوقت الراهن وهي أن تعمل إسرائيل على تصدير أزمتها إلى الدول العربية، كما فعلت سابقا بحيث تقوم على تكثيف اجراءاتها التعسفية ضد المواطنين الفلسطينيين لتدفع شعوب المنطقة إلى الهيجان، ومن ثم تدفع بعملائها وبمختلف الطرق ليعملوا على توجيه هذا الهيجان الشعبي ضد أنظمة الحكم العربية، وبذلك تنجح في أبعاد الأزمة عنها. وأنا أدعو الجميع سواء أنظمة الحكم أو الأحزاب على مختلف تياراتها سواء يمينية أو يسارية أو معارضة بالإضافة إلى المواطنين إلى التنبه لهذا الخطر الذي طالما اتبعته إسرائيل من اجل أبعاد الخطر عنها. انه شرك نجحت إسرائيل في ممارسته في وقت سابق، أما الآن فعلى الجميع التنبه له. السلطة مهددة ـ يخشى بعض المراقبين والسياسيين ان تهدد الانتفاضة الحالية الكيان المؤسسي للفلسطينيين والذي هو السلطة الوطنية الفلسطينية فهل تعتقد أن هذه الخشية في محلها؟ ـ بالتأكيد هي في محلها، فالسلطة مهددة اليوم اكثر من أي وقت مضى، وإذا أتيحت لإسرائيل الفرصة فإنها ستعمل فورا على ازالتها لأنها نادمة على قيام هذه الكينونة الفلسطينية، وما سبب اغتيال أحد المتطرفين لرابين إلا لأنه اعترف بكيان الشعب الفلسطيني ووجوده وحقه كشعب في الحياة، وهذا الأمر لم يكن قبل ذلك موجودا وان الأزمة التي كان يعانيها العرب في السابق أن إسرائيل لم تكن تعترف بوجود شيء اسمه الشعب الفلسطيني أصلا. والجميع يعلم أن من شأن غياب السلطة الفلسطينية أن يحدث في الوسط الفلسطيني فوضى كبيرة، ومن شأن هذه الفوضى في المقابل أن أن تزيل أي شيء اسمه مقاومة. ومن هنا المطلب الأهم في هذه الفترة للشعب الفلسطيني هو بقاء اللحمة والوحدة بين فصائله ومختلف توجهاته، وبضرورة أن تدفع بالخلافات خارج البيت الفلسطيني إلى حين انتهاء عملية السلام. فلا مجال في الوقت الراهن لمناقشة طبيعة الاختلافات والتوجهات الفلسطينية الفلسطينية، وإنما المطلوب حاليا التكاتف والتجمع حول القيادة الفلسطينية لاستبعاد خيار الفوضى الماحقة للجميع. ـ باتت ضربات إسرائيل تقترب اكثر فاكثر حول الدائرة الأصغر للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وهذا ينذر بالخطر، فهل تعتقد أن إسرائيل في الوقت الراهن تبحث عن تغييب عرفات؟ ـ كل فوضى فلسطينية لصالح إسرائيل هذه نقطة يعلمها الجميع وعلى الجميع أيضا أن لا يغفلوا عنها، ومن المعروف لدى الجميع القول بان ياسر عرفات شخصية قيادية استطاعت الصمود في احلك الظروف، واقساها وقليل هم القادة الذين مروا بالتجارب نفسها التي مر بها أبو عمار ولكن دعني أتقول أن الأمة لا ترتكز على شخص أو حتى اختصار الشعب الفلسطيني بشخص واحد. الخروج من الأزمة ـ يشتد الظرف الميداني قسوة على الشعب الفلسطيني فما هو المطلوب برأيك من السلطة الوطنية الفلسطينية للخروج من هذه الأزمة؟ ـ اعتقد انه يجب على قادة السلطة الوطنية الفلسطينية أن يستبعدوا خيار الرصاص في هذه الظروف القاسية لأنهم كما نرى كلما استخدموه زاد العبء عليهم والبطش الإسرائيلي. و إنا اعتقد أن الحجر يعمل في هذا الطريق أسرع من الرصاصة، وقد تأكد لنا عبر الممارسة أن العالم يتعاطف بصورة قوية مع رماة الحجر بعكس حاملي الرشاشات، بمعنى أن منطق الحجر هو اللغة التي سيفهمها الرأي العام العالمي وليس لغة الرصاص التي دفعت العالم إلى الاعتقاد بان ما يجري في فلسطين حرب يقاتل فيها الطرفان بينما الحقيقة غير ذلك. والأوروبيون مثلا لا يمكن أن يوافقوا على استخدام الجنود الإسرائيليين لأسلحتهم بينما يقوم الفلسطينيون بقذفهم بالحجارة، هذا أمر غير مقبول عالميا، وخصوصا لدى أوروبا. وإذا ما استخدم الفلسطينيون هذا الأسلوب فان ميل الرأي العام العالمي سيكون معهم بالتأكيد وبشكل كامل. ـ هل من الممكن أن يؤثر الواقع الميداني في الأراضي المحتلة على معاهدة السلام الموقعة بين الأردن وإسرائيل؟ ـ معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية ليس سياسة تكتيكية وإنما هي عملا إستراتيجيا آمنا به. ـ وهل تعتقد أن تؤثر على العلاقات الأردنية الإسرائيلية؟ ـ هذا أمر مؤكد لابد أن الأوضاع الساخنة في الأراضي المحتلة تعمل بصورة واضحة ومباشرة على التأثير على العلاقات الأردنية الإسرائيلية، وقد شاهدنا ذلك مليا في الفترة السابقة. القمة العربية ـ انتهت القمة العربية التي عقدت في عمان نهاية هذا الشهر، وهناك من يرى أنها لم تستطع أن تلبي طموحات الجماهير العربية، فما هو رأيك حيال هذا الأمر؟ ـ لقد حاول كثير من السياسيين في السابق على دفع مؤسسة القمة إلى الالتقاء وقد منعت العديد من العقبات القمة من أن تلتئم في الماضي، ولكن في النهاية استطاع القادة العرب وبنسبة حضور معقولة الالتقاء في عمان وأنها مناسبة الأولى من نوعها، ليسجل مؤتمر عمان انه الأول في الاجتماعات الدورية سنوية. ومن المؤكد بان إقرار الانعقاد الدوري للقمة العربية هو الإنجاز الأهم في هذه المرحلة عموما، وهو أمر لا ينبغي التقليل من أهميته. وان كنت أرجو وخصوصا على صعيد عملية السلام على المسار الفلسطيني الإسرائيلي أن يتم تشكيل لجنة من عدد من رؤساء الدول العربية للقيام بجولة عالمية من اجل إحاطة دول العالم بوجهة النظر العربية حيال ما يجري من عنف في الأراضي العربية المحتلة. أ ما من حيث النتائج المحققة، فان تقدم خطوة الحالة العراقية الكويتية إلى الإمام شكلت حالة مبشرة فالكل يذكر أنه في السابق لم تقدر الأطراف العربية حتى على جمع الطرفين في مكان واحد أما في قمة عمان فقد اجتمع كل من العراق والكويت وكان ذلك عن طريق الوسطاء. ولحرص القادة العرب على استمرارية النقاش قاموا بتفويض الملك عبدالله الثاني لمتابعة الملف بأكمله، وقد شجع القيام بهذا التفويض ما ظهر من أن الحالة العراقية الكويتية قطعت اكثر من منتصف الطريق إلى المصالحة، وبان جهود جلالة الملك التي من المنتظر أن يبدأ بها ستنتهي الى نتيجة مرضية لطموحات الشعوب العربية. بالنسبة للكويت فقد صوتت في القمة لصالح رفع العقوبات عن العراق، وأكد العراقيون انهم لا يهددون أمن جيرانه، وهذا تقدم معقول للملف بأسره نعلم أن طموحات الجماهير العربية ترقى إلى مستوى المصالحة الشاملة والنهائية، التي تعذر حضورها في هذه المرة ولا يمكن للمجلس أن يحمل عصا سحرية كما أكدت عليه القمة أثناء انعقادها وعلى لسان اكثر من دولة عربية.وتغلب على طموحات الشعوب وتوقعاتها العاطفة، مع العلم أن مثل الملفات التي انيطت بالزعماء العرب لا يمكن حلها في جلسة واحدة، ومن هنا تبدأ الانتقادات. ـ بعض المعلقين السياسيين في الأردن يرون أن القادة العرب لم يتعاملوا مع التصريحات الإسرائيلية المتشددة كما يجب، فهل هذا صحيح بنظرك؟ ـ الدول لا تتعامل مع بعضها البعض تأسيسا على التصريحات، ومن المشاهد أن العديد من السياسيين يصرحون اليوم بامر وغدا يصرحون بعكسه هذه أمر معروف ومشاهد. المهم هل وقفت القمة مع الشعب العربي الفلسطيني بصورة مقبولة مادة وروحا، هذا هو الأمر المهم. أما الجواب على هذا السؤال فيؤكده البيان الختامي الذي صدر بعد نهاية القمة العربية. الدبلوماسية العربية ـ تأتي زيارة كل من الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية انعقاد القمة العربية، فكيف تنظر إلى الآلية التي يجب أن تقوم بها الدبلوماسية العربية بعد القمة؟ ـ لا شك أن الزعيمين شرحا الموقف العربي بكل جرأة، وعبرا عن المشاعر والمخاوف العربية تجاه ما يجري في المنطقة من تصعيد وعنف، وهذا هو المطلوب عربيا. فعلى القادة العرب أن يوصلوا الرسالة العربية إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، حتى لا تكون إسرائيل هي اللاعب الوحيد في واشنطن. ـ هل تعتقد أن واشنطن ستقوم بالضغط على العرب من اجل تغيير مواقفهم؟ ـ أنا لا اعتقد أن هناك ضغوطا أمريكية، يمكن أن نسميها وجهة نظر أمريكية انهم يطلبون ويرجون وهذا كل ما يفعلونه للتعبير عن وجهة نظرهم. ـ هل تعتقد أن إسرائيل تسعى لنشوب حرب في المنطقة في الفترة القليلة المقبلة؟ ـ لا إطلاقا لا اعتقد ذلك، فالحرب مرفوضة من قبل الجميع، ثم أن العالم لا يسمح بذلك أبدا. وإذا أردت أن أفند هذا التخوف فإنني أسأل: ان الحرب دائما تقام من اجل أهداف فما هي الأهداف التي من الممكن أن تنجح في تحقيقها إسرائيل حتى تقوم بإنضاج ظروف ما تدعو إلى الحرب. هل ستهدف إلى احتلال ما ردته من الأراضي هذا أمر مستحيل. أما الطرف العربي فمن الواضح جدا أن السلام اصبح استراتيجية أساسية في عمله السياسي سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.